أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هدى زوين - مدن تتنفس الرماد














المزيد.....

مدن تتنفس الرماد


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 22:13
المحور: المجتمع المدني
    


في كل مرة ترتفع فيها أعمدة الدخان من فوق المصانع يبدو المشهد وكأنه إعلان غير مكتوب عن انتصار الإنتاج على الإنسان فالتقدم الذي لا يُرى إلا من خلال الأرقام غالبا ما يخفي وراءه خسائر لا تظهر في التقارير الرسمية الهواء الذي يفترض أن يكون حقا مشتركا يتحول إلى عبء ثقيل والرئة البشرية تصبح السجل الحقيقي لنتائج السياسات المؤجلة

دخان المصانع لا يصعد إلى السماء وحده بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية إلى صحة الأطفال إلى تعب كبار السن وإلى مدن تفقد ملامحها شيئا فشيئا فالتلوث الصناعي لا يعلن حضوره دفعة واحدة بل يعمل بصمت طويل النفس حتى يصبح واقعا معتادا يصعب الاعتراض عليه

وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه هل يمكن اعتبار التنمية إنجازا إذا كانت تقوم على استنزاف الإنسان قبل الموارد وهل يكون النمو الحقيقي هو ذاك الذي يوسع الاقتصاد بينما يضيق أفق الحياة وجودتها

المشكلة ليست في الصناعة باعتبارها ضرورة لا غنى عنها بل في غياب الرؤية التي توازن بين الإنتاج والحياة حين تصبح الأرباح الهدف الأوحد تتحول المصانع من أدوات بناء إلى مصادر تهديد وتغدو القوانين البيئية مجرد نصوص لا تطبق إلا على الورق

إن دخان المصانع لا يعترف بالحدود ولا يفرق بين مدينة وأخرى ولا بين طبقة وأخرى وما ينبعث من مدخنة واحدة قد يمتد أثره ليصيب مجتمعا بأكمله مؤكدا أن التلوث قضية جماعية وأن الصمت عنه ليس حيادا بل مشاركة غير مباشرة في استمراره

ومع ذلك لا تزال الفرصة قائمة فالتقنيات الحديثة والرقابة الجادة والتشريعات المسؤولة قادرة على إعادة تعريف العلاقة بين الصناعة والبيئة فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد المصانع ولا بارتفاع المداخن بل بقدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يختنق بما يصنعه

في النهاية يبقى دخان المصانع اختبارا حقيقيا لصدق القرارات ولجوهر التنمية فإما أن يكون الإنتاج في خدمة الإنسان أو يتحول الإنسان إلى ضحية صامتة له وما بين الخيارين يتحدد شكل المستقبل الذي نصنعه لأنفسنا وللأجيال القادمة.

في كل مرة ترتفع فيها أعمدة الدخان من فوق المصانع يبدو المشهد وكأنه إعلان غير مكتوب عن انتصار الإنتاج على الإنسان فالتقدم الذي لا يُرى إلا من خلال الأرقام غالبا ما يخفي وراءه خسائر لا تظهر في التقارير الرسمية الهواء الذي يفترض أن يكون حقا مشتركا يتحول إلى عبء ثقيل والرئة البشرية تصبح السجل الحقيقي لنتائج السياسات المؤجلة

دخان المصانع لا يصعد إلى السماء وحده بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية إلى صحة الأطفال إلى تعب كبار السن وإلى مدن تفقد ملامحها شيئا فشيئا فالتلوث الصناعي لا يعلن حضوره دفعة واحدة بل يعمل بصمت طويل النفس حتى يصبح واقعا معتادا يصعب الاعتراض عليه

وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه هل يمكن اعتبار التنمية إنجازا إذا كانت تقوم على استنزاف الإنسان قبل الموارد وهل يكون النمو الحقيقي هو ذاك الذي يوسع الاقتصاد بينما يضيق أفق الحياة وجودتها

المشكلة ليست في الصناعة باعتبارها ضرورة لا غنى عنها بل في غياب الرؤية التي توازن بين الإنتاج والحياة حين تصبح الأرباح الهدف الأوحد تتحول المصانع من أدوات بناء إلى مصادر تهديد وتغدو القوانين البيئية مجرد نصوص لا تطبق إلا على الورق

إن دخان المصانع لا يعترف بالحدود ولا يفرق بين مدينة وأخرى ولا بين طبقة وأخرى وما ينبعث من مدخنة واحدة قد يمتد أثره ليصيب مجتمعا بأكمله مؤكدا أن التلوث قضية جماعية وأن الصمت عنه ليس حيادا بل مشاركة غير مباشرة في استمراره

ومع ذلك لا تزال الفرصة قائمة فالتقنيات الحديثة والرقابة الجادة والتشريعات المسؤولة قادرة على إعادة تعريف العلاقة بين الصناعة والبيئة فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد المصانع ولا بارتفاع المداخن بل بقدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يختنق بما يصنعه

يبقى دخان المصانع اختبارا حقيقيا لصدق القرارات ولجوهر التنمية فإما أن يكون الإنتاج في خدمة الإنسان أو يتحول الإنسان إلى ضحية صامتة له وما بين الخيارين يتحدد شكل المستقبل الذي نصنعه لأنفسنا وللأجيال القادمة.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زهرة النرجس تحت التراب…
- النزاع الأخير… صرخة الجنوب التي تقهر الإنسانية
- الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟
- هوية لا تتعب من البقاء
- رحلة في صحراء العقل..
- التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي
- من يدري ما تراه النعامة في الرمال؟
- سياسات القطع وإغتيال الذاكرة بصمت..
- الجسد المستباح وضمير المجتمع الغائب
- المرأة في مواجهة منظومة الاستباحة
- التوقيع المأجور: القلم كأداة فساد
- الاستثمار والتعاون المشترك: تصدير العقول والخبرات نحو العالم
- سيكولوجية الوقت والبعد الكوني هل الوقت كائن يرافقنا إلى ما ب ...
- أيادٍ بين الضمير والسلطة
- المهرجانات… حين تبتلعها النزوات
- رجال الظل.. حراس لا تُرى آثارهم
- الرواية الغامضة بين زمنين
- أعاصير الغربان: نبوءةُ عاصفةٍ تحوّلُ مصير الأوطان
- الرداء الأبيض...من نور البداية إلى سكون الرحيل
- من فلسطين إلى لبنان الجنوب… أرض وهوية لا تنكسر


المزيد.....




- اليونيسف: أطفال غزة يتعرضون لانتهاكات وحشية ويحتاجون إلى الأ ...
- الاعتقال الإداري يلاحق فلسطينيي الداخل.. ملفات سرية وعزل ممن ...
- ملفات سرية وعزل بلا تهم.. الاعتقال الإداري يطال فلسطينيي 48 ...
- غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء وسط خروقات إسرائيلية وعاصفة رملية ...
- غزة: 7 شهداء و13 مصابا وعاصفة رملية تضاعف معاناة النازحين
- 7 شهداء خلال يومين.. عاصفة رملية تضاعف مأساة النازحين في قطا ...
- قائد الجيش اللبناني يبحث مع الأمين العام للأمم المتحدة الأوض ...
- جندي بريطاني يوثق -إعدامات التسلية- بحق جياع غزة في مراكز إغ ...
- الأمم المتحدة تدعو إلى السماح بمرور الشحنات الإنسانية عبر مض ...
- الأمم المتحدة: الوضع الإنساني في لبنان كارثي


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هدى زوين - مدن تتنفس الرماد