أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - هدى زوين - التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي














المزيد.....

التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 00:53
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم يعد التعارف في زمننا الحديث فعلًا إنسانيًا مباشرًا، تحكمه لغة الجسد ونبرة الصوت وتفاصيل الحضور، بل انتقل إلى فضاء رقمي تُدار فيه العلاقات عبر نوافذ صغيرة مضيئة، تُختزل فيها الشخصيات إلى صور منتقاة بعناية، وكلمات محسوبة، وسلوك رقمي قد لا يمتّ للواقع بصلة. لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد أدوات للتواصل، بل تحوّلت إلى منظومات ثقافية وسلوكية تعيد تشكيل مفهوم العلاقات، وتعيد تعريف الثقة، وتربك الحدود بين الحقيقي والمصطنع.
في هذا الفضاء المفتوح، يلتقي أشخاص من مجتمعات مختلفة، وثقافات متباعدة، وخلفيات نفسية متناقضة، تحت عنوان واحد: “التعارف”. غير أن هذا العنوان الفضفاض يخفي تحته نوايا متباينة؛ فمنهم من يبحث عن تواصل إنساني صادق، ومنهم من يتقن فنّ التلاعب والاستدراج، ومنهم من يصنع لنفسه صورة مثالية لا وجود لها إلا على الشاشة. وهنا تتحوّل العلاقة من مساحة تواصل إلى مساحة اختبار للوعي، لا للعاطفة فقط.
العالم الافتراضي: هل هو أداة أم بديل عن الواقع؟
لم يعد السؤال اليوم: هل نستخدم العالم الافتراضي؟
بل: كيف نستخدمه، وبأي وعي؟

العالم الرقمي ليس شرًا مطلقًا ولا خلاصًا مطلقًا، بل أداة. والأداة بطبيعتها محايدة، تتلوّن بوعي مستخدمها. المشكلة لا تكمن في وجود المنصّات، بل في تحويلها إلى مرجعية للحقيقة، ومصدر وحيد للمعرفة، وبديل عن العلاقات الإنسانية الطبيعية. حين نمنح الصورة سلطة أكبر من الفكرة، وعدد المتابعين قيمة أعلى من عمق المحتوى، والصوت العالي مصداقية تفوق المعنى، يبدأ الخلل الثقافي قبل أن يبدأ الخلل الاجتماعي.
لقد أعادت وسائل التواصل تشكيل مفهوم “القرب”، فأصبح القرب وهميًا، سريعًا، هشًا، قائمًا على الانطباع لا على المعرفة، وعلى التفاعل اللحظي لا على التراكم الإنساني.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، لم تعد الإشكالية محصورة في حسابات وهمية أو أشخاص متخفّين خلف شاشات، بل انتقلنا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: صور تُصنع، أصوات تُركّب، محادثات تُدار آليًا، وشخصيات كاملة تُخلق بلا وجود بشري حقيقي. لقد وفّر الذكاء الاصطناعي إمكانيات هائلة للتواصل والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه فتح أبوابًا خطيرة للتلاعب النفسي، وتزوير الثقة، وصناعة الوهم بشكل احترافي يصعب على المستخدم العادي تمييزه.
هنا لم يعد الخطر تقنيًا فقط، بل أخلاقيًا وثقافيًا، لأن الإنسان قد يصبح ضحية “حضور وهمي” يتقن محاكاة المشاعر، وبناء التعاطف، واستدراج الثقة، دون أي مسؤولية إنسانية حقيقية.

من أخطر التحولات المعرفية اليوم تشكّل جيل يستهلك المعرفة بصريًا وسريعًا، يفضّل الفيديو المختصر على النص العميق، ويتلقى المعلومة دون تمحيص أو تحليل. هذا النمط الاستهلاكي السريع أضعف مهارات التفكير النقدي، وقلّل من قدرة الفرد على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين التأثير والمعرفة، وجعل المتلقي أكثر عرضة للانقياد العاطفي والفكري.
حين تُختصر القضايا الكبرى في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة، يصبح الوعي هشًا، ويسهل اختراقه، سواء في العلاقات، أو في القناعات، أو في صناعة الرأي.
التعارف بين الوعي والسذاجة الرقمية
التعارف عبر المنصّات ليس خطأ في ذاته، لكنه يصبح خطرًا حين يُبنى على: منح الثقة قبل التحقق،
ومشاركة الخصوصية قبل الأمان،
والخلط بين اللطف والصدق،
وبين الاهتمام والاستغلال.
العلاقة الرقمية تحتاج إلى وعي مضاعف، وحدود واضحة، وثقافة نفسية واجتماعية تحمي الفرد من الانزلاق خلف الصورة الجميلة أو الخطاب العاطفي. فليس كل من يجيد التعبير صادقًا، ولا كل من يظهر متعاطفًا آمنًا، ولا كل من يبدو “واقعيًا” حقيقيًا.

نحن لا نعيش أزمة أدوات، بل أزمة وعي. ولا نحتاج إلى الهروب من العالم الرقمي، بل إلى دخوله بعقل نقدي، وبوصلة أخلاقية، وحدود تحمي الإنسان من الذوبان داخل الصورة. فالتكنولوجيا ستتطور، والذكاء الاصطناعي سيزداد تعقيدًا، لكن الإنسان وحده مسؤول عن أن يحافظ على وعيه، وكرامته، وإنسانيته، وسط عالم يتقن صناعة الوهم أكثر مما يتقن صناعة الحقيقة.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يدري ما تراه النعامة في الرمال؟
- سياسات القطع وإغتيال الذاكرة بصمت..
- الجسد المستباح وضمير المجتمع الغائب
- المرأة في مواجهة منظومة الاستباحة
- التوقيع المأجور: القلم كأداة فساد
- الاستثمار والتعاون المشترك: تصدير العقول والخبرات نحو العالم
- سيكولوجية الوقت والبعد الكوني هل الوقت كائن يرافقنا إلى ما ب ...
- أيادٍ بين الضمير والسلطة
- المهرجانات… حين تبتلعها النزوات
- رجال الظل.. حراس لا تُرى آثارهم
- الرواية الغامضة بين زمنين
- أعاصير الغربان: نبوءةُ عاصفةٍ تحوّلُ مصير الأوطان
- الرداء الأبيض...من نور البداية إلى سكون الرحيل
- من فلسطين إلى لبنان الجنوب… أرض وهوية لا تنكسر
- أزمة وطن في دائرة مغلقة
- محطات الإنسان في رحلة الحياة
- الفصول تعود... والبشر يرحلون عن أنفسهم
- الإنسانية المنكسرة في زمن السرعة
- الوطن بيتنا الكبير: التآخي طريق الكرامة والحرية
- جوهر الرجولة بين البقاء والاندثار


المزيد.....




- ترامب يوجه -تحذيرًا- إلى العراق بشأن إعادة انتخاب نوري المال ...
- أخبار اليوم: نتنياهو يؤكد على نزع سلاح حماس وعدم السماح بقيا ...
- إسبانيا تسوى وضعية نصف مليون مهاجر وتفتح أمامهم جميع الأبواب ...
- نتانياهو يشدد على أنه لن يسمح بقيام -دولة فلسطينية في غزة- و ...
- ذكـرى الـمـحـرقـة: أي أثـر عـلـى الـذاكـرة؟
- أوروبا - الهند: لماذا هذا الاتفاق التجاري في عالم مضطرب؟
- إعلام عبري: نتنياهو يلغي إحاطة أمنية مع لابيد بشأن إيران وغز ...
- علماء يقدمون ساعة نهاية العالم لأقرب وقت من منتصف الليل
- 88 ألف نازح من كردفان في شهرين جراء القتال في السودان
- أكسيوس: كواليس تحول ترمب من الانتقام إلى التهدئة بمينيسوتا


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - هدى زوين - التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي