أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سعد محمد مهدي غلام - ((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))















المزيد.....

((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))


سعد محمد مهدي غلام

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:06
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


المبحث الأول
قانون الأحوال الشخصية :
مثل قانون الأحوال الشخصية ميدان المواجهة المحورية بين الإسلام السياسي والتيارات المدنية طوال العقود السابقة. فقانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لعام 1959 كان من أكثر القوانين تقدمية في المنطقة العربية: قد وحّد الأحوال الشخصية بين السنة والشيعة، ورفع سن الزواج، وقيّد تعدد الزوجات، والطلاق التعسفي، وأحكام المواريث

بعد احتلال العراق 2003، كانت الأحزاب الإسلامية قد سعت لإلغاء هذا القانون واستبداله بقوانين طائفية تطبق الفقه الشيعي أو السني. مشروع قانون الجعفري للأحوال الشخصية (2014) أثار جدلاً واسعاً لأنه يشرّع زواج القاصرات ويقيد حقوق النساء في الطلاق والحضانة.

من منظور نسوي، محاولات أسلمة الأحوال الشخصية تهدف لإعادة النساء إلى "الوصاية الذكورية" وتفكيك المكتسبات القانونية التي حققتها الحركة النسوية العراقية. المقاومة النسوية، بدعم من منظمات المجتمع المدني، نجحت حتى الآن في منع إقرار هذه القوانين.

أن الممارسة القضائية الفعلية تجاوزت القانون: فبعض المحاكم الدينية تطبق أحكامًا فقهية متشددة حتى لو تعارضت مع القانون المدني . هذا "التطبيق بالواقع" للشريعة يعكس هيمنة الإسلام السياسي على المؤسسات القضائية.

من منظور مقارن، الصراع حول قوانين الأسرة يتكرر في كل سياقات ما بعد الثورات في العالم العربي . قوانين الأسرة تُعتبر "الحصن الأخير" للهوية الإسلامية، مما يجعل إصلاحها مقاومة بشراسة من التيارات المحافظة.

المبحث الثاني:
فرض الحجاب وضبط الفضاء العام
شهد العراق بعد 2003 حملات ممنهجة لفرض الحجاب على النساء. إن الميليشيات الإسلامية المسلحة استهدفت النساء غير المحجبات بالتهديد والاعتداء الجسدي، خاصة في المناطق الجنوبية والبصرة. هذا العنف حوّل الحجاب من خيار شخصي إلى ضرورة للبقاء.

خطاب "الحجاب كحماية" انتشر على نطاق واسع: الأسر تحجّب بناتها "لحمايتهن" من العنف، لكن هذا الخطاب يخفي حقيقة أن العنف نفسه هو الذي يُستخدم لفرض الحجاب. النساء يُعاقبن على "التبرج" المزعوم بدلاً من معاقبة المعتدين.

في السياق الأكاديمي، بعض الجامعات فرضت "قواعد لباس" تلزم الطالبات بالحجاب، بينما الجامعات الأخرى شهدت ضغوطاً اجتماعية قوية تدفع نحو الالتزام. هذا التضييق على الفضاء الأكاديمي يعكس تزايد نفوذ الإسلام السياسي.

جسد المرأة أصبح "ساحة معركة" رمزية بين الإسلام السياسي والتيارات المدنية. الحجاب يُقرأ كرمز للهوية الإسلامية، بينما عدم الحجاب يُفسّر كـ"تغريب"، مما يحرم النساء من حق اللباس الشخصي.

في مناطق سيطرة داعش، النساء أُجبرن على ارتداء النقاب الكامل والعباءة السوداء، مع عقوبات قاسية (الجلد أو القتل) للمخالفات. هذا التطرف يمثل النسخة الأكثر وحشية من ضبط جسد المرأة.

المبحث الثالث:
العنف ضد النساء: أنماط وسياقات
شهدت النساء العراقيات بعد 2003 أشكالاً متعددة من العنف. وفق تقارير أممية (2006)، تشمل هذه الأشكال: الاختطاف، الاغتصاب، القتل المستهدف للنساء المهنيات والناشطات، والعنف الأسري المتصاعد . الفوضى الأمنية وانهيار سلطة القانون خلقا بيئة مواتية لهذا العنف.

ثمة ثلاثة أنماط من العنف الجندري: العنف الطائفي المستهدف للنساء كـ"رموز" للطائفة الأخرى، العنف "الأخلاقي" من الميليشيات لفرض معايير سلوكية، والعنف الأسري المتفاقم بسبب الضغوط الاقتصادية والنفسية.

في السياق الجنوبي، الميليشيات المسلحة نفذت حملات قتل منظمة ضد النساء بذريعة "الرذيلة": مصففات الشعر، البائعات، النساء المنفصلات أو الأرامل. هذا "العنف الأخلاقي" يعكس هوساً بضبط الجنسانية الأنثوية.

خطاب "شرف العائلة" استُخدم لتبرير العنف ضد النساء، بما في ذلك "جرائم الشرف" التي تصاعدت بعد 2003 بشكل كبير . القانون العراقي (المادة 409) يمنح تخفيفاً للقتل "بدافع شريف"، مما يشرعن هذا العنف.

في مناطق النزاع، واجهت المرأةعنفاً جنسياً ممنهجاً من مختلف الأطراف المسلحة، بما في ذلك القوات الحكومية والميليشيات. هذا العنف الجنسي كسلاح حرب يعكس تقاطع الأبوية والصراع المسلح.

المبحث الرابع:
تقييد عمل النساء ومشاركتهن الاقتصادية
تراجعت مشاركة النساء في سوق العمل العراقي بشكل حاد بعد 2003. وفق تقرير صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (2012)، انخفضت نسبة النساء في القوى العاملة من حوالي 23% في التسعينيات إلى أقل من 14% في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

هذا التراجع يعزى لعدة عوامل: انعدام الأمن الذي جعل تنقل النساء خطراً، الضغوط الاجتماعية من الإسلام السياسي الذي يعتبر عمل المرأة "منافياً للفطرة"، والبطالة العامة التي دفعت الأسر لإعطاء الأولوية لعمل الرجال.

بعض القطاعات شهدت استهدافاً مباشراً للنساء العاملات: مصففات الشعر، الصحفيات، الناشطات الحقوقيات، والأكاديميات تعرضن للتهديد والقتل. هذا الاستهداف يهدف لإخراج النساء من الفضاء العام.
غياب النساء عن سوق العمل له تكلفة اقتصادية باهظة على الاقتصاد العراقي، مقدّراً بخسارة 25% من الناتج المحلي المحتمل. لكن الخطاب الإسلامي السياسي يتجاهل هذه الحقيقة الاقتصادية.

في المقابل، نجد أن الضرورة الاقتصادية دفعت نساءً كثيرات للعمل في القطاع غير الرسمي (من المنزل، التجارة الصغيرة) رغم المخاطر والقيود . هذه "المقاومة الصامتة" تكشف عن وكالة النساء رغم القمع.

المبحث الخامس: المشاركة السياسية: كوتا دون تمكين حقيقي
يمنح الدستور العراقي (2005) كوتا 25% للنساء في البرلمان، مما جعل العراق من الدول ذات التمثيل النسائي المرتفع شكلياً. لكن هذا التمثيل الشكلي لم يترجم إلى تمكين حقيقي.

معظم البرلمانيات وصلن عبر قوائم الأحزاب الإسلامية التي تفرض عليهن التزاماً أيديولوجياً محافظاً. هؤلاء النساء نادراً ما يتبنين أجندة نسوية، بل يدافعن عن مواقف أحزابهن المحافظة.

النساء البرلمانيات يواجهن تحرشاً وتهميشاً من زملائهن الرجال، ونادراً ما يُمنحن مناصب قيادية في اللجان البرلمانية المهمة . الكوتا تضمن الحضور لكن ليس النفوذ.

نقديًا، نرى الحيدري أن الكوتا الجندرية في سياق نظام سياسي فاسد وطائفي تصبح "واجهة ديمقراطية" دون محتوى حقيقي. النساء يُستخدمن لتجميل نظام يمارس التمييز ضدهن.

بعض البرلمانيات والناشطات نجحن في فرض قضايا نسوية على الأجندة: قانون مناهضة العنف الأسري (لم يُقر بعد)، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية. هذه الجهود، رغم محدوديتها، تمثل مقاومة مهمة.

المبحث السادس:
النساء الإيزيديات: الإبادة الجماعية الجندرية
تمثل المأساة الإيزيدية (2014) أحد أبشع جرائم داعش الجندرية. وفق تقرير مفوضية حقوق الإنسان العراقية (2016)، اختطفت داعش أكثر من 6,800 امرأة وطفلة إيزيدية، استعبدتهن جنسياً، وباعتهن في "أسواق الرقيق".
برّرت داعش هذه الجرائم بفتاوى دينية تصنف الإيزيديين كـ"مشركين" يحل استعبادهم. هذا التأويل المتطرف للفقه الإسلامي التاريخي حول "السبي" يكشف عن وحشية الأيديولوجيا.

شهادات الناجيات:
الاغتصاب اليومي، البيع المتكرر، الحمل القسري، والعنف النفسي الشديد. هذه الشهادات تكشف عن معاناة لا توصف وصدمات نفسية عميقة.

الناجيات من الأسر واجهن وصمة اجتماعية ورفضاً من بعض أفراد مجتمعهن، رغم أنهن ضحايا. هذه الوصمة تعكس منطق "الشرف" الأبوي الذي يحمّل الضحية مسؤولية العنف الذي تعرضت له.

إن المحاسبة على هذه الجرائم ما تزال محدودة جداً، مما يعمق شعور الضحايا بالظلم ويمنع التعافي. الإفلات من العقاب يرسّخ ثقافة العنف الجندري.

الخلاصة
حاولنا تقديم صورة عامة عن الأبعاد المتعددة للممارسات الجندرية القمعية للإسلام السياسي في العراق. من محاولات أسلمة قوانين الأحوال الشخصية، إلى فرض الحجاب بالعنف، إلى تقييد عمل النساء ومشاركتهن السياسية، تتجلى رؤية أبوية شمولية تسعى لإعادة النساء إلى "المجال الخاص".

العنف ضد النساء تصاعد بشكل مخيف، من "جرائم الشرف" إلى الاستهداف الطائفي، وصولاً إلى الإبادة الجماعية الجندرية ضد الإيزيديات. هذا العنف الممنهج ليس "تجاوزات فردية" بل جزء من مشروع أيديولوجي يستخدم جسد المرأة كساحة لفرض السيطرة الدينية-السياسية.

رغم هذا القمع الشامل، النساء العراقيات لسن ضحايا سلبيات. المقاومة النسوية، من النضال القانوني ضد أسلمة الأحوال الشخصية، إلى الاستمرار في العمل رغم التهديدات، إلى توثيق الانتهاكات والمطالبة بالعدالة، تكشف عن وكالة وصمود رغم الظروف القاسية.

فهم هذه الممارسات الجندرية يتطلب ربطها بالسياقات الأوسع: الطائفية السياسية، الفساد، الصراع المسلح، والتدخلات الإقليمية. الإسلام السياسي لم ينتج هذه الأزمة بمعزل، بل في تفاعل معقد مع هذه العوامل البنيوية.

مراجع توثيق

منظمة المرأة العربية (2006). المرأة العراقية: عقود من المعاناة، حان وقت التغيير. القاهرة: منظمة المرأة العربية.

صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (2012). تقرير التنمية في العالم 2012: المساواة بين الجنسين والتنمية. نيويورك: الأمم المتحدة (النسخة العربية).

مفوضية حقوق الإنسان العراقية (2016). "جاؤوا ليدمروا": جرائم داعش ضد الإيزيديين. بغداد: مفوضية حقوق الإنسان العراقية.



#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)
- (شَفقٌ أَخْضرُ)
- ((الإسلام السياسي في العراق: السياق التاريخي والتحولات))
- الجندر: التفكك المفهومي، المسارات النظرية، وإشكاليات التوظيف ...
- (خَطَوَاتٌ فِي وَهْدِ الفَرَاغ)
- (شيءٌ من الفرج)
- (أَصْدَاءٌ فِي الْمِرْآةِ)
- (النصُّ التّائِهُ)
- (النصُّ التّائِهُ)
- (تَأَمُّلُ الظِّلِّ الَّذي أَنْتَمي إِليْهِ)
- ((سيمياء الأهواء دراسة نظرية منهجية في بنية الانفعالات وآليا ...
- (علم السيمياء من الأصول الفلسفية إلى التطبيقات المعاصرة)
- (تَخرُّصاتُ الصَّمْتِ ما بَعْدَ المَطرِ)
- (عَوْدَةٌ إِلَى الأَرْضِ)
- (نَذيرُ رسائِلِ الحُدودِ)
- (رَقِيم)
- ( أصداف )
- (شَيْءٌ مِنَ الْفَرَجِ)
- (نَشِيدُ الغَيْمَةِ الخَضْرَاء) (أسفارُ الماءِ في ظِلِّ الرّ ...
- (رِيشَةِ -مَاعتْ-) (أسطورة العدل في مصر القديمة )


المزيد.....




- عام على هجوم ريسبريسكا - كيف دعمت البلدية الاطفال الذين فقدو ...
- تفاصيل الساعات الأخيرة لأسماء أميمة الفتاة التي قتلها والدها ...
- “رح حمرة”، تظاهرات وحملات انتقاد للنساء السوريات ضد قرار منع ...
- كيف حجب السفير الأميركي في القدس المحتلة تقارير عن المجاعة ف ...
- معاشات منهوبة باسم القانون: أطفال ذوو/ات إعاقة ضحايا الولاية ...
- بعد اعتدائه بالضرب على زوجته الفنان المصري محمود حجازي يتحرش ...
- اعتقال نجل ولية عهد النرويج قبيل محاكمته بتهم اغتصاب
- ملفات إبستين: سارة فيرغسون عرضت على جيفري الزواج وطلبت منه ا ...
- معرض CES.. جهاز متطور لمساعدة النساء على فحص هرموناتهن في ال ...
- فرانشيسكا ألبانيزي: كفى تطبيعًا للاحتلال الإسرائيلي


المزيد.....

- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سعد محمد مهدي غلام - ((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))