هدى زوين
كاتبة
(Huda Zwayen)
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 21:45
المحور:
القضية الكردية
ليست الهوية مجرد اسم أو لغة أو حدود جغرافية، بل هي ذاكرة حيّة تمشي داخل الإنسان، وقدرة صامتة على الاستمرار رغم تغيّر الأزمنة وتقلب الخرائط. بعض الشعوب لا تعيش هويتها بوصفها امتيازًا، بل اختبارًا طويلًا للبقاء، يُعاد مع كل جيل: كيف نحافظ على أنفسنا دون أن نفقد جوهرنا؟ وكيف نبقى رغم كل التحديات؟
في تجربة الكُرد، تتجلى الهوية ككائن حيّ يتنفس الصبر. لم تكن الأرض مجرد مساحة، بل ذاكرة جماعية، واللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل خزان للوجدان والحكايات والأغاني والحنين. حين تضيق السياسة، تتسع الثقافة. وحين تُغلق الأبواب، تظل الأغنية مفتوحة على الذاكرة. هكذا حافظت الهوية على نفسها: ليس بالصدام وحده، بل بالاستمرار الهادئ، وبالقدرة على إعادة إنتاج المعنى داخل الظروف القاسية.
الهوية التي تصمد ليست تلك المبنية على الشعارات وحدها، بل تلك التي تسكن التفاصيل اليومية: في طريقة الحديث، في طقوس الفرح والحزن، في الحكايات التي تُروى للأطفال. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع المناعة الثقافية وتحمي الذاكرة من الذوبان حين تتغير الظروف.
البقاء ليس فعل عناد دائم، بل أحيانًا فعل مرونة ذكية. أن تعرف متى تتمسّك، ومتى تتكيف دون التنازل عن الجوهر. الشعوب التي تعيش طويلًا مع التحديات تتعلم أن الهوية ليست جدارًا صلبًا، بل نهرًا يعرف كيف يغيّر مساره دون أن يفقد منبعه.
المعاناة، رغم قسوتها، تصنع وعيًا مختلفًا، وتجعل الإنسان أقل انخداعًا بالمظاهر، وأكثر التصاقًا بجوهره الإنساني. الذاكرة الجماعية، لدى الشعوب التي اختبرت الألم، تصبح عنصر قوة، وخزان حكمة، لا سجل خسارات.
وفي عالم سريع الذوبان الثقافي، يصبح سؤال الهوية أكثر إلحاحًا:
كيف نحفظ خصوصيتنا دون عزل أنفسنا؟ كيف ننفتح دون أن نذوب؟ الجواب يكمن في الوعي النقدي، والتعليم، والثقافة الحيّة، والإعلام المسؤول، الذي يحفظ الذاكرة دون تحويلها إلى سجن.
الهوية التي لا تتعب من البقاء ليست تلك التي ترفع صوتها عاليًا، بل التي تعرف كيف تعيش في العمق، وتنتقل بهدوء من جيل إلى جيل، مثل نار صغيرة لا تنطفئ، لكنها لا تحرق. هيية تعرف أن البقاء ليس مجرد استمرار جسدي، بل استمرار للمعنى، للقيم، وللإنسان في أبهى ما فيه.
#هدى_زوين (هاشتاغ)
Huda_Zwayen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟