إدريس نعسان
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 20:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن الدين، في جوهره، يوماً مشروع قتل ولا أداة إخضاع، بل رسالة قيم، وعقداً أخلاقياً يضبط علاقة الإنسان بربه وبغيره. ومع ذلك، نشهد اليوم مشاهد قتل تُرتكب تحت صيحات «الله أكبر»، في مفارقة صادمة تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل يخدم هذا السلوك الإسلام؟ أم يسيء إليه ويحوّله إلى غطاء لعنف سياسي مدمّر؟
إن القتل باسم الدين لا يعزّز الإيمان، ولا يفرض القبول، ولا يبني مجتمعاً متماسكاً. بل على العكس، هو يقوّض الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، ويعمّق الانقسامات القومية والمذهبية، ويحوّل الدين من مساحة جامعة إلى أداة إقصاء. وما يُفرض بالسلاح لا يصبح قناعة، وما يُزرع بالخوف لا يحصد إلا الكراهية المؤجلة.
النصوص الدينية الإسلامية الصريحة واضحة في هذا الشأن: لا إكراه في الدين، ولا شرعنة لقتل المخالف في الرأي أو المعتقد، ولا تبرير لإلغاء العقل والحوار. لكن المشكلة لا تكمن في النص، بل في من يقتطعه من سياقه، ويحوّله إلى شعار تعبوي يخدم أجندة سياسية أو عسكرية. هنا، لا يكون الدين محرّكاً للفعل، بل رهينة له.
سياسياً، هذه الممارسات لا تنتج شرعية، بل تؤسس لفوضى دائمة. قد ينجح السلاح في فرض صمت مؤقت، لكنه يعجز عن بناء دولة أو تحقيق استقرار. فالدولة لا تقوم على الخوف، ولا تُبنى على الدم، بل على التوافق، وسيادة القانون، واحترام التعدد. وكل رصاصة تُطلق في جسد مواطن، إنما تُطلق في جسد السلم المجتمعي، وفي فكرة الوطن ذاتها.
أما القاتل، فغالباً ما يُوهم نفسه بأنه يكسب نفوذاً أو شعبية. والحقيقة أن الرابح الوحيد هو المحرّض، ذاك الذي يقف خلف المشهد، يدير الصراع، ويستثمر في الدم، ثم يتخلى عن أدواته عندما تنتهي صلاحيتها. التاريخ مليء بمن اعتقدوا أنهم صناع قرار، ليكتشفوا لاحقاً أنهم مجرد وقود في معركة لا تخدمهم ولا تخدم مجتمعاتهم.
الأخطر من ذلك كله هو الأثر التراكمي لهذه الممارسات على المستقبل. أجيال تنشأ على الخوف، ومجتمعات تتآكل من الداخل، ودين يُقدَّم للعالم في صورة مشوّهة لا تمت لجوهره بصلة. وحين تُكسر الروابط بين أبناء الوطن الواحد، يصبح ترميمها أصعب من وقف إطلاق النار نفسه.
إن الاحتكام إلى العقل، والحوار، والتسامح، ليس ضعفاً، بل شرط بقاء. وهو الخيار الوحيد القادر على حماية المجتمعات من الانهيار، والدين من الاختطاف، والوطن من التحول إلى ساحة تصفية حسابات. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: من الأقوى سلاحاً؟ بل: من الأحرص على إنقاذ المجتمع قبل فوات الأوان؟
#إدريس_نعسان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟