أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - اتفاق 29 كانون الثاني: غموض التسوية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية














المزيد.....

اتفاق 29 كانون الثاني: غموض التسوية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية


إدريس نعسان

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 21:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ اللحظات الأولى لتوقيع اتفاق 29 كانون الثاني بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية ورئاسة الحكومة السورية الانتقالية، برزت إشكالية جوهرية في تفسير مضمونه وآفاقه. فبدلاً من أن يفتح الاتفاق الباب أمام وضوح سياسي يمهد لتسوية مستقرة في شمال وشرق سوريا، بدا وكأنه أنتج روايتين متوازيتين، لكل منهما تصور مختلف لمستقبل العلاقة بين الطرفين، الأمر الذي أضفى على الاتفاق قدراً كبيراً من الغموض وأثار تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية والمجتمعية.

ففي الرواية التي تطرحها الحكومة السورية الانتقالية، يُنظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة أولى نحو الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية. ووفق هذا التصور، فإن جميع البنى العسكرية والإدارية والأمنية التي نشأت خلال سنوات الحرب في إطار الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ستنتهي تدريجياً، لتحل محلها المؤسسات الرسمية للدولة تحت تسميات وهيكليات مركزية معروفة. وقد عززت تصريحات المبعوث الرئاسي إلى المنطقة الشرقية هذا الاتجاه، حيث قدّمت الاندماج باعتباره مساراً حتمياً يعيد توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية ضمن بنية الدولة السورية.

في المقابل، تطرح قيادة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية رواية مختلفة إلى حدّ كبير. فوفق هذا التصور، لا يعني الاتفاق نهاية تجربة الإدارة الذاتية أو تفكيك كامل مؤسساتها، بل يُفترض أن يفتح الباب أمام صيغة لامركزية في إدارة المناطق التي كانت تحت سيطرتها خلال السنوات الماضية. وعلى الرغم من أن ملامح هذه اللامركزية لا تزال غير محددة سياسياً أو دستورياً، إلا أن الخطاب الصادر عن قسد يشير إلى احتمال الاحتفاظ ببعض المؤسسات المحلية، إضافة إلى بقاء جزء من قواتها ضمن إطار الجيش السوري على شكل ألوية أو تشكيلات عسكرية محلية في مناطق مثل الحسكة وكوباني، من دون وضوح بشأن حجم هذه القوات أو طبيعة تسليحها أو صلاحياتها المستقبلية.
هذا التباين في التفسير يعكس في جوهره ما يُعرف في علم السياسة بمفهوم "الغموض البنّاء"، وهو أسلوب تفاوضي يُستخدم أحياناً في الاتفاقات المعقدة عندما يتعذر التوصل إلى صيغة حاسمة ترضي جميع الأطراف. ففي مثل هذه الحالات، يُترك النص مفتوحاً على أكثر من تفسير، بما يسمح لكل طرف بتقديم الاتفاق لجمهوره الداخلي وفق الرواية التي تخدم موقعه السياسي. غير أن هذا الأسلوب، وإن كان مفيداً في تجاوز العقبات الأولية للتفاوض، يحمل في الوقت نفسه مخاطر حقيقية إذا استمر لفترة طويلة دون توضيح تدريجي للنتائج النهائية.

ويكمن القلق الأكبر هنا في انعكاسات هذا الغموض على المستوى المجتمعي. فالحاضنتان الاجتماعيتان في مناطق شمال وشرق سوريا وروج آفا وبقية البلاد تتابعان تطورات الاتفاق بقدر كبير من الحذر والشك. ومع غياب المعلومات الدقيقة حول مستقبل المؤسسات العسكرية والإدارية، بدأت تظهر تفسيرات متضاربة وشائعات متزايدة، وهو ما قد يؤدي إلى توترات مجتمعية لا تتوافق مع الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع.
ولا يمكن فهم مستقبل هذا الاتفاق بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المحيط بالملف السوري. فالتوازنات القائمة في شمال وشرق سوريا لا تتحدد فقط بإرادة دمشق أو قيادة قسد، بل تتأثر أيضاً بمواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، إضافة إلى طبيعة التحولات السياسية التي قد تشهدها المنطقة في المرحلة المقبلة. ولهذا السبب يبدو أن الأطراف المعنية تتعامل مع الاتفاق بحذر شديد، مفضلةً ترك بعض تفاصيله غير معلنة أو مؤجلة إلى مراحل لاحقة.

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس تطبيقاً نهائياً لاتفاق سياسي مكتمل، بل أقرب إلى مرحلة اختبار للنوايا وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة. ففي هذه المرحلة يحاول كل طرف الحفاظ على توازن دقيق بين تقديم إشارات إيجابية للتسوية من جهة، وتجنب تقديم تنازلات سياسية كبيرة قد تُفسَّر داخلياً على أنها تراجع أو خسارة من جهة أخرى.
ومع أن هذا النهج قد يساهم في إبقاء باب الحوار مفتوحاً، إلا أن استمراره لفترة طويلة دون توضيح تدريجي للخطوات المقبلة قد يترك المجال مفتوحاً أمام احتمالات أقل استقراراً. فالغموض السياسي إذا لم يُدار بحذر قد يتحول من أداة لتسهيل التفاهم إلى مصدر جديد للتوتر وعدم اليقين.

وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال الأهم الذي يشغل الرأي العام في المنطقة اليوم:
هل نحن أمام مسار تفاوضي هادئ يجري تنفيذه بصمت لأسباب سياسية وأمنية، تمهيداً لتسوية متدرجة؟ أم أن هذا الغموض يخفي خلافات عميقة قد تظهر إلى السطح مع أول تغير في التوازنات الإقليمية؟

ومع بدء تطبيق بعض بنود الاتفاق عملياً على الأرض، ستتضح خلال الأشهر المقبلة الصورة الأوسع لمدى قدرته على إحداث استقرار مستدام. وحتى ذلك الحين، سيظل اتفاق 29 كانون الثاني محاطاً بروايتين سياسيتين متباينتين: أملٌ بأن يشكل خطوة نحو التهدئة، ومخاوف من أن تبقى المنطقة عرضة لعودة التوتر في أي لحظة.



#إدريس_نعسان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القتل باسم الله: حين تُختطف العقيدة ويُدمَّر الوطن
- الدين والقانون والقوة: من يحكم العالم فعلياً؟
- ما بعد الشيخ مقصود والأشرفية: خسارة ميدانية أم مكسب سياسي؟
- عندما ينقلب الإعلام على أخلاقياته
- السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟
- حين تعجز القوانين: هل يملك الأقوياء حق إسقاط الطغاة؟
- إيران أمام اختبار الكرد: حين يتحوّل القمع إلى أزمة سيادة
- إمرأة تفتح الجرح كي يتنفس
- قمة شرق المتوسط: رسائل سياسية وتصعيد مدروس
- بين الرصاص والرسائل: هل كانت الدورية الأمريكية الهدف… أم الم ...
- امرأةٌ تبحث عن نفسها… في جسدِ الغيم
- سوريا بعد رفع -قيصر-: فرصة مشروطة… وموقع قسد في معادلة ما بع ...
- حين تتلبّد السماءُ أملاً
- باراك… دبلوماسي التصريحات المتبدّلة: بين ضبابية السياسة الأم ...
- استقرار الإقليم بين ضغوط الجوار ودعم واشنطن
- الكرد السوريون: من التجريد القانوني إلى انتفاضة قامشلو - سجل ...
- أنفاسٌ على عتباتِ الحكمةِ (قصيدة)
- خيارات المركزية واللامركزية في الدستور السوري القادم: دراسة ...
- الذئاب المنفردة والإرهاب المتحول
- تركيا وملف الكرد في سوريا


المزيد.....




- مسؤولون فلسطينيون: مقتل أربعة أشخاص من عائلة واحدة برصاص الج ...
- محطات التحلية على خط النار؟ حين يصبح الماء سلاحا في حرب إيرا ...
- واي نت: النجاحات الإسرائيلية السابقة رسخت وهما بإمكانية شلّ ...
- هجمات جديدة بالصواريخ والمسيّرات تستهدف دولا خليجية
- مضيق الألغام والنفط.. هل تشتعل أخطر مراحل الحرب من هرمز؟
- عاجل | هيئة البث عن مصادر إسرائيلية: واشنطن وإسرائيل تخططان ...
- ليلة القدر بلا اعتكاف.. المقدسيون يخاطبون الأقصى من خلف الأب ...
- افقد ذاتك أو ارحل.. العشر العجاف لمسلمي أوروبا
- مظاهرة في أمستردام تطالب بوقف التدخلات في الشرق الأوسط
- نزوح تحت المطر.. مدارس البقاع بلبنان ملاذ الباحثين عن الدفء ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - اتفاق 29 كانون الثاني: غموض التسوية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية