|
|
[14] قراءة معمّقة مع الخاتمة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
سعد محمد مهدي غلام
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 10:18
المحور:
الادب والفن
قلتَ لي، هذا نصٌّ تغتاله الثقوب قلتُ، "دريدا" أراده كذلك قاومتُ الشكَّ والتقويض واستعنتُ بـ"غادامير" لكنّ الصواريخ كانت معه وليس معي ومعك غير أسرار السعفِ وقُمصان الحضارات قلتُ، يا حبيبتي تشفع لنا لغة الماء وشرائعُ الأسماء استلقت روحي بين ساعديك وأغمضت
قبل أن نتناول ما تضمّنته رسالتها حجاجياً، المفاضلة بين "دريدا" و"غادامير": ذكرتهما وعيونها ترحل صوب "ريكور"، وسنقول لماذا، وهو الدالّة في النصوص، والاستدلال عليها في وسط دالّة غير مرتكزة إلى كُنه تمسك به، فكيف تصل لمداليلها؟ إيقاع المعنى، سوقٌ خارج اندياح صائتات الحروف هو منتج صوامت نقلت خرسَ ما يظنّه الأصمّ لعتمة الحركات الصائتية لإنجاز تنفّس اللحن الملفوظ المبتكر، واسطة التوصيل بين التنغيم والصائت، بأن يمنح الصامتُ قدرةَ إسماع إيصالية تداولية بوحية كاملة النفعية، عبر تهميش يثير الفوضى بالترابط التراتبي التركيبي بين التبادليات "الفونيمية" في "المورفيمات" المتغايرة المتشكّلة. وليس من انسجام تقليدي بين المتجاورات التنغيمية والمتقاربات المعنوية إلى وحدات تجمع المتناقضات لإنتاج الثالث النوعي في خلق دلالات من مصادر منطق لاصوري. تُرى: هل من علاقة بين "الفونيم" والدالّ المطلق ضمن سياق استخراج المدلول في معنى المعنى "سوسيرياً" و"جرجانياً"؟ هناك من يجد علاقة بينهما، ونعتقد أنّ "الفونيم" يلعب دوراً دالياً في النص الابتدائي من صفاته ومخارجه، وهناك من لا يرى أيّما علاقة بين "الفونيم" والمعاني. وثمّة من يقول: إنّ "الفونيمات" تشحنها بالقدرة على تحمّل دلالات متعدّدة، ومن أهمّ هذه التحوّلات: التكرار والانزياح. في هذه المحطّات لن نسوق ما نرى، ولكنّ نقول: فهمُ "الفونيم" ومكانته الفسيولوجية واندياحه خارج المألوف المسطّري للمعيارية دراسةٌ قائمة بذاتها. "الفونيم" وحدة صوتية قادرة على التفريق بين الكلمات من النواحي الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية (الصوت والمعنى)، علاقةٌ هي أصل بحث علم الدلالة وحولها دخل الفلاسفة دراسةَ المنطق و"اللوغوس". يقول باحث مختصّ: "الانزياح في الفونيمات في أن تُخصَّص نسبة كلّ واحد منها في النص عموماً، ثمّ نقارنها بنسبتها في كلٍّ من الوحدات النصية التي يُقسَّم إليها النص على أساس المضامين، تقريباً ما تعارف عليه النقّاد العرب القدامى بـ الأغراض "... العدول الحضوري ودلالته توزين بتوزيع "فونيمي" وفق وحدة الانزياح في الموضع المكتشَف. أصوات الاستعلاء: الضاد والخاء والقاف وارتفاع اللسان عند النطق نحو الحنك هي من القوّة، أمّا الصاد فهو أسناني لثوي. "فونيمياً": الثاء والفاء من أقرب "الفونيمات" مخرجاً في الجهاز الصوتي، للثاء صوت أسناني لقوي والفاء أسناني شفوي. العدول الغيابي في دلالته تتوزّع "فونيمات" هذه الوحدة حسب مقدار عدولها، ولذلك نستدلّ بمخارج "الفونيم" عبر آليات السعة والضيق: الصاد والسين قربه، وبعده الفاء والعين. الطبيعة الفسيولوجية لمشكل كما تقوم الصفات من الشدّة والرخاوة والجهر والهمس والاستعلاء القلقي والضئيل. ومن هنا "فالفونيم" من تجلّيه ومخارجه دوره الأدائي كدالّة. "سوسيرياً": "الفونيم" المكتوب وصوته المسموع دالٌّ Signifiant، أمّا صورته المنطبعة في العقل أو ما كوَّناه من صورة ذهنية عن المعروض فهو المدلول Signifié، وباعتماد شيء خارجي يُحيلنا لسانياً عليه هو المرجع Référent. والكلمة إشارة أو رمز وليست اسماً لمسمّى، بل هي مركَّب يربط الدوال والمداليل، تمرّ كدالٍّ في عقولنا صورةً متشكّلة وحسّاً يقينياً وخيلاء هو المدلول، جمعهما معاً هو الرمز. ولذلك يتباين الدالّ والمدلول من فرد لآخر، وفي عمق أنثروبولوجي ومخالفة إثنولوجية ومعرفية. العلاقة ليست "إستاتيكية". دور اللغة المجتمعية لكتل محاطة ببيئة جامعة هي نظام العلاقات بين الترميزات المتواضَع عليها عرفياً أوّلاً، ومهايأةً في تبادل الديالوج. يقول "المسدّي": "اللغة هي مجموعة من العلاقات الثنائية القائمة بين جملة العلاقات المكوِّنة لرصد اللغة ذاتها، وعندئذٍ نستسيغ أنفاً ما دأب عليه اللسانيون من تعريف العلاقة بأنّها تشكّل لا يستمدّ قيمتَه ودلالاتِه من ذاته وإنّما من طبيعة العلاقات القائمة بينه وبين سائر العلامات". الدالّ والمدلول بالمرجع هو علمٌ غير لغوي، ولا يتحدّد فقط بالأشياء المادية المحسوسة. فالعشق لا قيمة دلالية له في الحقيقة إلا في تأطير تشكيل المجتمع اللغوي بثلاثية: رمز ودالّ ومدلول. في "الخصائص" أشار "ابن جني" إلى ما فات "سيبويه" وهو التمييز بين الصوت والحرف، فالصوت مشترك بين الأحياء الحيوانية ومنها الإنسان، أمّا الحرف فهو مقترن بتلازم لازب بالنوع البشري الناطق. تتركّب الحروف عبر قواعد أساسية صاغها "ابن جني": الجيم لا يجتمع مع الصاد ولا الضاد مثلاً، والزاي والذال والسين في لفظة عربية الأصل بسبب قرب مخارجها. للصوت دلالة وثيقة ويرى أنّه من الأصول، وهو اليوم في هذا قريب جدّاً إلى ما توصّل إليه علم اللسانيات. وصاحبنا كان سبّاقاً في منحنا ملامح تفريق علم نطق الصوت Phonetics وعلم وظيفة الصوت Phonology ومباحثه الدلالية في التصويتية. هي اليوم Phonetics العلم الذي تُناط به عملية الكشف عن فعل الصوت في دلالة الألفاظ عن طريق تحليل وحدات الصوت اللغوي الصغرى من أجل معرفة خصائصها النطقية والفيزيائية والسمعية والدلالية والتجريبية. أمّا المعنيّ بالوظائف الصوتية فهو Phonology المكرَّس للبحث في الوظيفة عبر ظهور الصوت وتكوّن الإيقاع، والتقدّم لدراسة أثر الصوت في التركيب الكلامي نحوياً وصرفياً، وذلك من خلال استنتاج القواعد العامة التي تضبط الظواهر الصوتية المتعلّقة بالصوت البشري. القيم التعبيرية هي تلخيصات مفهوميات "ابن جني" بلغة اليوم، وهي تقارب حدّ التماثل ومفهوميات "رومان جاكوبسون" في محاضرته عن الصوت والمعنى. ورغم ميولنا الكوفية إلا أنّ منتجات المدرسة البصرية الراقية من الخوالد في علوم اللغة، وما بصمه أمثال "ابن جني" من تأثيرات الحرف والصوت في "الخصائص"، تستغرب تقاربها مع المعطيات المعاصرة في علاقة اللفظ والمعنى، واللفظ باللفظ، والحرف بالحرف في كلّية مجموعة الحروف كعنصر في سيت، والأبواب التي خصّصها لتلافي المعنى واختلاف الأصل والمبنى فتوحٌ سابقة لزمانه. لقد تناول اللفظ والصنعة والمعنوية: فالفعل يدلّ على الحرف بلفظه، وعلى الزمن بالصنعة، والفاعل بالمعنى. والتعاقب أقسام البدل والمبدَّل منه والعوض والمعوَّض عنه. دراسة "ابن جني" في الإجازة العلمية وكتاب "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" معالم محتفظة بقيمتها إلى اليوم. الصوت عند العرب المادة التي تُسمع بحاسة الأذن، وهو ما أسموه أيضاً الجرس على لسان "الخليل" في "العين". وحُدِّدت الصوائت بالحركات والعلل، والصوامت بالأجرومية، والعلاقة بين الحروف والحركات والإدغام ونظام تركيب اللغة لها خُصِّصت المباحث في أصول النحو وقواعده وقواعده الفرعية. دلالة الصوت قوّة اللفظ لقوّة المعنى، وهو الاشتقاقات والتراكيب. أمّا دلالة التركيب فهي دلالة نحوية، والدلالة السياقية إمّا سياق الحال أو سياق المقام، هذا درس "نعوم تشومسكي" في البنية التحتية والبنية السطحية في مباحثه بالنحو التحويلي. ما نخرج به ممّا سبق أنّ المستويات اللغوية ليست معجمية فقط، و"خصائص" "ابن جني" دليلنا. يقول: قال "أبو إسحاق" في رفع الفاعل ونصب المفعول: "إنّما فُعل ذلك للفرق بينهما"، ثمّ سأل نفسه فقال: "فإن قيل: فهلا عكست الحال فكان فرق أيضاً؟ قيل: الذي فعلوه أحزم، وذلك أنّ الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرُفع الفاعل لقلّته ونُصب المفعول لكثرته، وذلك ليقلّ في كلامهم ما يشتغلون ويكثر في كلامهم ما يستحقّون. فجرى ذلك في وجوبه ووضوح أمره مجرى شكر المنعِم وذمّ المسيء في انطواء الأنفس عليه وزوال اختلافها فيها، ومجرى وجوب طاعة القديم سبحانه لما يعقبه من إنعامه وغفرانه. ومن ذلك قولهم: إنّ ياء نحو ميزان وميعاد انقلبت عن واو ساكنة لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة، وهذا أمر لا لبس في معرفته ولا شك في قوّة الكلفة في النطق به. ولذلك لو نصبت الفاعل ورفعت المفعول أو ألغيت العوامل من الجوار والنواصب والجوازم لكنت مقتدراً على النطق بذلك، وليس كذلك عِلل من المتكلّمين لأنّها لا قدرة على غيرها. ألا ترى أنّ اجتماع السواد والبياض في محلّ واحد ممتنع لا مستكرَه، وكون الجسم متحرّكاً ساكناً في حال واحدة فاسد، لا طريق إلى ظهوره ولا إلى تصوّره" . ويقول "أبو بكر الرازي": "الدليل: أي ما يُستدلّ به، والدليل الدالّ أيضاً، وقد دلّه على الطريق أي بالضمّ دلالةً بفتح وكسرة". أمّا "الجرجاني": "كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلمُ بشيء آخر، والشيء الأوّل هو الدالّ والثاني هو المدلول". ويقول "سيبويه" في "الكتاب": "لا يمكن أن يُفهَم نحوها ويُعرَف فهماً صحيحاً إلا بعد دراسة أصواتها". ونجده لم يذهب بعيداً عن أستاذه "الخليل"، يستعمل الحرف ويريد الصوت. يقول "تمّام حسّان": "الفرق بين الصوت وبين الحرف هو فرق ما بين العمل والنظر. فالصوت عملية نطقية تدخل في تجاور الحواس وعلى الأخصّ حاستَي السمع والبصر، يؤدّيه الجهاز النطقي حركةً وتسمعه الأذن وترى العين بعض حركات الجهاز النطقي حين أدائه. أمّا الحرف فهو عنوان مجموعة من الأصوات يجمعها نسبٌ معيَّن، فهو فكرة عقلية لا عملية عضلية، وإذا كان الصوت ممّا يوجده المتكلّم فإنّ الحرف ممّا يوجده الباحث". ولو رجعنا لـ"العين" للتحقّق والتحرّي، يقول "الفراهيدي": "في العربية تسعة وعشرون حرفاً: منها خمسة وعشرون حرفاً صحاحاً لها أحجاز ومدارج، وأربعة أحرف جوف، وهي الواو والياء والألف اللينة والهمزة، وسمّيت جوفاً لأنّها تخرج من مدرج اللهاة، إنّما هي هاوية في الهواء فلم يكن لها حيّز تُنسب إليه إلا الجوف. أمّا مخرج الجيم والقاف والكاف فمن بين عُكدة اللسان وبين اللهاة في أقصى الفم. وأمّا مخرج الجيم والحاء والهاء والخاء والغين فالحلق". ما أردناه: التعرّف على دالّة الحرف والصوت في صوغ الكلمة وتشكّل التركيب من الكلمات وصنع الجملة من التركيب واتّباع السياق لتكوين النص من الجمل. والنص للمتاع جعل بعضه فوق بعض كما يقول "أحمد رضا" في معجمه. أمّا "ابن منظور" في لسانه: "يقال في اللغة نصَّ الشيء: رفعه وأظهره، وفلان نصَّه أي استقصى مسألته عن الشيء حتى استخرج ما عنده، ونصَّ الحديث ينصّه نصّاً إذا رفعه، ونصُّ كلّ شيء منتهاه". أمّا "هاليدي" فيقول: "النص اعتباره وحدة دلالية، وهذه لا يمكن اعتبارها شكلاً لأنّها معنى، لذلك فإنّ النص الممثَّل بالعبارة أو الجملة إنّما يتّصل بالإدراك والفهم لا بالحجم". "هيمسليف" يعتبر النص نموذج السلوك سواء كان منطوقاً أو مكتوباً، و"صلاح فضل" يعتبره القول اللغوي المكتفي بذاته والمستكمِل في دلالته، و"براون" عدَّه تسجيلاً كلامياً للحدث التوصيلي. "فان دايك" يعتبر أيّ تحديد للنص يقتضي نظرية أدبية، وعليه دعا إلى إعادة بناء الأقوال ليس على شكل جمل وإنّما على شكل وحدة أكبر وهي النص، والتي هي البناء النظري التحتي المجرَّد لما يسمّى عادة خطاباً، حيث يؤكّد في "بناء النص ووظائفه" : "ليست جميع المتواليات من الكلمات أو الجمل داخلة في مفهومنا الحدسي للنص". "المنصف عاشور" في "التركيب" يقول: "هو أن تتّحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتدّ ارتباط ثانٍ منها بأواصر، وأن يحتاج إلى وضعها في النفس وضعاً واحداً؛ فالكلام أو الجملة وحدة متماسكة العناصر لها نظامها وعلاقاتها الداخلية ولها توزيعات تواشجية وتعدّد ونظم مدلولي تامّ". اقترب كثيراً منّا وممّا نريد، ولكنّنا سنبقى نحفر للوصول بالمتلقّي إلى اقتناع فيما سنسوقه بخصوص قصيدة النثر والشاعرة بشرى البستاني وتفسيرنا لخاتمتها لقصيدة "حداثة الماء". في "دلائل الإعجاز" قال "الجرجاني": "إنّ من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالجزاء من الصيغ تتلاحق حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تُكبر شأن صاحبه ولا تُفضي له بالحذق والأستاذية حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات". "الزمخشري" في تفسيره: "خضوع الكلام لنواميس الفكر وبروزه على هيئة تحاكي الروابط المنطقية التي يقيمها بين المعاني، فتكون البنية اللغوية صدى لبنية عقلية منطقية سابقة"*. ويقترب الدكتور "سامي النشار" كثيراً لبغيتنا "دلالة اللفظ على المعنى يُنظر إليها من ثلاثة أوجه": 1. دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على المعنى الذي وُضع له كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق. 2. دلالة التضمّن: دلالة اللفظ على جزء من أجزاء المعنى المتضمَّن له، كدلالة الإنسان على الحيوان. 3. دلالة الالتزام: وهي استتباع أمر يكون ملازماً للمعنى ولكن خارجه في الوقت عينه. نفهم أنّ الدالّ يشكّل انعكاساً للصوت يترك أثراً في العقل السامع، وهو بذلك فهمٌ نفسي ذاتي للتحسّس بمكوّنات الحاضر "الفونيمي"، والمدلول تجمّع تشكيلي فكري لمقاربة الدالّ. وتتعرّض العلاقة لكلٍّ منهما إلى تغيّرات تفرضها المتغيّرات الذاتية والموضوعية الزمكانية، وعين الأمر في العلاقة بينهما؛ وذلك منشأ الاستبداليات المعنوية والوظيفية والتطوّرات التعروية التنقيصية الحذفية أو التراكمية أو التضايفية للمفرد الدالّ وكلّية المتداوَل. لو أخذنا أمثالاً: كان بعض أعيان قريش يستخدم الأمة التي تحت يده في ممارسة كدحها لجلب المال بفرجها وهو الدعارة دون تسمية، بل البعض يرسلها إلى خيام ذوات الرايات الحمراء لتمارس التموّس، وعند عودتها يأخذ ما تحصّلت عليه كسباً لا يجد فيه غضاضةً ومعيباً يقدح بالشرف والغيرة والمروءة. بعد الإسلام عُدَّ ذلك إعضالاً محرَّماً وممنوعاً، وبمرور الوقت اكتسب هذا الفعل جروحَ العيب الأخلاقي والسلوك المشين الذي يثلم عرض القائم به. كلمة الإمساك عن فعل الأمر فالانقطاع عن الإتيان به هو صيام: في التوقّف عن الكلام وعدم مقاربة الخمرة والتوقّف عن الذهاب لخيام ذوات الرايات والامتناع عن تعاطي المأكول، كلّها صيام. بعد أن أصبح من أركان الإسلام اكتسب دلالة محدَّدة وفق الفقه والشرع والتشريع التنزيلي والسيرة النبوية والتفسير له، والمعنى المعجمي بقي وقد يتوسّع، ولكنّ الاستخدام التوظيفي هو المعنى الديني. فالتغيّرات على الكلمات تمليها متطلّبات الاستخدام الخاضعة لواقع الحال الظرفي العام المكرَّس زمكانياً، وتتغيّر الدلالات تبعاً لتلكم التغيّرات. قد تخصّ الدلالة أو تُعمَّم أو تحفظ مرتبتها الدالية فيما تعنيه، أو ترتقي لمستويات أعلى ممّا كان لها، وهو حالها ليس في الاستعمال النفعي وحسب بل معناها الاستعمالي المجازي وما تشير إليه إشارياً وعلاماتياً تتغيّر، وأحياناً نجد استبدالات غريبة تناقض كامل مطلق بين أصل الدلالة وما صارت إليه. خذ كلمة "السبت": كانت تعني الدهر تحوّلت ليوم، ثمّ اشتُقّ منها السبوت والسابتات ومواقيت دخول كائنات لمرحلة في الشتاء أو لظروف. و"البأس": شدّة الحرب أصبحت كلّ المحن التي يمرّ بها الإنسان. وخذ الترقّي والهبوط: المعنى طول اليد كانت الكرم فغدت السرقة. وحدوث المناقلات بين الألفاظ للمشابهات وهو من معاني الاستعارة، بابٌ للخروج باللفظ ومعناه إلى سواه، وقد تتجاوز المعاني حتى أصولها المعجمية فتدخل المعجم الجديد بدلالتها المحدَثة. ومن الشواهد ما لا يحصى. لقد تصدّى أهل الاختصاص وقالوا بنظرية الحقول الدلالية: الأسس وحدة المعنى المعجمي بالانتماء لمضمار واحد متعيَّن على وجه الدقة. انتمائية الوحدة الدلالية لحقول فعل حراكها الخاصّ والسياق الذي تكون فيه وتموضعها مكانياً في التركيب اللساني العام نحوياً قواعدياً، والاستبداليات تحت ضغط الحاجة لتغيّر استخدامي دافعه تغيّر الدلالة ودقتها وحذقها وسعتها أو العكس أو قلب المعنى كلياً، لظروف وفق شروط تنتظم بأسس لغوية قاعدية تحكمها وقوانين ترتكز عليها. نظرية الحقول الدلالية مرتبطة أصلاً في الحقول المعنوية واللفظية المتوجَّبة بشروط الالتزام المعياري لإنشاء التركيب والجملة، ومن ثمّ جمعها في سياق النص. للحقول الدلالية الكثير من أهل الاختصاص، وتطوّرت عبر السنين، بل نزعم أنّها خرجت في بعض جوانبها من نظرية إلى قواعدية دلالية، فقد بحثت أنواع العلائق الدلالية داخل كلّ مجال حقلي مبحوث، وأُجريت البحوث بمراعاة شروط "سيميولوجية" و"سيمنتيكية" و"مورفولوجية" و"فيلولوجية". كلّ متطلّبات علوم اللغة العامة والخاصة تمّ بالتصدّي للترادف والاقتباسية والتضمينية والاشتمالية والاشتقاقية وعلاقة الكلّية بالجزئية، والوحدة الصغرى بالكبرى، والتضاد والتنافر والتجاور والتباعد والمقاربات الإخراجية والتأثيلية والترابطية. فكان محقّاً من قال: ليس أعظم من الاعتقاد بأنّ اللغة بالمفردة المنزوعة عن لباس التموضع في تركيب أو سوق أو التصوّر يمكن أن يُعطي المعنى. إنّ إدراك المعاني من مجرّد شكلانية التركيب وفق قواعديات الإعراب وما يعطيها المعنى المباشر دون تعمّق في المبادلات الممكنة وما سيحدث من مغايرات، ليس على عموم المعنى ولا على خصوصيّته، وإنّما من أثر في تعديلات سعة وضيق الدلالة ودقة وانفتاح. ومن هنا يأتي التأويل خارج الرامزات الإيحائية أو "الثيولوجية" أو الأسماء العلمية، وإنّما التأويل للمفردة المعلومة المعنى المعجمي في سقفها وسوقها، ولكن لما يلمح السامع والقارئ من مغايرات وفق ما يفسّره هو بالاستدلال والاعتماد على ما قد يكون في ذهنه أو من مخزونه المعرفي أو من تراكم سابق معرفة بالمطلق للتراكم التراكبي للحروف، وهو ما يُستخدم بالتشفير وحرف المقاصد. يقول "أحمد مختار" في "علم الدلالة": "لا تقتصر دلالة الكلمة على مدلولاتها فقط، وإنّما تحتوي على كلّ المعاني التي تتّخذها ضمن السياق اللغوي، وذلك لأنّ الكلمات في الواقع لا تتضمّن مطلقة بل تتحقّق دلالتها في السياق الذي تَرِد فيه، وترتبط دلالة الجملة بدلالة مفرداتها". ويؤكّد "فندريس" في "منهج البحث": "إنّنا حينما نقول بأنّ لإحدى الكلمات أكثر من معنى واحد نكون ضحايا الانخداع إلى حدٍّ ما". وكان "الزركشي" قد ذكر ما قاله "الأنباري" في "الأضداد": "الذي ينبغي في كلّ آية أن يُبحث أوّل كلّ شيء عن كونها مكمِّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثمّ المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك علمٌ جمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتّصالها بما قبلها وما سبقت له"*. معياريات مسطّرية متوجَّبة الالتزام العام في درس النصوص، وذلك مفتاح فهم Textologie. حتى الانزياح لا بدّ ألا يكون إلا في أجناس أو سياقات متعيَّنة متواضَع عليها، وأن يكون وفق معايير عدولية انحرافية أو حيودية. وقد التزم "جون كوهين" بضمان سلامة المبتعَث تبعاً للاختلاف "الفونيماتي". اللغة تقوم بتقوية التماسك المترابط الدلالي والنحوي ضمنياً، وتدعم بالمنطق "الفونيمي" الذي يترك مسافات حيّزية في السياق تشتغل فيها منتجات لغوية هي: النقاط والفواصل وعلامات الترقيم وأيّ مغايرات، تحكمها أسس عامة وخاصة ولا بدّ من أن تكون نمطية في الحدّ الأدنى ضمن حراك الدوال حتى المنزلقة منها. وتكون اللغة هي الكافل الناظم التشريعي للحفاظ على ماهية المبتعَث الرسالوي، وبواسطتها تُحدَّد المرامي والمشار إليها والمتوخَّى إبلاغها أو الترميز لها أو الإيحاء. وتتعرّف عليها اعتماداً على صفات تميّز الأنماط النوعية وتُفرزها عن تجنيسات أخرى. قد تمكّن اللغة بما وصلت إليه حتى المتداول العاميّ منها من تحديدات إشارية في مقام معيَّن مراعين السقف الزمكاني. والذي أسهب بدرس المبادلات المتغيّرة للعلامات وتنوّعها أو محدودياتها واتّساعها أو تضيّقها دلالياً كمّياً ونوعياً، تلك اشتغالات الناصّ في قصيدة النثر دون عمق تعيين من يفعله، والذي هو اشتغالات الناقد والمؤرّخ. وهو ما نؤكّد عليه في جميع مباحثنا: لا يمتطي النصَّ دابّةَ النقد إلا إن كان أصلاً من أهل اختصاص معرفي أو تخصّص. وهنا نلفت أنّ أكثر من يُلحق الدمار والضرر هم من يحملون إجازة لغة في تحصيل أكاديمي عندما يعتقدون أنّها تُجيز التحوّل إلى مقاعد الإبداع النصي أو النقدي، وهم أكثر ما يصلحون له حرفةُ المصحّح اللغوي. وقد يفشلون بالتعامل مع النصوص الحداثوية التي لن يستدلّوا على الدوال عبر معرفة معنى الكلمة المعجمية وفق ما يريده الناصّ ويلزمه النص في السياق أو التموضع أو التجلّي في التناول العرفاني للشاعريات الشعرية العالية المتقدّمة، والتي لا يفقه فيها صاحب الامتياز، ليس قصوراً وإنّما هي محدودية التأهيل، وهو في جميع العلوم والاختصاصات والمهن والحِرَف والمهارات والاشتغالات. حالةٌ من منتجات الخواء والتفاهة وفراغ الساحة الثقافية والمنتج الذي نقلته تناسليات التداولية في المفهوم البراغماتي والعولمة، وما قدّمته التطوّرات العلمية من مساعدات وظّفها الفقراء في البناء العقلي والفكري والتجريبي إلى نحت أسماء عديدة خرّبوا ساحات الإبداع والعمل الثقافي والفكري وتجاوزوا على القيم والأخلاق والأعراف والقواعد والمعايير. لقد ضجّت الساحة بالعبث والعوار وصدى التوسيمات والمطبوعات والاحتفاليات، والتدهور القيمي وهدر الربط التسلسلي وعدم تمييز حالات التحوّل الكمّي الكيفي. يرافق ذلك الخلط التجنيسي والعودة للكتاتيبية والمعلم والصُّنّاع والشاطر والعيار والتشلّل والفتونة والحرفشية في الأداء الفردي والجماعي، وهو السائد. "كلود ليفي-شتراوس" "أنثروبولوجياً" قدّم للبنيوية ما يفسّر هذه الظواهر ليس كبنية نصية ولكن كمنجز "أنثروبولوجي" يفيدنا في الفهم الثقافي لما يحصل، بالطبع مع عدد كبير من العلوم المتوجَّبة. إعرابية العربية أعطتها سعة تعبير، وفيما أتاحته: إنّ الدلالة امتلكت مراتبية في الدقة وتدرّجاً هرمياً للمعاني. الإعراب معجمياً هو إبانة تسمح لإظهار المعنى ودلالته، وتمكّن الإبانة اللغةَ العربية من تعديل المرامي وتغيير وجهة الدقة ودرجتها، بل استبدال دالّة المعنى بمجرّد المناقلة في التركيب أو الجملة، أو الإبقاء على المعنى وتثبيته في تراكيب جمل بعينها. وهو ما لا يتحقّق في اللغات المبنية. هنا يدخل حيود انزياح غير معياري ولا مسطّري لم يتمكّن من سبر كُنهه "جون كوهين" في فهم الانزياح وحصره بالشعر "الليري" والمموسَق؛ حتى في سجع الكهّان وكلّ الأوراد والأدعية انزياحات جسيمة، منها ما لم يتحقّق في الشعر ذاته. وذلك الدرس العربي لعلاقة الصوت بالحرف أعمق بكثير ممّا أدركه "جون كوهين". ومن ثمَّ في أكثر من اتّجاه عام خرج أهل اختصاص على تعريف الشعر بالاقتصار على المعنى "البوطيقي" وإلزامية الإيقاع والتوزين. هناك شروط عديدة ومنها الحيودات والتراكيب الانزياحية غير المسطّرية، بل الخروج عن الموسقة وعن الدلالة الإيقاعية. مع أنّه لحدّ اليوم لا يستوعب الكثيرون ذلك، وفي المقدّمة حاملُ المؤهَّل البروازي من أهل اليوم، ففي الأمس كان المؤهَّل معبراً للمعرفة الشاملة والتوسّع "الإبستيمولوجي" والتعمّق والتأدّب قبل ولوج الأدب. التعابير المعربة تختلف معانيها، فإن أحدثنا التداخل الجراحي على صلب عملية التموضع التقليدي، وهو من متاحات العربية، والتشاكل والحيودية عنه بالتوازي الانزياحي في العدولات المستساغة ،لا نقول المقبولة وغير المقبولة فالمتعمّق في فهم الدرس اللساني الغربي يدرك كمَّ المتاح ومقدار النوع النوعي الذي اجتمع ملكه للغة في تحقيق ما لم يستقم مع المسطرية المدرسية على المفردة والتركيب والجملة والنص في الأجناس والسياق والاتساق. إنّ لغة كالعربية بالثراء والعمران لا تقع عند هندسية إقليدية للقواعدية، بل لا بدّ من "ريمانية" ،وكيف يفهم حامل المؤهَّل الأوّلي ذلك، وكم من العقود ليفهم معادلة في الرياضيات العليا أو الهندسة اللاإقليدية؟، وتجاوز الرتابة التي يمليها الخواء المعرفي والأمّية وعدم التعمّق بالدرس والتصلّب الصلف الأصولي الذي يحدّ من التثاقف المتوجَّب. المباني العامة للدلالة تختلف في المعنى الواحد، وهو ما تتيح لغة العرب. بالإمكان أن نعطي خمس عشرة صورة وأكثر عن معنى واحد بمبادلات مفرداتية لن تغيّر المعنى أبداً، ولكن لكلٍّ منها درجة دلالية مغايرة. هكذا هو ما يعطيه كون اللغة معربة، ولكن مع هذا صفات تمتلكها ذات اللغة ولذاتها غير متاحة في سواها. تخلّف التوصيل والتدنّي في ممكنات التداول في اللغة أفقدها الكثير من تفريعاتها التطوّرية، وثمّة هجوم يُشنّ من أكثر من قرن يستهدفها لغايات بحثها خارج موضوعنا. قتل التحديث المطلوب قلَّص مكنات ما تحتويه اللغة. الإرسال والاستلام والرسالة ذاتها ووسائل حملها في العربية مفتوحة وليس كما نمَّطته الكتاتيبية. المغايرة المعنوية في ذات المفردة حتى لو بقيت في تأطير فإنّ الصرف والمبادلة التموضعية تغيّر الدلالة بشكل عميق. المستويات الصوتية والصرفية والتوليدية تركيبياً والكتابية لا حصر لها ولا حدود. هذا مبعث توقّف للمرور، ولولا حجم المتاح المحدَّد إلكترونياً لتعمّقنا في مقاربة مخارج الحروف وآلية الخلق المعنوي والدالي في الجملة ذاتها وبنفس التركيب وبنفس المستويات؛ التغيّرات النطقية تغيّر كلّية المعنى ولكلّية ماهية الدلالة. ومن هنا نجد الشاعرة بشرى البستاني أقرب إلى "ريكور" و"الفينومينولوجيا" كقاعدة للتأويل. إلا أنّ ثقوب "دريدا" أصلاً في نظريته، وإسهامات "غادامير" تعمّق رؤيتنا بالقول: إنّ الثقوب التي تراها هي وفق بصيرة مأكدمة، هي في الواقع مكتشَف أنّه من امتياح التطوّر النوعي. العجز التبادلي والتوصيلي ذاته الذي يعنيه المترجم، يعنيه من ينقل مفردات عامية للغة فصحى والكلام إلى لغة؛ من بداية التاريخ أيّام أوّل التدوين وظهور اللغة وتطوّر الأبجدية، كان الإنسان يخلق وسائط ربط الدلالات بين الكلام واللغة وبين مجموع العاميات في التأطير الزمكاني. لا نقول أفلحت بإطلاق، ولكنّها قاربت اقتراف المثالية المنتِجة للتثاقف الذي يسمّى اليوم الدرس المقارن "الصورلوجي" في الإنجازية... إلخ. قد كان من الممكن بالأمس أن يتفاهم الإنسان بالجمع المطلق في التواضع العلاماتي. قصيدة النثر هذه أخطر ما تؤدّيه من رسالة: ليست ثقوباً في النص ولا في السياق "الفيرثي" ولا في نظرية (مفهومه) النظم "الجرجانية"، هي انفتاح القراءة. إنّها إعادة دراسة عميقة وكلّية وجذرية لتطوير ملكة الإنجاز لتمرير إبداعها لمخاطبة النفوس والعقول والملكات للتوصيل والتداول، ليس "إمبيريقياً" بل "براكسيسياً". خواتيم نصّها كانت هي الثقوب وإغلاقها، منع الهواء النقي الحرّ الذي جادت به في فتح ثغور عبر الكوى التي يتيحها هذا الجنس. ما أفلحت بإيصاله ندَّعي أنّه لم يكن بمقدورهم تحقيق نصفه في أيّ وسيلة تنصيص مُجنَّس أخرى. أن يكون النص مفتوحاً أو مغلقاً ليس المشكلة، الاقتناع النظري ليس واجب الشاعر. ولولا أنّها أستاذة في الأدب والنقد لما وجدنا بعض الخطاب لها. فعقيدتنا: لا نصاحب الناصّ مع درس سيرته "هيستيريا" عبر طبلته السيرية الخاصة. ولتعدّد رواقاتها "الإبستيمولوجية" التناصّية وتنوّعها، فالخطاب كان صادماً لنا. إنّها لم تترك مكانتها الوظيفية تلعب بتوسيم وشوم على نصوصها الإبداعية، وحتى بعض الوقفات الأكاديمية نسبةً للجنس المعالَج الذي يعاند التعيّن والتحديد والقوننة والمسطريات والأكدمة. نصوصها ،ولا نعني فقط (حداثة الماء) التي كانت نموذج درس تحرّينا أن يكون معبِّراً عن كلّية إنجازية لعقود من مبدعة شاعرة وإنسان قبل شاعرة وشاعرة قبل أكاديمية يقول "ريكور": "إنّ الشعر هو أكثر من فنّ صنع القصائد، إنّه شعرنة وخلق بالمعنى الواسع للكلمة، وبهذا المعنى فإنّ الشعر يعادل السكن الأوّلي، فالإنسان لا يسكن إلا عندما يكون الشعراء".
الخاتمة :
حين وقفنا عند هذا الشاطئ، بعد رحلة نقدية طويلة في أعماق نص "حداثة الماء"، وجدنا أنفسنا أمام إدراك متعاظم لحجم ما أنجزته الشاعرة في هذا النص، وفي مجموعتها "هذا القرنفل ليس لي" عمومًا. ولا نبالغ حين نقول إن هذا النص يحمل في طيّاته بذور رؤية شعرية-فلسفية متكاملة، تتقاطع مع أرفع ما أنتجه الفكر الإنساني في مجال التأويل وفلسفة اللغة والتصوّف المعرفي. الشاعرة تكتب على حافّة الصمت والكلام، على مفترق الحضور والغياب، وعلى تخوم اليقين والشكّ، فتمنح قصيدة النثر(الحرة) العربية بُعدًا كونيًا لا تحدّه الجغرافيا ولا تقيّده الأيديولوجيا. وقد توصّلنا، بعد استخلاص نتائج الدراسة، إلى ما يأتي:
في ماهية قصيدة النثر: أثبتت هذه الدراسة، على صعيد التطبيق، ما طالما نادينا به على الصعيد النظري: إن قصيدة النثر جنسٌ قائم بذاته، يمتلك مقوّمات تجنيسية لا يمكن الإمساك بها عبر أدوات النقد التقليدية المستعارة من عوالم التفعيلة والعمود. وقد كشف نصّ البستاني بجلاء كيف تشتغل هذه المقوّمات: من اللاقصدية في بعث الدوال، إلى التعدّد التأويلي اللامحدود، إلى الديالوجية البوليفونية، وصولًا إلى التداخل العضوي بين الأجناس.
في تجربة البستاني: لم يكن ما وصلت إليه البستاني في قصيدة النثر وليد الصدفة أو مجرّد الموهبة أو ناتج تجريب عابر، بل جاء بتضافر ثلاثة عوامل كبرى سمّيناها الأثافي الثلاث: الأثفية الأكاديمية بما توفّره من عمق منهجي وثراء مرجعي؛ والأثفية الملكية بما تمتلكه من سليقة شعرية موروثة ومصقولة؛ والأثفية المعرفية بما راكمته من قراءة ومتابعة ومقارنة على امتداد عقود. وهذا التضافر هو ما يجعل نصوصها مختلفة نوعًا لا مجرّد مختلفة درجة عن سائر ما يُكتب.
في اللغة الشعرية: كشفت الدراسة عن خاصية بارزة في نصوص البستاني، تتمثّل في قدرتها الفائقة على توظيف المفردة بما يتجاوز حدود معناها المعجمي إلى فضاء دلالي رحب، يجمع في آنٍ واحد بين الموروث العربي، والحضور الصوفي، والامتداد الفلسفي، والاختزال العامي. وقد مثّل فعل "يلوب" نموذجًا ساطعًا لهذه القدرة.
في التناصّ: أظهرت الدراسة أن التناصّ في نصوص البستاني يتمرد على وضعه كزينة بلاغية أو استعراضًا ثقافيًا، ليتحول إلى نسيج عضوي في بنية القصيدة، لا يمكن انتزاعه دون أن يتفكّك النص كلّه. إنّه تناصّ من عمق الانصهار لا من سطح الاقتباس.
في البعد الإنساني: ثبت للدراسة أن البستاني شاعرة إنسانية بالمعنى الأشمل لهذا الوصف؛ إذ تتجاوز نصوصها حدود الأنثوي والعراقي والعربي، لتلمس تلك الأوتار الإنسانية الكونية التي يتقاسمها البشر في كلّ مكان: قلق الوجود، وحيرة الهوية، وجرح الانتماء، وشوق الوصال، وخوف الفقدان. في المشهد النقدي العربي لا يمكن إغفال ما كشفته الدراسة على الصعيد النقدي العام. فالمشهد النقدي العربي المعني بقصيدة النثر يعيش أزمة متعدّدة الأوجه: أزمة أدوات تتمثّل في استعارة مناهج غير ملائمة من سياقات أجناسية أخرى؛ وأزمة مرجعية تتمثّل في قصور الاطّلاع على المنجز النظري العالمي؛ وأزمة موضوعية تتمثّل في تحكّم الشللية والنفعية وضيق الأفق في صناعة الأسماء وتداول المعرفة الأدبية. وقد كان من أهداف هذه الدراسة، ضمنيًا، أن تقدّم نموذجًا للنقد الثقافي المتقدّم الذي يجمع بين الأداة المنهجية الرصينة، والذائقة الجمالية الرفيعة، والموضوعية التي لا تهادن: نقدٌ لا يصفّق ولا يهجو، نقد يكشف ويضيء ويحاجج.
في الختام، ما "حداثة الماء"؟ بعد هذا الجهد النقدي المضني والمبهج في آنٍ واحد، نقول: هي نضد أطراس تجربة روحية وفكرية عميقة تنتظر استنطاقها نقديًا.. وهي قصيدة الثقوب التي تعترف بها الشاعرة وتحتفي بها: ثقوب اللغة حين تعجز عن حمل الروح، وثقوب الوجود حين لا يحتمل جسد الفاني المطلق الخالد، وثقوب الهوية حين تتفتّت على يد من أحبّهم وخانهم، وثقوب الحبّ حين يعجز عن أن يقول نفسه بلغة واحدة. وهي، في الآن ذاته، قصيدة لغة الماء؛ تلك اللغة التي تشفع لنا وتتجاوز الثقوب بالسيلان عبرها ، لا بسدّها؛ لغة تجد طريقها في كلّ شقّ ومنخل، تعرف كيف تلتفّ حول العقبات، وكيف تروي العطش دون أن تقرّ بالاستحالة. وهي، في النهاية، قصيدة الحبّ الذي يتجاوز الحبّ؛ ذلك الحبّ الذي التمست البستاني معادله في تراث ابن عطاء السكندري والحلاج والنفّري وابن عربي، لأنّها أدركت أن حبّها أكبر من أن يتّسع له قاموس أحادي، وأوسع من أن يحويه شكل جنسي واحد. يقول بول ريكور: إن الشعر أكثر من فنّ صنع القصائد؛ إنّه شعرنة وخلق بالمعنى الواسع للكلمة، وبهذا المعنى يعادل السكن الأوّلي، فالإنسان لا يسكن إلا عندما يكون الشعراء. إننا لم نستنفد هذا النص، ولا يدّعي أحد استنفاده، وذلك من أكبر دلائل عظمته. ما فعلناه هو أن فتحنا بعض نوافذه على بعض آفاقه، وحفرنا بعض آبار معانيه حتى بلغنا طبقاته التحتية، دون أن ندّعي بلوغ المنبع.
#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
[4](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[13 ]قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[3](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[2](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[12] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[11] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[1](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[9] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[10] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[7] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[8] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[6] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[5] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[3] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[4] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
2] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
(الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)
-
(المقاومة والتطبيع)
-
مكرر مع المقدمة/ قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء-
-
-حداثة الماء-
المزيد.....
-
مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل
...
-
أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
-
أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود
...
-
فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
-
معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف
...
-
جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح
...
-
عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس
...
-
سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق
...
-
مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس
...
-
الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق
...
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|