أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - كلما اقترب الكرد من حقوقهم… تبدأ الحرب عليهم















المزيد.....

كلما اقترب الكرد من حقوقهم… تبدأ الحرب عليهم


إدريس نعسان

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 12:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست مصادفة أن يتصاعد الضغط على الكرد في كل مرة تلوح فيها فرصة حقيقية لانتزاع حقوقهم. وليست صدفة أيضاً أن تتكاثر التحالفات، العلنية منها والخفية، حين يخطون خطوة نحو الشراكة السياسية أو الاعتراف القانوني.

ما يحدث ليس خلافاً عابراً، بل نمط متكرر يكشف حقيقة صراع عميق: صراع بين مشروع حقوقي يسعى للعيش بكرامة، ومنظومات نفوذ تخشى خسارة امتيازاتها التاريخية.

الكرد اليوم لا يواجهون خصماً واحداً، بل شبكة معقدة من القوى التي يجمعها هاجس واحد: منع تحوّلهم إلى شريك فعلي في الحكم. هذه القوى، رغم تناقضاتها، تلتقي عند نقطة واحدة - إبقاء الكرد في موقع أدنى، محكومين لا شركاء، هامشاً لا مركزاً.

خذ سوريا مثالًا. بعد صعود قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، بدا أن هناك فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين الكرد وباقي مكونات الدولة ضمن نموذج إداري جديد. غير أن هذه الفرصة لم تلبث أن تحولت إلى ساحة ضغوط متشابكة: عمليات عسكرية متكررة، رفض سياسي ممنهج، وتفاهمات إقليمية - دولية أفضت فعلياً إلى إضعاف هذه القوة وتفكيك دورها، دون أي تصور واضح لمستقبل الكرد أو لموقع قضيتهم في مسار تشكيل سوريا الجديدة.

هذا الغموض لا يعكس مجرد تعقيد المرحلة، بل يطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل ما نشهده هو إعادة ترتيب مرحلية تسبق إدماجاً عادلاً، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من النزاع؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات مطمئنة على أن حقوق الكرد ستُدرج ضمن تسوية دستورية مستقرة، فالخطوات لا تزال دون المأمول او محكومة بالإبقاء على الهواجس الكردية قائمة.

الرسالة هنا واضحة وصارخة: يمكن الاستفادة من الكرد كقوة عسكرية عند الضرورة، لكن لا يُسمح لهم بالتحول إلى شريك سياسي مستقر يمتلك حق التأثير في مستقبل الدولة.

في العراق، الصورة ليست أقل وضوحاً، بل ربما أكثر صراحة. بعد سنوات من الاعتراف الدستوري بإقليم كردستان، جاء استفتاء استقلال إقليم كردستان 2017 ليكشف السقف الحقيقي لهذا الاعتراف. فبمجرد أن اقتربت القيادة الكردية من تحويل هذا الحق من نص دستوري إلى مشروع سياسي قابل للتحقق، تشكلت بسرعة لافتة جبهة داخلية وإقليمية مضادة.

هذه الجبهة لم تكتفِ بالمواقف السياسية، بل تُرجمت إلى إجراءات ملموسة: ضغوط اقتصادية خانقة، تحركات عسكرية، وعزل سياسي أعاد الإقليم عملياً خطوات إلى الوراء، وفرض واقعاً جديداً أقل بكثير من مستوى الطموح الذي عبّر عنه الاستفتاء.

واليوم، لا يبدو أن الضغوط قد توقفت، بل تأخذ أشكالاً أكثر قسوة وانتظاماً. فإقليم كردستان يتعرض لضربات متكررة، في وقت يعلن فيه بشكل واضح سعيه للحياد وتفضيله للحلول الدبلوماسية. ومع ذلك، تستمر هذه الاستهدافات بما يوحي أنها تتجاوز ردود الفعل الظرفية، لتندرج ضمن سياق أوسع من محاولات الإضعاف المنهجي.

هذه الديناميات تطرح تساؤلات جدية حول وجود تفاهمات إقليمية غير معلنة، هدفها الحد من دور الإقليم ككيان سياسي قادر على تمثيل الكرد أو توفير مظلة جامعة لقضيتهم. فإضعاف الإقليم لا يُقرأ فقط كضغط على كيان إداري، بل كاستهداف لنموذج يمكن أن يشكل رافعة سياسية للكرد في المنطقة.

الإقليم اليوم يواجه مرحلة شديدة الحساسية، ربما هي الأكثر خطورة منذ سنوات، في ظل تقاطعات إقليمية معقدة لا تبدو فيها مصلحة استقراره أولوية لدى كثير من الأطراف.

ما حدث، وما يحدث، لا يمكن اختزاله في ردود فعل ظرفية، بل هو رسالة سياسية صارخة: هناك سقف غير مكتوب للحقوق الكردية، وأي محاولة لتجاوزه تُواجَه بإعادة ضبط قسرية للتوازنات، مهما كانت الكلفة.

أما في تركيا، فالمعادلة تبدو مختلفة في الشكل، لكنها تحمل الجوهر ذاته. فعلى امتداد عقود، ظهرت مبادرات متعددة لما سُمّي “الحل السياسي” للقضية الكردية، لكنها جميعاً انتهت إلى الفشل دون تحقيق أي اختراق حقيقي. والنتيجة الثابتة كانت دائماً واحدة: عودة المقاربة الرسمية إلى مربعها الأول - الأمن والعسكر، بوصفهما الخيار الوحيد.

حتى المسار الحالي، أو ما تصر أنقرة على تسميته “تركيا خالية من الإرهاب”، لا يخرج فعلياً عن هذا الإطار. فرغم الطروحات المرتبطة بـ عبد الله أوجلان، والتقاطع السياسي مع دولت باهتشلي، والدعوات للانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي، لا تزال المؤشرات العملية على الأرض تسير في اتجاه معاكس.

إقدام مجموعات من حزب العمال الكردستاني على حرق أسلحتها كإشارة امتثال ورغبة في فتح مسار جديد، لم يُقابل بتحول حقيقي في السياسة الرسمية، بل استمر الخطاب الأمني، واستمرت العمليات والتهديدات، ليس فقط داخل تركيا، بل على امتداد الجغرافيا الإقليمية حيث يتواجد الكرد.

بل إن المشهد يكشف مفارقة أكثر حدّة: في الوقت الذي تُطرح فيه شعارات “السلام” و”نهاية الإرهاب”، تستمر السياسات التي تُفرغ هذه الشعارات من مضمونها، سواء عبر التضييق السياسي داخليًا، أو عبر الضغط العسكري وتحريك خصوم محليين في الساحات الإقليمية.

النتيجة واضحة: لا تقدم فعلي في مسار الحل، ولا تغيير جوهري في الواقع. كل شيء يبقى معلقاً - مؤجلاً عمداً - في حالة بين الحرب والسلام، بما يكرّس صراعاً منخفض الحدة لكنه دائم، ويدفع المجتمع، بكل مكوناته، ثمنه على المدى الطويل.

هذه الأمثلة ليست أحداثاً منفصلة، بل تعبير عن نمط واحد يتكرر بأشكال مختلفة: قبول مرحلي بالكرد عندما تفرضهم الضرورة، ورفض استراتيجي لهم عندما يقتربون من تثبيت حقوقهم.

الأخطر أن المواجهة لم تعد سياسية فقط، بل تحوّلت إلى لعبة تعطيل شاملة. تُستخدم فيها كل الأدوات: من الضغط العسكري غير المباشر، إلى الحصار السياسي، وصولاً إلى التأثير على مواقف القوى الدولية. الهدف واضح: قطع الطريق أمام أي تقاطع محتمل بين المصالح الدولية والحقوق الكردية. فمجرد حصول هذا التقاطع يعني تغييراً في قواعد اللعبة، وهو ما لا تريد هذه الأطراف حدوثه بأي ثمن.

لكن المفارقة الصارخة أن هذه القوى، في سعيها لمنع التغيير، باتت أحياناً تعرقل حتى مشاريع دولية أوسع، فقط لأنها قد تفتح نافذة للكرد أو لغيرهم من المكونات المهمشة. إنها لا تدافع عن “استقرار”، بل عن منظومة سيطرة اعتادت احتكار القرار والثروة والهوية.

الحقيقة التي يُراد تجاهلها هي أن صعود الكرد لا يعني تفكيك الدول، بل إعادة توازنها. وأن إشراكهم في الحكم لا يهدد الوحدة، بل يحميها من الانفجار. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يتطلب شجاعة سياسية تفتقر إليها كثير من الأنظمة والقوى التقليدية، التي لا تزال ترى في أي شراكة حقيقية بداية لنهاية نفوذها.

اليوم، يقف الكرد أمام معادلة قاسية: إما أن يرضخوا لضغوط تعيدهم إلى الهامش، أو أن يواصلوا السعي في بيئة معادية تتقاطع فيها المصالح ضدهم. ومع ذلك، فإن التاريخ القريب يثبت أن تجاهل الحقوق لا يُنهي المطالب، بل يؤجلها ويجعل كلفتها أعلى على الجميع.

إن ما يُحاك ليس مجرد صراع سياسي، بل اختبار حقيقي لمستقبل المنطقة: هل تتجه نحو نموذج شراكة وعدالة، أم تبقى أسيرة منطق الإقصاء والخوف؟ الإجابة لن تحدد مصير الكرد وحدهم، بل مصير الاستقرار في المنطقة بأكملها.



#إدريس_نعسان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد سقوط الإدارة الذاتية: هل انتهت روج آفا أم بدأت مرحلة جدي ...
- آذار… ذاكرة الربيع ووجع الأرض
- حرب الروايات وميدان الاستنزاف: ماذا يجري فعلياً في المواجهة ...
- اتفاق 29 كانون الثاني: غموض التسوية بين الحكومة السورية الان ...
- القتل باسم الله: حين تُختطف العقيدة ويُدمَّر الوطن
- الدين والقانون والقوة: من يحكم العالم فعلياً؟
- ما بعد الشيخ مقصود والأشرفية: خسارة ميدانية أم مكسب سياسي؟
- عندما ينقلب الإعلام على أخلاقياته
- السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟
- حين تعجز القوانين: هل يملك الأقوياء حق إسقاط الطغاة؟
- إيران أمام اختبار الكرد: حين يتحوّل القمع إلى أزمة سيادة
- إمرأة تفتح الجرح كي يتنفس
- قمة شرق المتوسط: رسائل سياسية وتصعيد مدروس
- بين الرصاص والرسائل: هل كانت الدورية الأمريكية الهدف… أم الم ...
- امرأةٌ تبحث عن نفسها… في جسدِ الغيم
- سوريا بعد رفع -قيصر-: فرصة مشروطة… وموقع قسد في معادلة ما بع ...
- حين تتلبّد السماءُ أملاً
- باراك… دبلوماسي التصريحات المتبدّلة: بين ضبابية السياسة الأم ...
- استقرار الإقليم بين ضغوط الجوار ودعم واشنطن
- الكرد السوريون: من التجريد القانوني إلى انتفاضة قامشلو - سجل ...


المزيد.....




- ستارمر يكشف عن ما بحثه هاتفيا مع ترامب بشأن دول الخليج وإيرا ...
- ترامب يتهم إيران بـ- ابتزاز العالم- ويهدد بشن هجمات جديدة ضد ...
- من هي الأسماء الأمريكية والإيرانية التي ستشارك في مفاوضات إس ...
- كيف ينظر الإسرائيليون إلى وقف إطلاق النار مع إيران؟
- هكذا تنظر الصين إلى مفاوضات باكستان بشأن حرب إيران
- كاتب ببلومبيرغ: إيران تلقِّن ترمب درسا قاسيا لكنه لن يتعلم أ ...
- لوّح به ترمب.. ماذا يعني سحب القوات الأمريكية من أوروبا؟
- الجيش الكويتي يعلن تدمير 7 مسيّرات بآخر 24 ساعة.. وبيان للحر ...
- إسرائيل: صاروخ من حزب الله ينطلق من لبنان ويصيب صفد ويجرح عد ...
- إيران تربط المفاوضات بلبنان والأصول المجمّدة.. وترامب: سنمزّ ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - كلما اقترب الكرد من حقوقهم… تبدأ الحرب عليهم