أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟














المزيد.....

السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟


إدريس نعسان

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 02:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مرةً أخرى، يعود ملف السلام الكردي–التركي إلى واجهة النقاش، محمّلاً بآمال لم تكتمل وأسئلة لم تجد إجابات. فبينما قدّمت المبادرة التي أطلقها عبد الله أوجلان إشارات واضحة على استعداد الجانب الكردي لطيّ صفحة الصراع المسلح والانخراط في مسار سياسي ديمقراطي، بدا الردّ التركي باهتاً، بل أقرب إلى إعادة إنتاج النهج ذاته الذي أطاح بمحاولات السلام السابقة. ومع غياب أي خطوات عملية لبناء الثقة، واستمرار الخطاب الأمني التصعيدي، يبرز سؤال مشروع: هل تقف تركيا مجدداً على أعتاب فرصة سلام حقيقية، أم أنها تعيد تدوير الفشل ذاته بأدوات مختلفة؟

رغم موجة التفاؤل الحذر التي رافقت مبادرة السلام التي طرحها الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وما قوبلت به من تفهّم ودعمٍ لافتين من رئيس الحركة القومية التركية دولت بهجلي، فإن مسار السلام التركي–الكردي لا يزال يواجه عراقيل بنيوية. فقد بادر الجانب الكردي بخطوات عملية غير مسبوقة لبناء الثقة، بدءاً من إلقاء مجموعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني أسلحتهم في خطوة رمزية ذات دلالة سياسية واضحة، مروراً بسحب الحزب لجميع مقاتليه من مناطق التماس المباشر مع الجيش التركي، وإعادة تموضعهم خارج الجغرافيا التركية، تمهيداً لوضع السلاح نهائياً متى توفرت أرضية حقيقية للسلام.

تأتي هذه الخطوات انسجاماً مع الرؤية التي يدفع بها أوجلان منذ سنوات، والقائمة على الانتقال من منطق الصراع المسلح إلى النضال السياسي الديمقراطي، بوصفه الحل العصري والعادل للقضية الكردية، ولمعضلة الديمقراطية والتعددية في تركيا. غير أن هذا المسار الإيجابي لم يُقابل حتى اللحظة بأي خطوة مماثلة من قبل الدولة التركية، التي لم تُبدِ استعداداً لتغيير خطابها أو اتخاذ إجراءات ملموسة تعزز الثقة، بل استمرت في اختزال القضية الكردية ضمن مقاربة أمنية ضيقة.

هذا الجمود يعيد إلى الأذهان إخفاقات مسارات السلام السابقة، ويثير مخاوف جدية من أن تلقى المبادرة الحالية المصير ذاته، لا سيما في ظل إصرار أنقرة على الرهان على الحلول العسكرية رغم فشلها المتكرر في تحقيق الاستقرار. ويرى مراقبون أن هذا الإصرار يعود إلى عاملين أساسيين: أولهما، توظيف الصراع مع الكرد لتصدير الأزمات الداخلية وخلق “عدو وجودي” يُستدعى عند الحاجة لتعبئة الداخل. وثانيهما، الاستثمار في المغامرات العسكرية ضمن الحسابات الانتخابية لضمان استمرار النخبة الحاكمة في السلطة.

ويتجلى هذا النهج بوضوح في السياسة التركية تجاه الكرد في سوريا، حيث لا يتردد المسؤولون الأتراك، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، في استخدام خطاب عدائي وتحريضي، والضغط على الحكومة السورية المؤقتة ضمن إطار استهداف قوات سوريا الديمقراطية. ويأتي ذلك في تناقض صارخ مع الدعوات التي يطلقها أوجلان لانخراط الكرد في بناء الدولة السورية الجديدة على أسس الشراكة والتعددية الحقيقية. هذا التناقض لا يعمّق فقدان الثقة فحسب، بل يضع الكرد في حالة دائمة من القلق إزاء تهديدات متكررة باجتياح مناطقهم وتقويض تجربتهم الإدارية التي تشكّلت بالتعاون مع بقية المكونات خلال سنوات الأزمة السورية.

أما داخلياً، فإن الحكم القضائي الأخير بحق الزعيم الكردي صلاح الدين ديميرتاش، بتهمة “إهانة الرئيس” على خلفية خطابات تعود إلى عام 2016، يشكّل مؤشراً إضافياً على غياب الإرادة السياسية الجدية للسلام. فبدل تهيئة المناخ عبر إجراءات تهدئة وخطوات حسن نية، تستمر السلطات التركية في استخدام القضاء كأداة سياسية، وتوظيف كل ذريعة ممكنة للإبقاء على القيادات الكردية خلف القضبان، ورفض أي مراجعة للخطاب الرسمي المتشنج.

خاتمة
إن فرص السلام لا تُقاس بالنوايا المعلنة ولا بالمبادرات الأحادية، بل بقدرة الأطراف كافة على ترجمة الخطاب إلى أفعال ملموسة. لقد قدّم الجانب الكردي، عبر مبادرة أوجلان والخطوات التي تلتها، ما يكفي لإثبات استعداده للانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة. غير أن استمرار أنقرة في تجاهل هذه الإشارات، والإصرار على المقاربة الأمنية، واستخدام القضاء والخطاب القومي المتشدد كأدوات لإدارة الملف الكردي، لا يعني سوى أمر واحد: تأجيل السلام مرة أخرى، وإعادة إنتاج الفشل ذاته الذي أثقل الدولة والمجتمع معاً لعقود.

إن تركيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تلتقط اللحظة التاريخية وتفتح باباً جدياً لحل ديمقراطي عادل يعترف بالكرد شركاء كاملين في الوطن، أو أن تستمر في الدوران داخل حلقة الصراع المفتوح، بما يحمله من استنزاف سياسي وأمني وإنساني. وفي عالم متغيّر، لم تعد كلفة إنكار الحقوق أقل من كلفة الاعتراف بها، ولا يبدو أن السلام المؤجَّل يمكن أن ينتظر إلى ما لا نهاية.



#إدريس_نعسان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تعجز القوانين: هل يملك الأقوياء حق إسقاط الطغاة؟
- إيران أمام اختبار الكرد: حين يتحوّل القمع إلى أزمة سيادة
- إمرأة تفتح الجرح كي يتنفس
- قمة شرق المتوسط: رسائل سياسية وتصعيد مدروس
- بين الرصاص والرسائل: هل كانت الدورية الأمريكية الهدف… أم الم ...
- امرأةٌ تبحث عن نفسها… في جسدِ الغيم
- سوريا بعد رفع -قيصر-: فرصة مشروطة… وموقع قسد في معادلة ما بع ...
- حين تتلبّد السماءُ أملاً
- باراك… دبلوماسي التصريحات المتبدّلة: بين ضبابية السياسة الأم ...
- استقرار الإقليم بين ضغوط الجوار ودعم واشنطن
- الكرد السوريون: من التجريد القانوني إلى انتفاضة قامشلو - سجل ...
- أنفاسٌ على عتباتِ الحكمةِ (قصيدة)
- خيارات المركزية واللامركزية في الدستور السوري القادم: دراسة ...
- الذئاب المنفردة والإرهاب المتحول
- تركيا وملف الكرد في سوريا
- رقصة المصالح في برك الدم السوري!
- كيف تحول الربيع خريفاً في سوريا؟
- ماذا يحدث في سوريا؟
- دوامة الصراع لن تنتهي إلا بإرادة السوريين أنفسهم!
- المجتمع المدني بين الولادة و التشوهات


المزيد.....




- شاهد.. لحظة استيلاء أمريكا على -فيرونيكا- سادس ناقلة نفط في ...
- مهنة عرض الأزياء بين الشغف والواقع
- إشادة بتصديات ياسين بونو مع اقتراب المغرب من لقب أفريقي طال ...
- فيديو - واشنطن تُحكم الخناق: احتجاز ناقلة نفط فنزويلية جديدة ...
- صحة الفم.. كيف تؤثر على صحتنا العامة؟
- سويسرا: أطباء يزرعون جلدًا جديدًا لضحايا حريق حانة -لو كونست ...
- ترامب يتبنى موقف الانتظار والترقب بشأن الاحتجاجات في إيران.. ...
- تونس: الإفراج عن شريفة الرياحي وناشطين من منظمة -أرض اللجوء- ...
- الاتفاق على تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة لبدء المرحلة ال ...
- من هو علي شعث الفلسطيني المدعوم من ترامب الذي عين على رأس لج ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟