أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن صالح الشنكالي - العراق بين ذاكرة الحصار وضرورة السيادة: هل نتعلم من الامس قبل أن نغامر بالغد















المزيد.....

العراق بين ذاكرة الحصار وضرورة السيادة: هل نتعلم من الامس قبل أن نغامر بالغد


حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي

(Hassan Saleh Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
ليس أخطر على الاوطان من لحظةٍ يختلط فيها صوت العقل بضجيج الاصطفافات، فتضيع البوصلة بين من يدفع نحو التهدئة ومن يجر البلاد إلى حافة الاشتعال. العراق اليوم يقف في هذه المنطقة الرمادية الحساسة؛ ليس بعيداً عن التوتر، ولا آمنا تماماً من الانزلاق. وكلما أرتفعت حرارة الصراع في الاقليم، عاد السؤال المؤجل ليطرق الابواب بقوة: هل يملك العراق قراره حقا، أم انه ما زال عرضة لرياح الآخرين؟

ذاكرة العراقيين لا تزال حية، ليست كحكاية من الماضي، بل كجرح مفتوح. سنوات الحصار لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل تجربة قاسية كشفت كيف يمكن لقرار سياسي متهور أن يعزل بلداً كاملا ويضع شعبه تحت ضغط لا يحتمل. واليوم، ومع كل مؤشر توتر، لا يبدو الخوف مبالغاً فيه، بل ضرورة وطنية تفرض الحذر: لا مجال لمغامرة جديدة، ولا ترف لتكرار الخطأ.

في المقابل، شهدت السنوات الاربع الأخيرة محاولات جادة لإعادة العراق الى محيطه الدولي، عبر الانفتاح وبناء علاقات متوازنة، واستعادة شيء من الثقة. لكن هذا المسار ما زال هشاً، يواجه تحديات داخلية وخارجية، ابرزها غموض القرار السيادي، ووجود اطراف تتحرك خارج إطار الدولة، بما يهدد كل ما تحقق.

من هنا، لا يعود الحديث عن السيادة ترفاً فكرياً، بل يصبح سؤال بقاء: كيف يمكن للعراق أن يحمي نفسه من العودة الى العزلة، وأن يثبت موقعه كدولة متوازنة لا تابعة؟ وكيف يمكن له أن يبتعد عن محاور الصراع دون أن يفقد حضوره أو تأثيره؟


العراق قبل الحصار… من دولة رائدة الى بلد منهك
قبل فرض الحصار في عام 1990، كان العراق يعد من الدول المتقدمة نسبياً في المنطقة على مستوى التعليم والصحة وبعض الصناعات.
كانت الجامعات العراقية تستقطب الطلبة من دول عدة، وكان النظام الصحي يقدم خدمات مقبولة قياساً بظروف المنطقة، كما كانت هناك بنية صناعية بدأت تتشكل وتدعم الاقتصاد الوطني.

لكن بعد الحصار، انقلب المشهد بالكامل. تدهور التعليم وخرج تدريجياً من التصنيفات المتقدمة، وتراجعت الصناعة حتى كادت تنعدم، وانهك القطاع الصحي وأصبحت خدماته دون مستوى الطموح، وتآكلت الطبقة الوسطى وازدادت معدلات الفقر. هذه التحولات لم تكن قدراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات وضعت العراق في مواجهة مع العالم، فكان الشعب هو من دفع الثمن.

ذاكرة الحصار تحذرناً من تكرار الخطأ
ان تجربة الحصار ليست مجرد ذكرى، بل درس قاس ينبغي أن يبقى حاضرا في كل قرار سياسي. فالعراق لا يحتمل اليوم اي مغامرة جديدة قد تعيده إلى العزلة، ولا يمكن القبول بتكرار التجربة التي دفع ثمنها الملايين. ان أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نستهين بالتاريخ، أو نعتقد أن الظروف الحالية مختلفة بما يكفي لتجنب النتائج نفسها.

تعاف نسبي وقلق متصاعد
خلال السنوات الاربع الاخيرة، بدأ العراق يستعيد جزءاً من مكانته الدولية، عبر الانفتاح الدبلوماسي وتحسين علاقاته مع محيطه، واستعادة شيء من ثقة العالم.

لكن هذا المسار بدأ يواجه تحديات مقلقة في الاونة الاخيرة، حيث بات واضحاً أن القرار السيادي ليس بيد الشعب بشكل كامل، ولا بيد المؤسسات السياسية وحدها. وفي كل خرق أمني، يتكرر الحديث عن طرف ثالث، فاعل غير معلن يتدخل في المشهد، ويقوض الاستقرار، ويضع الدولة في مواقف حرجة. المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذا الطرف، بل في غياب القدرة الكاملة على ضبطه، وهو ما يضعف هيبة الدولة ويهدد مسار التعافي.

العراق ليس جزيرة ولا ينبغي أن يكون ساحة
العراق جزء من محيطه، ولا يمكنه أن يعيش بمعزل عن إيران وتركيا ودول الخليج والعالم. لكن هناك فرق كبير بين إن يكون العراق دولة ذات علاقات متوازنة، وبين أن يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة. ان بناء علاقات حسن الجوار، وتفعيل التبادل التجاري، وحماية البعثات الدبلوماسية، ليست خيارات ثانوية، بل شروط أساسية للاستقرار.

مرتكزات ابعاد العراق عن المحاور
ان الخروج من دائرة الاستقطاب لا يتم بالشعارات، بل عبر بناء سياسة واضحة تستند إلى مرتكزات عملية. في مقدمة هذه المرتكزات تثبيت مبدأ المصلحة الوطنية بوصفه المرجعية العليا في كل قرار خارجي، بحيث لا ينحاز العراق إلا لما يخدم استقراره وتنميته.
كما يقتضي الامر تبني سياسة توازن حقيقية، تقوم على فتح قنوات متكافئة مع جميع الاطراف، دون ارتهان أو تبعية، ودون الدخول في محاور مغلقة.
ومن الضروري أيضاً حصر القرار الامني بيد الدولة، ومنع أي جهة من جر البلاد إلى صراعات خارج إرادتها، لان تعدد مراكز القرار هو المدخل الاخطر لفقدان السيادة.
ويضاف إلى ذلك تعزيز الاقتصاد الوطني وتنويع مصادره، لان الاقتصاد القوي هو الضامن الأهم للاستقلال السياسي، وهو الذي يمنح الدولة القدرة على المناورة دون ضغوط.
واخيرا، تفعيل الدبلوماسية العراقية لتكون جسراً للحوار لا ساحة للتوتر، بما يعيد للعراق دوره الطبيعي كحلقة وصل لا كساحة صراع.

بين التعاطف والانخراط
من الطبيعي ان يتعاطف العراق مع شعوب المنطقة، وان يرفض الاعتداءات، لكن هذا لا يعني الانخراط في صراعات لا تخدم مصلحته. العراق اليوم بحاجة إلى سياسة عقلانية توازن بين المواقف الانسانية والمصلحة الوطنية، دون الانجرار إلى حروب لا ناقة له فيها ولا جمل.

كلفة التهور في زمن الاقتصاد المفتوح
أي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى نتائج خطيرة مثل إنسحاب الشركات الأجنبية لاستخراج وتصدير النفط، وهروب الاستثمارات، وتراجع الاقتصاد، واهتزاز العملة. وهذه النتائج إذا بدأت، يصعب السيطرة عليها، خصوصاً في ظل اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الخارج.

السيادة مسؤولية وليست شعاراً
السيادة لا تعني رفع الشعارات، بل تعني امتلاك القرار وضبط الداخل ومنع أي جهة من فرض إرادتها خارج إطار الدولة. العراق لا يحتاج أن يربط مصيره باي محور، بل يحتاج أن يؤكد هويته الوطنية: نحن عراقيون أولاً، ومصلحتنا فوق كل إعتبار.

خاتمة
التاريخ لا يعيد نفسه بنفس التفاصيل، لكنه يعيد نتائجه عندما تتكرر الاخطاء. وقد دفع العراق ثمناً باهظاً في الماضي، حين دخل في مواجهات غير محسوبة، فخسر موقعه وتراجعت مؤسساته.

اليوم، وبعد كل ما جرى، لا نريد أن نكرر التجربة من جديد. نريد دولة قوية، متوازنة، ذات قرار مستقل، تبني علاقات مع الجميع دون ان تكون تابعة لأحد، ودون أن تتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين.

العراق لا يحتاج إلى مغامرات جديدة، بل إلى حكمة تحفظ ما تبقى، وتبني ما يمكن بناؤه.



##حسن_صالح_الشنكالي (هاشتاغ)       Hassan_Saleh_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آدم… أكثر من مجرد اسم
- لماذا أصبحنا وقودًا لكل حرب إقليمية
- نظام في العراق: لا هو دولة دينية عادلة ولا دولة مدنية يحكمها ...
- الرسوم الكمركية: بين منطق الحماية واختبار الكفاءة الاقتصادية
- العراق بين وهم المواجهة وحقيقة الحروب الحديثة
- العراق : انتقال من استبداد الفرد إلى فوضى المحاصصات
- شمال سوريا على صفيح ساخن… قسد بين الضغط والتمدد
- اهلاً بالحكومة السابعة ….
- نزع السلاح: شجاعة وطنية ومسؤولية عراقية
- البرلمان الطلابي: من فكرة تربوية الى ممارسة ديمقراطية داخل ا ...
- من الهروب من التطرف إلى إعادة إنتاجه في أوروبا
- العدالة المؤجَّلة وإعادة إنتاج اللاثقة
- الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلا ...
- العراق بين الصراع الأقليمي وصراعات الداخل
- لماذا لا يحدث التغيير في مدارسنا؟
- حرب الطقس… من القنبلة الذرية إلى التحكم بالمناخ كاداة نفوذ
- جلوس قادة الكُرد في دهوك: هل نحن مقبلون على خارطة جديدة؟
- عراق ما بعد الانتخابات: نتائج بلا أغلبية… ومشهد بلا بوصلة
- غياب المشروع الوطني… العراق بين وهم الوحدة وحقيقة الانقسام
- زهران عمدة نيويورك الجديد خليط متجانس


المزيد.....




- ترامب يهدد إيران برد فوري على أي تحرك بحري لكسر الطوق على مو ...
- واشنطن تشترط لإبرام -صفقة كبرى- مع إيران
- إدارة ترامب تقيل مزيدا من قضاة الهجرة بينهم من عطل ترحيل طلا ...
- أنا مراسلة في البيت الأبيض.. ترمب يبدو مذعورا خلف الكواليس
- كم سفينة حربية نشرتها واشنطن لحصار إيران بحريا؟
- لافروف: روسيا مستعدة للمساهمة في تسوية الأزمة بالشرق الأوسط ...
- زعيم كوريا الشمالية يشرف على اختبار صواريخ جديدة
- بعد تصريحات ترامب الساخرة ..“ماكرون يثأر لكرامته“ بنشر صورة ...
- منسقة أممية تحذر من -أزمة مهملة- في السودان وتنتقد صمت العال ...
- مباشر: طهران تصف الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية بأنه عمل ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن صالح الشنكالي - العراق بين ذاكرة الحصار وضرورة السيادة: هل نتعلم من الامس قبل أن نغامر بالغد