|
|
[1] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
سعد محمد مهدي غلام
الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 20:50
المحور:
الادب والفن
1) مدخل عام: المحاكاة (من أرسطو إلى تحوّلات المفهوم) المحاكاةُ هي العمادُ وهي القسمُ الثاني من الفنون الجميلة عند أرسطو، ولكن ليس كلُّ محاكاةٍ فنًّا. وسيلتُها وموضوعُها وأسلوبُها تُبقي المحاكاةَ في دائرة هذا القسم من النثر: إنّه الملفوظ، وإن دخل عليه الوزنُ تحوّل إلى شعر المديح والملاحم، وعندما تُضاف لهما الأنغام يصبح الشعرُ الغنائيّ، والتراجيديّ، والكوميديّ. أفلاطونُ: المحاكاةُ للمحسوس الموضوعيّ، ويبقى أقلَّ في حسن الصورة عن أصلِه. أرسطو طوّر الفعلَ الأدائيَّ للمحاكاة فقال: ليس الانعكاسَ المرآويَّ للمحسوس، بل للشخوص وما يُخلّفونه من انفعالٍ في عقل المحاكي، والفعلَ الذي يندّ عنه حيال فعل الخارج المحسوس، وأدخل أمورًا أخرى ستكون فاتحةً لتوسيع أبواب الفهم الإبداعي، وهو الإسقاط الإنسي؛ فما يُحاكَى لا يعود مجرّد الشيء وما يصدر عنه، بل الموقفُ الذاتيّ حياله، وأسلوبُ التلقي لردوده. تطوّرُ الفلسفة والعلوم ترك بصماتٍ في تفسير كلمات أرسطو التي تناولها كتابُ «البوطيقا». في العصر الروماني ظهرت مجموعةٌ تمارس الفعلَ المغاير للمعهود، وهو العمل النقدي، وتطوّرت تخصّصات دراسة الكلام والأنغام والإيقاع والأوزان، وهي ركائزُ الفنون جميعًا: الرقص إلى الشعر… واللافتُ هو ما قاله هوراس: «إنّ الشعرَ صورة…».
2) انتقالات عربية-إسلامية: اللغة، البلاغة، العَروض، ونشأة الحسّ المعياري في العصور العربية الإسلامية شهدنا نقلاتٍ نوعية في دراسة اللغة، والتوسّع في قواعدها: نحوها وصرفها وفقهها وقوانينها الناظمة… إلخ، ووسائل استخدامها، ومنها الشعر والنثر. لم تقتصر قواعد البوطيقا على نقاد الشعر وأهل اللغة في البلاغة والبيان والنحو، بل لقد أثروا القاموسَ بالدروس والمفهوميات المستحدثة؛ فقد وُضعت قواعد للشعر وأصبح لها حصّةٌ كبيرة. الشعرُ كما يقال: ديوان العرب، وكان ثمّة من ألمح إلى اختلاف الكلام عن اللغة معياريًّا، ووجدنا صكوكها في دراسات بيرس وسوسير، وقبلهما من الشكلانيين الروس؛ هو المرجع والمستشهد به وميدان التطبيق. ظهرت المعاجم ومفاهيم الترادف والتضاد وأدوات البيان والبلاغة، وكشف الخليل بن أحمد عن بعض أهم البحور. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخليل أهمل أكثر من نصف التراث الشعري حين لم يجده متطابقًا مع عروضه وقواعده الرياضية، وهو اليوم من المسلّمات البحثية في تاريخ الشعرية العربية. كما أن عدم معرفته بتوزين الشعر العراقي والفرعوني أفقد العروضَ مصداقيةَ أنه قانون جامع مانع؛ إذ هو جزءٌ من القاعدية وليس جميعها، وثبت ذلك في أيام الدوبيت والموالِيا والكان كان والتسميط والتوشيح وغيرها. وقد أضاف الأخفش بحر المتدارك. وسلّط الجاحظ الضوء على الصورة، وخاض الجرجاني في المجاز والاستعارة والتشبيه، وجرى تقدّمٌ هائل في فهم الاستعارة والتشبيه والتعريض… وطوّر الزمخشري مفهوم النظم الجرجاني ليكون النص (الآية أو السورة)، وقدّم القرطاجني درسًا بليغًا في التوسّع بمفاهيم النص والاستعارة والتمثيل والمجاز… إلخ. في الشعر والنثر انبرى من خاض في تأسيس مقدمات ما نسميه النقدَ البارز؛ كان التقسيم للشعراء طبقاتٍ، وجمعُ المنجز الشعري وتقديمُ رؤية أولية من النقد اللساني في البلاغة والالتزام بالبحور التي أصبح لها دروسها الموسَّعة وهو علم العَروض، حتى إن المتقدم في تناول نقد الشعر والنثر خرج عن قواعد أرسطو والفلاسفة ذاتهم، وهو غير ما اتبعه ابن قتيبة وابن سلام والجمحي… إلخ.
3) "العدول/الانزياح" في التراث: تثبيت المصطلح وتعدّد مجالاته توغّلوا في أعماق التفسير والتأويل والربط بين الشعر والمنطق (وهو أيضًا من موروث أرسطو)، ولكن لوحظ في كتابات الكبار ظهور مصطلحٍ لم يأخذ عند من سبقهم مكانتَه وهو: العدول أو الانزياح؛ فوجدنا أن دارس البلاغة والنحو والقواعد كما هو دارس الشعر أطلق على مخالفة القانون والمعيار مصطلحَ الانزياح؛ فجاء في كتابات أبي علي وعبد القاهر الجرجانيَّيْن، كما في كتابات سيبويه ودراسات ابن جني وعيار ابن طباطبا والرماني وقرطاجني والزمخشري وابن كثير والآمدي… إلخ. فيكاد لا أحد ممن كتب في الصوت والإيقاع والبلاغة والقواعد أو درس الشعر، بل القرآن والسيرة ذاتهما، إلا ووجدنا كلمةَ العدول والانزياح إحداهما تقابل الأخرى تماهيًا وتماثلًا، وأحيانًا يُضاف الخروج والانحراف… إلخ. أمسى درس الانزياح ملازمًا للدروس المعيارية، بل لا مباحث دونها. منهم من أوقفه على الإيقاع والتقفية والصرف، ومنهم من اقتصره على الوزن والتفعيل… البلاغيون على شروط معيارية صاغوها، والنحوي على قواعد اعتمدها. في الشعر عددٌ هائل من المفردات لكل عدولٍ على مسطرة الخليل. وشهدت أكبر النهضات العربية العصورَ الرابعَ والخامسَ الهجريَّيْن… وما أضافه أهل الأندلس، واستقر التراث على المعطيات بعد سقوط بغداد والأندلس وتفكك الدولة العربية الإسلامية وما أعقب ذلك… لم يخرج في ظل الانقسام والاحتلال والتمزق إلا دراساتُ توثيق وتحقيق ومحاولاتُ استرجاع الموزَّع على الأمصار، والتعمقُ في السيرة والتفسير والسنة والحديث. وأدى انتقالُ الحراك الفكري إلى الغرب إلى وضع الأمة كمستهلِك لما يأتي، بل وجدنا حتى تراثَنا يُسهم المستشرق الغربي في أن يكون دليلَه ومعينَه ومفسِّره…
4) مسارات القرن الماضي: التأصيل / التغريب / الخط الثالث ما حدث في القرن الماضي وحتى اليوم محاولاتٌ انقسمت إلى ثلاثة خطوط: هناك من لزم التأصيل والأصولية وحارب بكل السبل أي تعديل أو تطوير، وحتى الاجتهاد مُنع إلا في الفروع. وهناك من طالب بالتوقف عن الامتياح من التراث والاعتماد على المنتج الغربي؛ به درس وعالج وأثرى وقاس حتى الموروث، ونافح في ذلك التغريب لدرجة تسفيه كل التراث… وكان ثمة خطٌّ ثالث—نحن لا نميل إلى ما يسميه «وسطيًّا»—نجد الأنسب مصطلح «إكليكتيقيًّا»، وهو توفيقي تلفيقي أكثر منه تواضعي، أكثر منه منهجي، ويستند معرفيًّا على أصول وقوانين؛ لذلك لا نعدّه موقفًا وسطيًّا، بل نراه خطًّا ثالثًا يدرس التراث بكل معطياته السلبية والإيجابية، ويدرس الغرب بل العالم كله درسًا مقارنًا سلبه وإيجابه، ويكون نظريةً برؤية علمية وليست تلفيقية توفيقية . الواقع لم يُكتب لمثل هذا الخط الفلاحُ إلا في حالات ضيقة، والكثير من دعاته انزاحوا عن مناطق فعلهم بعدولٍ عن النهج والمنهج ليميلوا إلى الأول أو الثاني، أو كوّنوا كتلةً لا سمات لها ولا صفات، مجرد خليط من تجمع هامشي، وليس مزاوجةً وإثراءً وتطويرًا. عمومًا عند الجميع نجد الانزياح متداولًا، وكلٌّ وفق خندقه، وعلى ذلك الهدي نسير… إن العلم البشري تفاعل وتصاهر؛ ولا تحديث دون تأصيل، ولا تراث دون معاصرة. والتثاقف والمقارنة ليسا رغبةً هو إلزام يستوجبه النهج العملي، وليس العقدي.
5) تمهيد لموضع بشرى البستاني: التفعيل / الحر / قصيدة النثر، والانزياح بوصفه «بؤرة» مما نجده في شعر د. بشرى البستاني—وفق موضوع الشعر—كان التفعيل (الشعر الحر، وهو المصطلح الذي لا نجده موفقًا…) وهو الخروج عن النقل الاتباعي الذي عُدَّ بحق تطورًا مهمًا في مسيرة تطور الشعر العربي، بغضّ النظر عن مباحث الأسبقيات وحيثيات حصوله عبر التثاقف الموضوعي (بالاستفادة من تطور الشعر العالمي وخصوصًا الغربي…) أو الذاتي (توظيف الخروجات التراثية عن النمط التقليدي عبر تجارب تطوير النظم شكليًا أو دلاليًا والتوسع في مفهوم وحدة الموضوع…). أو من قبيل ما اصطُلح عليه "قصيدة النثر" العربية (وهو الآخر مصطلح لا نجده صائبًا للكثير مما أنجزه العديد من الشعراء، والذي نراه شعرًا حرًا مطلقًا وليس قصيدة نثر بأي حال من الأحوال)، وموضوعها وحيثياتها وتأصيلها ومكانتها التجنيسية… وكانت اللغة والكلام وعموم اللسان على خط الأقدمين أو سوسيريًّا أو بيرسيًّا أو أسلوبيًّا من مونتيه لدوفيليه إلى موليه إلى بافون… إلى كل من كرّس الدرس للأسلوب؛ من اللازب درسةُ الانزياح والتعمق فيه للوقوف مع ما يتماهى، وعقيدتنا العامة… سبق لنا أن أخذنا مساقات لمباحث نقدية في تناولات معالجاتية لنصوص شعراء لهم حضوة ومكانة مرموقة فيما نجد أننا قد كرّسنا من أربعة عقود جُلَّ دروسنا وقراءاتنا وتموضعاتنا عليه في الشعر والنقد وكل المتعلق بهما، إن كان تفعيلًا أو قصيدة النثر، رغم تكريس جُلّ مباحثنا بالأخيرة لخصوصيتها وتصوراتنا لأفقها المستقبلي. ومما نحن نجده أعظم انزياح وقعنا عليه في مباحثنا لغالب من كان موضوعًا للدرس وفي عموم مسيرته الشعرية، كانت قصيدة النثر هي الأبرز وضوحًا، ليس لأنها خنثى—فذلك ما لا نوافق د. عز الدين المناصرة عليه أبدًا—ولا هي الخرساء كما زعم عبد المعطي حجازي. قدرة التماهي مع إيقاع العصر واستيعاب الانزياح العام في اللغة والشعر، ومنه العدولات الصرفية والإيقاعية والتركيبية والإسنادية، ظهرت جليةً فيما تواضع النقاد على تسميته قصيدة النثر العربية. ولنكون صريحين، نحن في هذا المضمار نرى-بالاعتماد على محور الانزياح والتفرد واعتبار ذلك بؤرة أي درس نقدي أو ثقافي تشخيصي في أنطولوجيا شاعرات الطليعة-أن بشرى البستاني تحتل موقع الصدارة. ويعود ذلك لأسباب عدة، في مقدمتها: أن الشاعرة بشرى البستاني شاعرة نظم تفعيلي بالأصل، وتُعدّ من الجيل الثالث من الرواد، فهي تكتب من أواخر الستينيات ومن مطلع السبعينيات نشرت نصوصها، ولكن ليس ذلك هو الباعث لأن نتعمق بخصوصية التبئير؛ السبب أن الشاعرة أستاذة جامعية اختصاصها الأدب والنقد. وأن تكون آخر إصداراتها-التي لا بد أنها الأرقى والأثرى والأنضج عمريًا وتجريبيًا وإبداعيًا-من قصائد النثر أو تطوي في تضاعيفها روحَ قصيدة النثر العربية (الشعر الحر الخالص)، أمرٌ ملفت! ويدعم ما كنا نقوله من عقود، أن هذا الجنس هو الأرقى في التداول والتوصيل، وهو الذي يستوعب كلية الانزياح ليتمكن المبدع من الإفصاح عن كل ما يبتغي دون قناع أدونيسي. حتى نازك الملائكة، بعد أن استكملت التحصيل العالي ومارست التدريس الأكاديمي تخصصًا، ما أنجزته وكتبت عنه تنظيرًا مشوّشًا مختلطًا، بل طبعته المراوحة في موقعها. وشاعرتنا تجاوزت ذلك الاستعصاء المعرفي الذي تُقيّده انضباطيةُ الالتزام بالنهج الأكاديمي. ربما سيقال إن الفاصل الزماني عن نازك له مستلزمات وارتكاسات، نقول: حتمًا، لكن حجازي—أطال الله عمره—لا يزال، وهناك العديد. بل وجدنا من الجيل الثمانيني والتسعيني (رغم تحفظنا على هذا التحقيب المبتدَع) مَن نضب فعاد مخذولًا إلى التفعيل أو النظم العمودي، فلم يُفلح بالصمود في مسيرة عقود. ومهما تقدّم فلن يبلغ سموقَ أصحاب التفعيل والعمود من الرواد في العصر الجديد: من يبلغ الجواهري وشوقي والرصافي والحبوبي؟ من يتجاوز حجازي والبياتي ودنقل؟ لا توجد مؤشرات على أن ثمة من يستطيع ذلك، حتى من رواد الطبقة الثانية أمثال سعدي يوسف الذي يمارس النثر من سنوات. انزياح الشاعرة بشرى البستاني هو دلالي إسنادي وصرفي وصوتي… هي الأكاديمية الرفيعة المتقدمة ولها المؤلفات في الدلالي والإيقاعي. وهذا يُثبت أن جنس الشعر الحر المرسل قيد الدرس له مكانته وحضوره. ومن يقول إن كل الكبار في العالم لم يشكّلوا لك نهاية محنة الاختبار؟ نقول: ليس الأمر هكذا، نحن نقيس على منطقتنا العربية والعقل العربي؛ إن يخرج من المؤسسة الأكاديمية الملتزمة المنضبطة كما هو المشهود للدكتورة البستاني أكاديميًا عربيًا وعراقيًا، فإن العدول الإبداعي له دلالة ومرجعية تعتمد حتمًا على الكثير من دراستها. نعم نعتبرها ظاهرة وليس فعلًا عابرًا. الشاعرة الراقية بشرى البستاني من السبعينيات لها انزياحاتها التركيبية والدلالية في الصورة والاستعارة والتمثيل وفي ضروب البلاغة والمجاز، ولكنها-وقبل حتى استكمال دراستها-كانت انزياحات مؤطَّرة أكاديميًا، فلم تحاول الخروجَ الانزياحي في الصرف أو النحو أو القلب التركيبي النوعي في التشكيل أو تراكب الدوال الزئبقي في قصيدة النثر أو في الشعر الخالص المطلق التحرر. وإن نوّعت من أنماطها فقد وجدنا لها العديد من الومضيات والمقطعيات والسرديات والتوقيعات والهايكوات، ولكننا لم نجد السرد الأفقي ولا الانزياح الصرفي. ليس ثمة شاعر مبدع دون انزياح؛ ذلك ما دفع جون كوهين ليعتبر الانزياح من منجز الشعر وميزته ودلالته. ومن تناول الانزياح عند بشرى البستاني تناولها وفق معيارية مدرسية، لأن أثر بيكون بل الأكويني لا يزال في ثنايا أرقى معاهد العلم، وهو أزمة معرفية كونية في وسائط التعليم أفلتت منها بلدان لم تخضع إلى تسلسل مراتبية التطور التقليدي الغربي. فلو أخذنا من الشعر التقليدي قصيدة «غيمة في سروال» للشاب العشريني فلاديمير ماياكوفسكي (1914–1915م) لوجدنا انزياحًا متبوعًا حتى اليوم، رغم أنه أعاد ترجمتها بعد الثورة ليحوّل علاقة الحبيبة إلى علاقة بالوطن، فأكسبها دعاية وحقّق انتشارًا كبيرًا بعد إعادة طبعها عام 1918م. ولكن لا ينقص ذلك من الانزياح العتبي للعنوان. درسنا المُعجَّل للشاعرة المهمة بشرى البستاني حتمًا يتضمن دراسةً عن الانزياح مُداخَلًا فيه عوامل السيكولوجيا والأنثروبولوجيا والتناص والتراسل، ولكن لن نتوقف عندها إلا في "هذا القرنفل ليس لي"… يقول الخليل: في الكلام الشاعر متبوع والكل تابع، وعليه اعتمدت ليس على مسطرية مدرسية لأسلوبي الخاص، ولأن نقد قصيدة النثر ليس إلا من ناقد مختص بها كما يوصي ميكاييل ريفاتير. وعليه ما وجدته أن بشرى البستاني حقّقت قفزات نوعية في "البسي شالك الأخضر" و"تعالي" عن خماسية "المحنة" في الانقياد لمتطلبات قصيدة النثر، إلا في أماكن بعينها وجدناها تمتاح من التفعيل (الشعر الحر) لتعويض ضرورة خرق انزياحي شمولي في حراك انزلاقي للدالة. ما حققته الشاعرة المتقدمة من إنجازات لأنها حجزت لنفسها مكانًا في الغد وليس في الحاضر الذي ما فتئ يرهص في ضبابية ونكوص وهجمات أصولية وعبث في الجنس وتسرب المتسلقين وركوب موجته من الذين لا ملكة السليقة لديهم أو ممن هم في فقر مدقع إيتيمولوجي أو لساني أو معجمي. وهو ما نغبط الشاعرة الفذة في كنوزها التي وظّفتها في قصيدة النثر ثراءً شاسعًا فلسفيًا وعرفانيًا وصوفيًا وحتى تشكيليًا وموسيقيًا مع القرآن والسنة والتزامها الفكري الذي لا يكفر بأي ترميز؛ فالأندلس وغرناطة ودمشق وعمان حاضرة في نصوص هذه الشاعرة الطليعية.
6) الشاعرة ومناقشة الأدب النسوي تقول د. بشرى البستاني: «الكتابة هوية وديمومة وخطاب، والخطاب سلطة، والسلطة حضور بقوة وإملاء لأوامر كان مسكوتًا عنها، والسلطة صوت، وهذا الصوت بالنسبة للمرأة كان في طي الكتمان خشيةً أو رهبةً أو تقيةً، والصوت إفصاح وعلامة وكشف عن الذات، إنه الهوية وقد تجلّت، والكلام وقد انبعث من أعماق الغياب مذ ضاع حضورها زمن اكتشاف الزراعة حيث استقرّت الأسرة بعد طول رحيل مع الصيد، وحيث قسّم النظام الذكوري الأبوي الأدوار فاختار لنفسه صنع القرار السياسي والاقتصادي، ومنحها الدور العاطفي متمثلًا بالأمومة وخدمة البيت الذي يتزعمه الرجل». تلك مداخلة تعطينا مفهومها للأدب النسوي ومكانة المرأة، ونتوافق مع نتيجتها المتوائمة من حيث التأصيل والسببية التي أرجعتها لما طرأ على عوامل الارتكازات في البنية التحتية لعوامل أدوات الإنتاج والخروج الذكوري إلى خارج الدار وبقاء المرأة فيه، وهي مؤدى أنثروبولوجي لمورغان وتحليل المادية التاريخية لفريدريك إنجلز وخصوصًا في كتاب «الأسرة والملكية الخاصة». غير أن تعقيبنا هو اختلافنا مع الدكتورة في موضوع حصر الوجدانية والعاطفية بالمرأة؛ فالجانب العقلي والفسيولوجي والبيولوجي تبقى عوامل خطيرة في مديات التحول الأنثروبولوجي. ما نقوله ومعنا الجميع أن الحادث في المتغيرات الحاصلة على تركيب وظائف البنية ومكوناتها والاشتغال البنيوي الفوقي أنتج مفهومياتٍ فكرية وثقافية، ولكن ليس بتلك التأصيلات التي تصفها أنها حصرًا بالمرأة كمتحصَّل لتقسيم العمل. الوجدانيات والعاطفيات لا تقتصر على الأنثوية؛ وكلية المتحقق في عموم البنيتين العليا تعتمد السفلى وتعود السفلى لتُعجّل تحولات العليا، والتراكم الكمي يُحدث الانتقالات النوعية، والنقيض يتضمن نقيضه والصراع الضدي ينتج الثالث النوعي، وهذه سيرورة فعل المتناقضات. فالوجدانيات لا تخصيص جندريًا لها، وإن اختلفت الملامح جندريًا. إن الفوارق المتلازمة بالسلوك الأنثوي ليست جوهرية وهي نتائج، ولم تتجذر لأن الرابط الهرموني والبيولوجي لم يطرأ عليه تغيير من البداية حتى الآن. وتلك الأوديبية والألكترا عوارض ليست تأصيلات وهي من ترسبات عقل بطريركي ومفهوميات توراتية ورثها سيغموند فرويد وعزّزها بدراسات كرّسها علمًا. وتلكم الطروحات عن تأصيل الوجدانيات والعاطفيات للمرأة تُلحق الضرر بها. حتى أيام شاعرات بابل ومصر وحتى قصائد سافو اللسبوسية، الرقة فيها والحنو والوجدانية ليست صفة الأنوثة حصرًا، ولكن التكييف الجنسي والتمظهر البيولوجي يخرج وظيفيًا وليس تأصيلًا. عمومًا قد نعرج على ذلك في المطاوي حين نتناول نصوصًا للشاعرة مستلّة من مجموعتها الجديدة "هذا القرنفل ليس لي"، سنحاول درس الانزياح وبمقدمة عن الإيقاعية، لنُخرجها من المفهومية الانزياحية لأننا نرى أن قصيدة النثر أو عموم الشعر الخالص الحر أو التفعيل المنفلت من قيوده التقليدية، إن تواجد فيها الإيقاع فهو متحصَّل داخلي متواجد من حراك الدوال والمعاني والتجاور والتنافر، ولا علاقة له بالموسقة. وأينما نجد تقصّدًا تنغيميًا أو إيقاعيًا نعدّه مثلبة، في عقيدتنا، لمفهوم ذلك الطيف من الجنس الكتابي باعتباره لا منبريًا وغير منصّي، الذي لا يحتاج إلى جهورية وتنغيمية بأي شكل من الأشكال؛ الذي يتطلبه الإصغاء وإعمال العقل، والعاطفة لاحقةٌ للجنس نرتقي بها للتماهي مع المنجز الإبستيمولوجي الذي يضخه جسد القصيدة يتبع...
#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
( مُغامَرةُ عَنْكبوتٍ)
-
(خرائطُ ماءٍ لتاريخِ طميٍّ أوَّلِ في زمنِ هجرةِ ينابيعِهِ)
-
(نَبذتْني لِلتَّوِّ الحَضْرةُ)
-
(فُصُوصٌ، وَفُتوحات)
-
(بشائِرُ أغاني الفجر المتأخّر)
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
...
-
الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأ
...
-
(وحم العَوْدَة)
-
(وَصَبُ حَنِينٍ)
-
((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))
-
(صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)
-
(شَفقٌ أَخْضرُ)
-
((الإسلام السياسي في العراق: السياق التاريخي والتحولات))
-
الجندر: التفكك المفهومي، المسارات النظرية، وإشكاليات التوظيف
...
-
(خَطَوَاتٌ فِي وَهْدِ الفَرَاغ)
-
(شيءٌ من الفرج)
-
(أَصْدَاءٌ فِي الْمِرْآةِ)
-
(النصُّ التّائِهُ)
-
(النصُّ التّائِهُ)
المزيد.....
-
من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
-
أفلاطون ولغز المحاكاة
-
وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
-
من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ
...
-
من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ
...
-
بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟
...
-
-سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا
...
-
رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا
...
-
رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
-
تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|