|
|
2] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
سعد محمد مهدي غلام
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:16
المحور:
الادب والفن
المنهج والمرجعية والناص: الدرسُ في مبحث خارج المؤطَّرات النمطية يورّط في كثير من الأحيان؛ نتحاشاه بعد ذكره. يستغرق المتلقيَ النبيهَ ويتوصّل إلى معنى الكمّ المضخوخ من المراجع والتنوع والانتقالات في مبحث أدبي، نضطر فيه لأن نقول: إن ذلك كان بمنهج عابر لسياق المنهجية الواحدية، مع الالتزام النظري القواعدي. وما نتوخاه هو بلوغ غير ما يبحث الجادُّ في النصوص، وإن كانوا قلةَ القلة؛ فالنمط النقدي إنشاء، وإن تأكّد في الالتزام المسطري فاته العالم منذ عقود. عندما أزمعنا أن نخوض غمار النقود الأنثوية—وسبق أن مارسناها بحدود مقيّدة في أكثر من ثمانية مباحث—وجدنا استجابةً غير مسبوقة من المتلقي القارئ العَمَدة، وكانت أكثر قبولًا من مباحثنا قبل عقد خارج العراق خاصة. شجّعنا ذلك لنقرر الخوض في مئة معالجة نقدية تحت يافطة عامة :النقود الأنثوية، وهو الدرس الثقافي العام والإثنوسيميولوجي، والعتبة الموازية العنوانية لأغراض تداولية توصيلية في الأصل، مع محاولة تقيّد منهجي في متطلبات العتبية. عندما ندرس أنثى لا إشكالية في ما نبحث؛ الإلزام المتوجب أن نبقى بتأطير أنثوي في المباحث الذكورية. المؤسف أن هناك من، بعد نصف قرن، لا يفهم ولا يريد أن يتعلم عمّا نتحدث. وجدنا البعض لا يقبل أن يُدرَس مع من هم في تقديره الفقير في مرتبة أدنى مما يرتقيها. أما ذواتُنا الكرام، فهذه المباحث لا تضع في حسبانها ما في النص ولا مَن يكون الناص؛ نحن نبحث كل ما يعني المعروض فحصًا كليًا، والطبل لسيرورة هستيرية إجرائية أكثر منها منهجية. كما يسعدنا أن نجد أمثال الشاعرة بشرى البستاني؛ أخبرناها لجسّ النبض أن المعالجة لنصوصها ستكون ثقافية (بتصرف)، فلم تُبدِ ما يستشعر صاحبَ الريشة الحساسةَ بالامتعاض المصاب بفقر المعرفة. ولمّا طلبنا إليها أن تطّلع على بعض الأسماء ممن تناولناهم، ومررنا لها أننا سنتناول أسماء من الجدد ممن لم يصنع تاريخُهم بعد، ونحن يهمّنا النص وليس الناص، لم نجد منها لحظة صمت بل الترحيب. الشاعرة من أواخر الستينيات ولها إصدارات في مطلع السبعينيات. وخارج الدرس لنا موقفنا الشخصي ولن يكون له أي أثر، وهو أننا نعدّها من جيل مصاقب للرواد، بعيد ببضع سنوات وليس عقودًا. وهي لها كرسي الأستاذية في الأدب والنقد العربي. ورغم اعتقادنا أن ثمة أسبابًا منعتها من أن تتبوّأ صدارةً مشهدية مستحقة، فعشرات المعالجات لنصوصها لا تُوفيها حقها. وما لم يتحصّل عليه غير المؤهَّل من الأسبقية والأعلمية والشاعرية، هي في كل إصدار جديد تتقدم للأمام وتعطي ما لم يُسبق عرضه. متوائمة مع العصر، وهي الأكاديمية المشهود لها بالتقيّد المعياري. تخوض في نهرين: غير المجنَّس، وهو الخلط النسقي بالاتساق الموضوعي خارج النص المجنَّس المشكَّل المتنوع الذي سبقها فيه عراقيًا فاضل العزاوي في «مخلوقاته»ولكن فارق السنين يجعل منجزها أرقى بكثير والمجنَّس الرفيع الراقي: قصيدة النثر بشكلها العربي. ما كتب عنها كان موضوعيًا وأكاديميًا، بل إبداعيًا من البعض، ونحن لسنا ممن يجترّ مفاهيميًا؛ لنا عقل واحد لا يقبل التكرار لذاته أو بذاته. توجّب للمعالجة الثقافية أن ندرس كل ما أنتجته عبر تاريخها، ونطّلع على كل ما كتب عنها. والغريب مما تمخّض عن درسنا أنها تكتب بحرفية متقدمة، تقنيًا وموضوعيًا ووفق معيارية كلاسيكية لقصيدة النثر، تزاوج أحيانًا الشعرَ الحر أو تقانات المدرسة العريقة التعبيرية -كتعبيرية ستراندبرغ وبريخت والكثير ممن جذورهم ترجع إلى دوستويفسكي -مع رزانة رصينة حتى في الانزياح يُحسَد عليها. قد يقال: أستاذة في مجالها وتستطيع إحداث الحيود؟ نجيب: لا نعني ذلك قط؛ فالعديد من الأساتذة فيما نرمي إليه يتفوق عليهم شاب في مقتبل العمر بتحصيل دون المتوسط. نحن نعني الإبداع والقدرة على الصعود. لو رسمنا ذلك كمنحنى (Curve) لا بأس أن تكون هناك تداخلات بين منحنى الإبداع والتعليم، ولكن أن يكون الغالب منحنىً صاعدًا (Curve Up) فأمر استثنائي. وهو ما دفعنا لنتعمق في دراستها لنستفيد نحن شخصيًا مما هو متاح هنا للتناول، وهو مهما توسعنا لن يُوفيها حقها ولا يغطي مكانة منجزها هذا الذي بين أيدينا "القرنفل ليس لي". ففيه نموذجية للتفعيل المفتوح، وفيه ما يسمى النمط الشكلي لقصيدة النثر العربية (الشعر الصافي). بالطبع ليس وفق معيارية نازك الملائكة أو سوزان برنار اللتين هما مرجعان نعتمدهما كتراث. نموذجنا المعياري عملها الموسوم هذا "القرنفل ليس لي"، وهو آخر مجموعة ستصدر لها، فهو الأنضج والأحدث في مسيرة هذه الشاعرة المهمة. نأمل أن تتبعه بما يعمّق تجربتها الإبداعية وينفع من يقتفي منهجها الإبداعي والشعري. البداية تفعيلية وتضمحل بالنزول الصاعد تدريجًا إلى عمق النص وسماء البوح. لن نعتبر ذلك فعلَ قصدية، وإنما جراء ألفة عميقة عريقة من جانب، وممارسة لحق يتيحه هذا الجنس الأدبي -قصيدة النثر-إذ متاح أن تُستخدَم كل الأجناس في الإطار العام بشروط اللاغائوية المجانية والكثافة في المفهوم الذي تعرضنا له كثيرًا، وقد نتناوله هنا. وهو ليس الاختصار وليس الاقتضاب؛ إنه هصر الأفكار دون أن نقطع خصورها، في مقابل التعرض التكراري دون إسهاب وإطناب. لا أحد ينصّب نفسه على الناص من منبر التعليم؛ الناص له الحرية، إلا في خرق المتفق المرجعي. ومقدّمًا نقول: ليست سوزان برنار وحدها؛ قبلها بقرون وبعدها بعقود هي سهّلت التحديد، ورسالتها أكاديمية لا يجب أن تحمل أكثر من ذلك. كما فعل أدونيس وأصبحت المعيار. والغريب أنه من أدونيس إلى كل من يكتب هذا الجنس لا أحد يلتزم بمعايير برنار إلا العموميات، وتلك انقيادية للشعر، وهنا نحن في القانون العرفي: الشاعر المتبوع. وفق هذا المنطق نتناول نصوص المبدعين: لا ضوابط ولا قوالب جاهزة، ولكن معايير تواضع أغلب أهل الإبداع عليها، ومنها صاغت برنار أطروحتها. كانت على صواب في من تناولتهم، ولكنها محدّدة بالنمط الفرنكوفوني وبسقف زمني وبعدد من المبدعين هو إطار ما أوجبته الرسالة أكاديميًا—هذا ما لم يفهمه الكثير. البعض اعتبر ما جاء في الرسالة دستورًا، والآخر تمرّد باسم الحداثة والأنماط المعرفية الجديدة ومنها الدراسات الثقافية والإثنوسيميولوجية، لا هذا نحن معه ولا ذاك. الشعراء الذين وقعت تحت أيدينا حتى الآن في هذا الجنس من أي مكان ندرس ونعتبر تجربتهم من لبنات البنية المدماكية، وبهذا التفعيل والسرد والخلط بالمدبَّب من الومض والزوايا المدوّرة والقطوع والتقطيع وكل أشكال التناص والبوليفونية والتوقيع كبديل عن الإيقاع والدوال المنزلقة والغواطس من الاقتباسات والتضمينات والانزياحات والحيودات. والانضباط من طبيعة مركز الشاعرة وعوامل المحيط، ونبقى نحتفظ بحرية أن النص لمّا خرج عن الناص فهو لدينا ملكنا: ليس للتشويه أو الإغارة، ولكن لسبره وإعادة خلق نص موازٍ. فلن نركز على بعض الأوجه فقط، بل نسلط الضوء على أمور قد لم نتوسع فيها، وذلك لخصوصية الناص ومركزه الإبداعي الطويل والانتقال إلى هذا الجنس. سندرس ونقتفي ونتابع الكثير ونبحر بالتأويل والتفسير؛ لن نعلّق على تداخل إجناسي هو اليوم تشكيل ثقافي. المهم أن التنصيص قائم بمعنى: هناك نص، والنص تنطبق عليه لوجستيات تأثيث الجنس الذي سيكون محور الدرس. إن توفّر ذلك فليكن، وليتشكّل الناص كيفما شاءت الناصة. لم نُعِر بالًا للتفعيل ولا ندرس معانيه الإيقاعية؛ بمعنى لن نقطع وندخل في مصيدة العروض. وهو من المتاح، كما لو أُدخل من التوراة أو الأفستا أو من الشعر العمودي عابرًا الجسمَ العام للجنس—البنية، منتج التفكيك، إعادة التشكيل، ما يتمخّض عنها. نحن نقول: قصيدة نثر. كل التفاصيل نعم تعنينا، إلا أننا إن احتجناها نستدعيها ونستحضرها للفهم والتأويل والشرح لا أكثر. سندرس الدوال. نقول: نحن لنا عقيدة مختلفة لفهم دلالة فروع اللسانيات مثل الإعراب، ولغتنا إعرابية وليست بنائية. عالم شاسع واسع عميق متناقض مختلف فيه الاستدلال من دلالة معنى بتبادل مواقع المفردات وتغيّر طبيعة التراكيب الجملية وتحوّلها بين اسمية أو فعلية، ونقل أي وظيفة للمفردة بدفعها أو تغيير صوائتها بمعنى تغيير معناها. سنتوقف هنا: لا نشجع على التلاعب بالخلط الإيتيمولوجي للمفردات ولا باللكسيكولوجيات. ولكن التلاعب الصوتي كدوالَّ—إن لم يحرّك جذريةَ المعنى ولم يمنح الدالةَ دقةَ تصويب دلالي نسمّيه دالة الدالة—في قصيدة النثر نعتقد ذلك من المسموح به وسيكون له مضانّه في الدرس، وهو بوصلة فاعلة الدلالة. بمعنى هو الأرقى. هو بغيتنا لنتعرف على بشرى الإنسانِ الأنثى الشاعرةِ الأكاديمية. سيُبيّن لنا منجزها النصي كل ذلك. ستجدون معنا الانزياحات غير المسبوقة في المراتبية الأكاديمية وفي شخصية الشاعرة والإنسان بشرى البستاني؛ فكسر تفوّق لعقود باللاتوزين واللاإيقاعية وهي أستاذة تعرف أن الإيقاع والصوت واحد من الدلالات، بل إن صاحب "العين" وصاحب "الخصائص" وصاحب "الكتاب" اعتنوا بالصوت اتباعًا لأستاذية الخليل. أن تكسر القيد الإيقاعي—وإن كانت ثمة مرات اضطُرّت فيها الاستعانة بالتوقف الصائتي لتحقيق غرضية دلالية صوتية—ولكن ليس عامًا. وفي كثير من الأماكن هناك حاجة معنوية للدلالة المضمَّنة. (هناك تنظير غير معياري لا نُقرّه بل نعدّه مسايرة لعملية البحث عن الإيقاع في هذا الجنس. نقول لهم: إنه البحر! يقولون: احرث لتزرع القطن. نقول: لا. موسيقى الشاعر هو المتبوع والناقد التابع كما يقول الفطحل الخليل). الأحدث في العالم التسكين أدنى حد، لأنه من تقانات التفعيل، وللنهايات. أما وسط النصوص فيُستحسن عدم الإشكلة التحريكية إلا أن يثلم النص أو يقدح في السياق الحالي أو سياق النص. وتطوّر نظريات الصمت والفضاء الحوزي الأبيض—وهو سيميولوجيا يُعمَّق الدرس بها ويُتوسّع خارج رموزه الكلوديلية والملامح الدلائلية—كتواجد وظيفي للحرف بصيرورتيه الصورية الصوتية والعقلية. وتُعدّ الإسهامات في الدرس الفيرثي ونظرية النظم الجرجانية والإسهام الدلالي العربي لهادي نهر وأحمد مختار تنويراتٍ للمتعرض لسيمياء الصمت الأبيض والتلوينية. وقد أخرجت التنصيص عن أروقة الرؤية إلى مجازات الرؤيا الضيقة الواسعة المعنى، تبعًا لتوسيع ضيق العبارة واتساع الرؤيا النِّفَرية. وخارج المدارات التوفيقية للشعر الحر وتناولات كلوديل النظرية ومالارميه العملية، فالتحميل اكتسب روحًا عرفانية وباراسيكولوجية، وهو الحال بالتعامل مع المبثوث من إشارات وعلامات وحتى الخروج الحيودي عن قواعدية الانزياح لعلامات الترقيم في الشعر الحر، لتكتسب دوالًّا جديدة وتوظيفًا متغايرًا لمنح المتلقي قدرة تأويل إضافية. هذا ما تواضع عليه كبار شعراء الدنيا، ويتسق مع رؤية نقاد في السيميولوجيا: ريفاتير وإيكو وغيرهم. يأتي دكتور فلان وأستاذ علّان فنقرأ لهم كتابة إنشائية لا يفرّقون فيها—وهو اختصاص أدب—بين انزياح وخلل فسيولوجي. يبحثون عن إيقاع في قصيدة عشوائية، ويوجبون التسكين، ويُلزمون بنمطية واحدة يريدونها تعبيرية. نقول لهم: أيها الإخوان، مئة معنى للتعبيرية من قرنين، عدا المعنى المعجمي والسيكولوجي والأنثروبولوجي والسوسيولوجي… فلندع الخالق للخالق. لقد استفزّنا الثراء الذي هو جَعبة المحارب في قصيدة النثر في مواجهة عالم النص؛ التوسع الإبستيمولوجي، والمعجمية، والأسلوبية. (قد يعترض من يقول: أنت تُشيد بالانزياح وهو من الأسلوبية. نقول: إن نقود قصيدة النثر والمعالجات الثقافية ومنها النقد لا تخضع للمصطلحية (Terminology) التقليدية، وهنا لا بد—وهو ما لم يحصل الآن—من ناقد مكرَّس جلّ اهتمامه لقصيدة النثر كما يطالب ميكاييل ريفاتير). ومع تلك الدلالة اللسانية واللغة بشقيها العام والخاص هو من تحصيلها، من يواجهنا نوافقه أن ذلك ليس رصيدًا لها، وإن نأخذ به فلأن المفردة ليست بالمعنى المعجمي تمتلك دلالتها، بل بالسياق والاتساق والتركيب وآلية صنع الاستعارة والصورة وإنجاز الانزياح. ما شدّنا ثراء عام فلسفي تشكيلي موسيقي ثقافي بشذوذ عن سقف العمر والمكانة العلمية المتفوقة والحياة الاستثنائية الطليعية، وحتى حجم المنجز النصي الهائل نسبةً للمتوفر ممن توّجوا أنفسهم على شعب الأوهام إناثًا وذكورًا، باختلاط نكوصي إسقاطي انشطاري هروبي بين تباينات ثقافية وعمرية من وراء حُجُب. يقول أدونيس: "لا بد لهذا العالم إذن من الرفض، الذي نهره لا بد له من قصيدة النثر كثمرة أعلى في نطاق الشكل الشعري". نقول: في كل الدنيا الكثير من الشعراء اليوم يدبّجون قصيدة النثر، أتراهم من النظم في فرار؟ هراء. ما يتيحه الشاعر المتجدد الحقيقي المتقدم المتماهي مع روح العصر أن يكتشف التعديلات في الحر المقيّد وفي المطلق—لا تحقّق قدرةَ إيصال رسالي—التراكم والمخزون المعرفي الكوني في قرية كونية بأنظمة الوصول والتواصل. كم من شعراء الموجة في عالمنا العربي والعراق يقفون على هذه الناصية؟ لأن يعرف الإملاء والإعراب لا يحتاج العروض والتقطيع ولا فهم الدلالة ولا المعاجم. لديه رغبة أن يكتب قصيدة نثر أو رواية أو قصة، وكل ما اطّلع عليه كتب المدرسة. كما يشتهي الشاورمة وحاسوبه يتسوّق من الفيسبوك أو تويتر أو من الحِكَم وقصائد الشعراء وعموم الشبكة العنكبوتية... كل شيء متاح، ما الحاجة للحنكة والموهبة والتجربة؟ هذا في السوق؛ فالنقاد لديهم وأيضًا غالب المعروض مُكوْلَج أو مسروق أو إنشاء إكليكتيكي من نصوص لا حصر لها. وللتوثيق مئات المصادر متاحة في تذييل المباحث على الشبكة يختار، وحتى التضمين والاقتباس يأخذه. في حراك كهذا بالتأكيد يعترض علينا الإمّعة وهو دكتور في الأدب: كيف لا يكون في الشعر أعظم من رامبو؟ وهو لديه مئة أنثى! وكيف يبزّه الشاب الثلاثيني الذي ليس لديه وظيفة ولديه أنثى واحدة يحبها ولا يتمكن من التواصل ناهيك عن الوصال؟ كارثة. يقول أنسي الحاج: "في كل شاعر مخترع لغة. وقصيدة النثر هي اللغة الأخيرة. لكنها ليست باتّة. سوف يظل يخترعها". عندما نقول: لم يحفّزنا بل استفزّنا وهيّجنا هذا السموّ من بشرى البستاني—هذا ما عنيناه وما أبكانا—حاملُ الريشة هو هذا أيضًا. يخرج لنا منظِّر يقول: إن العالم تطوّر ولا تقاطع بين النظم وقصيدة النثر. تارةً جنس خنثى من أحد كبارها—المناصرة—وتارةً خرساء من رجل من ثلاثة عقود لم يتقدم أنملةً في الشعر، وآخر يكتبها ولم يُضِف لنفسه شيئًا. ويقول أستاذ: أنت حتى في التناص لم تخرج عما فعله شعراء العصر العباسي الأول. نحن لأن ليس من منهجيتنا كشف العورات، لبيّنا لك أنت تتراجع لقرون وإن كتبت قصيدة النثر. اليوم تدعوننا لنهجر ذلك ونعود للحر والتفعيل والنظم؟ بشرى البستاني صاحبة اختصاص تعيش على ما تقدمه من علم، وجدت أن هذا الجنس ليس امتدادًا للنظم. لم تخلط. جون كوهين أو تودوروف أو ريفاتير أساتذة، ولكن نحن نتحدث عن إبداع: من فان دايك إلى هاليدي إلى باختين إلى نعوم تشومسكي إلى رومان ياكوبسون، لا يعلّمونك الشعر. تراثك وشعراء العالم—ومنهم تحصيلهم دون المتوسط—يعلّمونك. عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز» يسوق ما يأتي: "أعرابي سُئل: لم تحب حبيبتك؟ فأجاب: لأنني أرى القمر على جدار بيتها أحلى منه على جدران الناس". استخلص قبل قرون هذا الرجل أن الشعر ليس مرتبطًا حتمًا بالوزن. تخيّل! حسٌّ، واختيار المفردة: شفافية، كثافة، عبور الاستخدام المطروق، واليوم: مجانية، لازمنية. الدلالة تغيّرت والمداليل تنوّعت بما لا تستوفيها البحوث. المغايرة في الزمكان والسياق والتركيب فتح الآفاق على أبواب الدنيا بل الكون. الشاعر اليوم يقول: "نقاط بيضاء هذه البلاد"؛ لا بد أن تراجع الفيزياء وتستوعب أن التركيب الاسمي يعوض عن أربع قصائد. ولكن عندما يصف قبلة يكتب نصف صفحة كلها غير مطروقة بتأويلات بعيدة في العمق تغوص حتى الطبقة الثالثة. هذا ما وجدناه عند بشرى البستاني، وهذا هو ضمير قصيدة النثر. هي لم تجرّب، هي شاعرة متقدمة في هذا الجنس، وعن سبق إصرار وترصّد. إذن وضعت في النظم إيقاعية واعتمدت توزينات لإحداث الجمال. ولكن صوفيا لورين لم تتطابق جماليًا مع أفروديت قبل عقود طوال، واليوم المئات لا يتطابقن مع مقاييس رياضية لقطر الخصر وكعوب النهد والطول، وهن من أعلى درجات الجمال. بل اليوم نحن ممن لا نقبل أن يُقاس في المرأة أي جزء ونعده سلعنةً وتقطيعًا. ذلك مستوى آخر، نحن نتحدث عن المتوازيين يلتقيان، الخط المستقيم أطول من المنحني. لا يعنيني أنك لا تفهم؛ استخدم كلمات من لغة أخرى مرات وعامية مرات، ومن لغة أكّد أحيانًا. يمكن أعين المتلقي بالهامش ولكنني لست مجبرًا الآن لتسهيل مهمته. قصيدة النثر أفادتنا فيها سوزان برنار، ولكن أولًا أدرك أنها أطروحة مدرسية تضع المعايير السكولاستيكية التي، مهما قيل إن بيكون خرق الأكويني وما عقب ووضع الأسس لنظام جديد، لا نرى ذلك جذريًا. هل غيّرت أنظمة اللوغوس واللوجيك؟ هل وضعت قواعدية مفهومية كما في بعض الجامعات الأمريكية العريقة التي غيّرت كليًا مجمل البروتوكول البرامجي لمستلزمات الدرس (Procedure)؟ نحن نتحدث عن جنس أدبي مغاير لكل المعهود. قد يكون من الغلو، ولكن بعض النقاد قال: إنه الهجين المخبري الكتابي وليس قرائيًا ورقيًا. ما نبحث عنه في النصوص من هكذا أجناس أن ندرك تغايرات في مفهوميات اللسانيات والمعرفيات الوحداتية (Data). برنار رائدة في الجرأة بإدراك غير المجنَّس أكاديميًا وأكدمته والإقرار به، وتفرّغ الكثير من الأطاريح له لاحقًا للدرس والتعقب والبحث، ولكن هذا لا يمكن أن نفهم أن إدراك أطروحة برنار يستوجب استيعاب أطروحة إنكليزية هذه المرة عن الشعر الحر عام 1951 لمانسيل جونز. فنخرج أولًا بصحة استنتاجات عموميات برنار—وهي إجابة من الفقير معرفيًا يخلط الحر بقصيدة النثر—كما يتوجب أن نعي أن منجز برنار ليس بالمحدّدات الخارجية لمنظومة (System) الجنس المدروس. فنبتعد عن أي جانب صلب (Hardware) في تصنيفاتها لأن الطالبة النابهة اقتصر درسها لمتطلبات أكاديمية معروفة؛ إنها تحدّد المدى والمعطى الفرنسي الفرنكوفوني المايكروي ولم تخرج إلى الماكروي. أين منجزات سنغور؟ أين إنجازات المنظومة العالمية الفرنكوفونية، وفيها لبنان وشعراء كيبيك الكندية مثلًا؟ إذن السيدة متطلباتها الأكاديمية حتّمت سقفًا زمانيًا وإطارًا مكانيًا وكرّست لحقبة حصرتها بين بودلير ووقتها (نذكر إن تنفع الذكرى: ذلك قبل أكثر من نصف قرن). ونعرف اليوم أن ليس لوئي برتران وغاسبار الليل ولا رامبو ولا بودلير ولا إليوت وإدغار آلان بو هم الجذور. وحتى عندنا نحن العرب الجذرُ الفرنسي نتوافق معه، ولكن ما يسود ليس النثر المحض. هناك الأوراد الدينية والنِّفَريات والشعر الأبيض الفارسي العريق الذي كتب به أحمد شاملو المسمى أ. بامداد، والمغاير عن الحر المقيّد أو الحر. ولذلك يُعدّ من المؤسسين لقصيدة النثر الإيرانية. نحن العرب كم منا اطّلع على دواوينه؟ من هنا لا نبحث بمدرسية في الدالة، بل نستفيد من منجز المقارنة بين الأطروحتين. ومن أطروحة برنار نُنعِم النظر في الجانب البرمجي (Software) للتعرف على الجانب الصلب (Hardware) من خلال منظومة بروتوكولية للغة جديدة نعني: لغة الإجراء (Language Procedure). لم يكن من متطلبات برنار أن توصلنا إلى هذا. عالميًا إنجاز شعراء لهم الحضور، واجبنا نحن: نحتاج القارئ الجديد والناقد الجديد وإجراء التحليل المغاير (Analysis Procedure). أنا اليوم في المباحث السابقة أعمل دون أن أصرّح أنه من غير العلمي فهم التركيب في قصيدة النثر كما في الحر—ناهيك عن خيبة أهل الشعر المنثور والنثر المُشعَّر والكائنات المنقرضة ولا حتى مستحدثات من قبيل: النثيرة، يا سادة: هناك تاريخ أدب راجعوه—وهؤلاء من يحفرون الجبل بالإبرة بحثًا عن الإيقاع. ما في أيديهم ليست إبرة وما يحفرونه ليس جبلًا. اليوم أنا لا بد أن أُعلن ذلك: النصوص المدروسة لأستاذة في الأدب والنقد—مهما أكن—لن أتفوق على ما تمتلك هي من تقانات وإبستيمولوجيات تخصصها. والتأويل: نعم كل قراءة لها سيميوطيقيتها، ونعم الهيرمينوطيقا تتيح أن يكون لكل ناقد بل قارئ ما يراه، ولكن نحن نتحدث عن عالم جديد: التعيين التعريفي الجدلي للمنطق مغاير. فأنت خريج اللغة العربية تحتاج أن تقف على منجز كل النقود المقارنة العالمية والتراثية؛ فالصورة البلاستيكية هنا تشريحيًا مشارطها وتسبيراتها مختلفة. أنت عليك أن تعرف علم النفس العام والأدبي، عليك أن تعرف أداء جهاز اللغة ولغة اللغة وفق فاليري، ومعنى المعنى وفق الجرجاني. ولكن أصل اللغة قاعديًا تغيّر، وآس المعنى غير ما درّسوك إياه في الكتاتيب. يتبع...
#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
(الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)
-
(المقاومة والتطبيع)
-
مكرر مع المقدمة/ قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء-
-
-حداثة الماء-
-
-حداثة الماء-
-
[1] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
( مُغامَرةُ عَنْكبوتٍ)
-
(خرائطُ ماءٍ لتاريخِ طميٍّ أوَّلِ في زمنِ هجرةِ ينابيعِهِ)
-
(نَبذتْني لِلتَّوِّ الحَضْرةُ)
-
(فُصُوصٌ، وَفُتوحات)
-
(بشائِرُ أغاني الفجر المتأخّر)
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
...
-
الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأ
...
-
(وحم العَوْدَة)
-
(وَصَبُ حَنِينٍ)
-
((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))
-
(صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)
-
(شَفقٌ أَخْضرُ)
-
((الإسلام السياسي في العراق: السياق التاريخي والتحولات))
المزيد.....
-
الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو
...
-
ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي
...
-
فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات
...
-
-ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب
...
-
وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م
...
-
مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت
...
-
التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما
...
-
نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص
...
-
-السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا
...
-
سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|