أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - (الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)















المزيد.....

(الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)


سعد محمد مهدي غلام

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


(جدلية الحضور والغياب في قصيدة "تأخّرتَ كثيرًا" لشلال عنوز)

المقدمة:
كان الزمن في القصيدة خلفية مأساوية تكتب سيرة أحداث ذاتٍ مُحاصَرة بين ما فات وما لم يعد ممكناً. هو زمن الفوات والتأخر والخسارات التي لا رجعة فيها. عبر حوار صوتي داخليٍّ ينقسم إلى نبرتين متباينتين، تنكشف جدلية عميقة بين من يحاول استعادة الماضي ومن أدرك استحالة ذلك.

لنفترض- مع الاحتفاظ باحتمالات أخرى- أن الصوت الأول يحمل ملامح "الأنا" الراجعة، تلك التي ما زالت تدور في فلك الذكريات، بينما يأتي الصوت الثاني كـ"الأنا الواعية" التي عبَرت إلى حقيقة لا رجعة فيها. هنا، لا يكون الصراع بين "رجل وامرأة" بالضرورة، بل بين زمنين لا يلتقيان: زمن الاسترجاع وزمن القطيعة.

البنية الدلالية للقصيدة تقوم على ثنائيات ضدية محورية: الذاكرة/النسيان، الحنين/القطيعة، الأمل/اليأس، الحاضر/الغائب. وبين هذين القطبين، تتحرك اللغة الشعرية في فضاء وجودي مشحون بالألم والفقد. الحب هنا ليس حدثاً قائماً، بل علامة زمنية تشير إلى لحظة كان يمكن أن تكون ولم تكن.

العنوان:
"تأخّرتَ كثيرًا"، عتبة تحمل حكمًا باتًّا وقاطعًا. جملة خبرية تصدر من موقع المعرفة والراهنية، لا تحمل دعوة للحوار بل تضمر إعلان إغلاق. التأخر هنا يتجاوز المعنى الفيزيائي ليصير خطيئة وجودية تستبطن الخسارة الأبدية.

التكرار في العنوان "كثيرًا" يُعمّق الإحساس بالفجوة الزمنية. التأخر فادح، بوضوح لا يُعوَّض ولا يُسترجع. هذا يُذكّر بـ"الزمان الضائع" عند هايدغر، حيث الوجود الإنساني محكوم بلحظات حاسمة لا تعود إذا فاتت، وبـ"البحث العقيم" عند بروست في استرجاع الذكريات.

بنية جدل الصوتين:
القصيدة تأسست على حوار ثنائي غير متكافئ:

الصوت الأول: نبرة الاستفهام والاسترجاع
يفتتح الحوار بنبرة سابحة في الأحلام: "لِمَ هذا الانزواء؟"، "لماذا تسرقُنا ندّاهاتُ التيه؟". يطرح أسئلة عن سبب الغياب، ويدعو إلى عودة الأمنيات وترميم أبجدية الضياع. هو محاولة يائسة لإعادة ترميم الماضي، استرجاع ما فات دون طائل.

الصوت الثاني: نبرة الحسم والخبر
يأتي مقتضبًا وحاسمًا: "كان الوقت لك / وخسرتَ المجيء / تأخّرتَ كثيرًا". لا استفهام، لا استعارة، فقط حقائق جافة تُعلن القطيعة. "القطار غادر المحطة" جملة نهائية تُعلن موت الاحتمال.

هذا التفاوت يرسم خريطة نفسية: الصوت الأول ما زال محاصرًا في ماضٍ متخيَّل، بينما الصوت الثاني عبَر إلى زمن آخر. المأساة ليست في صراع طرفين، بل في عدم التقاء زمنين.

سيميائيات المكان:
المكان في القصيدة سائل، يتدفق عبر رموز متشابكة:

رحم المتاهة: تركيب استعاري مزدوج يجمع بين الخصوبة والتيه. الرحم الذي يُفترض أنه مصدر الحياة والأمان يتحول إلى سجن وجودي لا خلاص منه. لكن هل هذا الرحم "أنثوي" بالضرورة؟ قد يكون استعارة للداخل النفسي، لذاتٍ تائهة في متاهة ذاتها، متشبثة بما اقتنعت به عبر السنين لكنها مصدومة من واقعها.

المنفى: المكان الذي "يهمس في أذنه"، مكان الاغتراب والانفصال. الهمس هنا موجَّه إلى العدم، إلى فضاء لا يستجيب.

المحطة والقطار: الأكثر دلالة. المحطة كموقع للعبور والانتظار، والقطار كعلامة على الحركة الأبدية التي لا رجعة فيها. "القطار غادر المحطة" ليست استعارة شعرية فحسب، بل حقيقة وجودية: الزمن لا ينتظر، والفرص لا تتكرر.

مفارقة الحضور والغياب:
الحضور الغياب
العودة، الأمنيات، القُبل، الترميم التأخر، الخسارة، القطار الراحل
اللا-حضور اللا-غياب
الانزواء، التيه، الضياع الانتظار، الترقب

القصيدة تُلغي موقع اللا-غياب (الانتظار). الصوت الثاني لم يَعُد ينتظر، فالأوان عنده فات. انتقل من الترقب إلى اليقين بالفقد. والصوت الأول عالق في اللا-حضور: بين الرغبة في العودة واستحالتها، لحظة كشف جحيمية عن عبثية سيزيفية.

الجسد واللغة:
حضر الجسد عبر استعارات دقيقة:

- أحضان التوق: الحضن كمكان للاحتواء، مُربط بالشغف اللافح.
- هفهفة القُبل: القبلة خفيفة، عابرة، غير مكتملة ؛همس في الظلام.
- تمشيط جدائل البوح: فعل حميمي مرتبط بالكلام الصادق. الصوت الثاني مشغول بترتيب أفكاره، بتنظيم سرديته الداخلية، لا يلتفت إلى محاولات الصوت الأول.

هذا التباين يعكس تباينًا نفسيًا: الأول يدور في فلك الأحلام، والثاني يتحرك فوق قضبان الحقيقة.

أما اللغة نفسها "أبجدية الضياع" فهي كائن حي يتألم ويتشتت ويحتاج إلى ترميم. لكن هذا الترميم مستحيل، فالقرطاس نفسه قد ضاع.

الأزمنة الثلاثة:
تتحرك الدلالة عبر ثلاثة أزمنة:

1. زمن ممكن (صوت الاسترجاع): "لا بُدَّ من عودة الأمنيات" زمن الإمكانية والرجاء.
2. زمن فائت (التذكير بالضياع): "كان الوقت لك" —الفعل "كان" يحيل إلى ما انتهى.
3. زمن مستحيل (الحسم): "القطار غادر المحطة" إلغاء كل احتمال للعودة.

هذا التحول من الإمكان إلى الاستحالة هو جوهر التراجيديا. المأساة ليست في الحب الضائع فحسب، بل في إدراك أن لحظة حاسمة فاتت لا يمكن استردادها ما يسميه كيركغارد "القلق الوجودي" الناتج عن إدراك أن الاختيار في زمن معين يُلغي كل الاختيارات الأخرى إلى الأبد.

الصوت الثاني: ذات حاضرة واعية

من اللافت أن الصوت الثاني سويًّا أكان أنثويًا أم مجرد "أنا واعية" هو الذي يمتلك السلطة النهائية. ليس موضوعًا للانتظار، بل ذاتًا فاعلة تتخذ القرار وتُعلن القطيعة.

"تمشيط جدائل البوح" يُشير إلى انشغالها بذاتها، بإعادة ترتيب عالمها الداخلي. إنها في حوار مع نفسها، وهذا الحوار الذاتي يبلور تقدمها في تبين حقيقتها. يُمثل تحولًا من "الكائن-للآخر" إلى "الكائن-لذاته" بتعبير سارتر لكنه تحصيل حاصل وجودي، لا أنفعال ولا افتعال.

تقاطع النبرتين:
الصوت الأول الصوت الثاني
ممتد، طويل، استفهامي، غنائي مقتضب، خبري، مباشر، شبه نثري
"هفهفة القُبل"، "تراتيل غنج السوسن"، "فن التحليق" "كان الوقت لك"، "خسرتَ المجيء"، "القطار غادر المحطة"
لغة أحلام لغة حقائق

هذا التباين الأسلوبي يعكس التباين النفسي: انتقال من الشعر إلى النثر، من الحلم إلى الواقع، من الوهم إلى اليقين.

خاتمة:
قصيدة "تأخّرتَ كثيرًا" تأسيس على تأمل وجودي في طبيعة الزمن والفرص الضائعة. إنها في العمق حوار النفس مع نفسها، بين "الأنا" الراجعة و"الأنا" الواعية، تحت رعاية وعيٍ ضابط يُدرك أن الزمن سلطان سفر لا سلطة لنا عليه.

تطرح أسئلة فلسفية عميقة: ماذا يعني أن تفوت اللحظة الحاسمة؟ كيف يمكن لترددٍ عابر أن يُغيّر مسار حياة؟ هل يمكن استرجاع ما فات؟

الإجابة واضحة وقاسية: لا، لا يمكن. "القطار غادر المحطة" ليست استعارة شعرية فحسب، بل حقيقة وجودية الزمن لا ينتظر، والمفقود من الماضي لا يُستعاد في الحاضر.

المأساة الأعمق هنا في ذلك الوهم المتمكن من الصوت الأول: اعتقادٌ بوجود فرصة ثانية هو سراب لا يروي عطشًا. بينما الصوت الثاني تجاوز هذا الوهم إلى يقين القطيعة. هذا اللا-تزامن النفسي يُضاعف التراجيديا: موت للعلاقة في وعيٍ واحد، وموت متأخر في وعيٍ آخر.

تبقى الصورة الأخيرة محفورة: المحطة الفارغة، والقطار الراحل، والقادم متأخرًا. صورة كونية للخسارة الإنسانية، حيث الزمن هو العدو الوحيد الذي لا يُهزم.

قائمة المراجع

1. الغذامي، عبد الله محمد. (1985). الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية. الهيئة المصرية العامة للكتاب.
2. هايدغر، مارتن. (2012). الكينونة والزمان. ترجمة: فتحي المسكيني. دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت.
3. باشلار، غاستون. (1984). جماليات المكان. ترجمة: غالب هلسا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.
4. كيركغارد، سورين. (2014). مفهوم القلق. ترجمة: سعيد توفيق. المركز القومي للترجمة، القاهرة.
5. سارتر، جان بول. (2009). الوجود والعدم. ترجمة: عبد الرحمن بدوي. دار الآداب، بيروت.
6. كامو، ألبير. أسطورة سيزيف. ترجمة: أنيس زكي حسن. منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
7. ريكور، بول. (2006). الزمان والسرد (ثلاثة أجزاء). ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم. دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت.

نص القصيدة

"تَأخرتَ كثيراً"
للشاعر شلال عنوز

قالَ لَها ... وهوَ يَهمسُ في أُذن المَنفى:
لِمَ هذا الانزواء العَجيب
في ركن رَحم المَتاهة؟
لماذا تَسرقُنا نَدّاهاتُ التِيه؟
لا بُدَّ مِن عَودة الأمنيات
لأحضان التَوق
فهذا المَدى شَغوفٌ بِهَفْهَفةِ القُبل
عاشقٌ لِفَنِّ التَحليق
لا بُدَّ مِن تَرميم أبجديَّة الضَياع
كي تُلَمْلِمَ الحروفُ نَهاراتها
وتَحتفل المَساءات بتَراتيل غَنج السَوسن

قالت لهُ .... وهي مَشغولة بتَمشيط جَدائل البَوح:
كان الوقتُ لكَ
وخسرتَ المَجيء
تَأخّرتَ كثيراً ...
القطار ....
غادرَ المَحطّة



#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (المقاومة والتطبيع)
- مكرر مع المقدمة/ قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء-
- -حداثة الماء-
- -حداثة الماء-
- [1] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
- ( مُغامَرةُ عَنْكبوتٍ)
- (خرائطُ ماءٍ لتاريخِ طميٍّ أوَّلِ في زمنِ هجرةِ ينابيعِهِ)
- (نَبذتْني لِلتَّوِّ الحَضْرةُ)
- (فُصُوصٌ، وَفُتوحات)
- (بشائِرُ أغاني الفجر المتأخّر)
- سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
- سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ- ...
- الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأ ...
- (وحم العَوْدَة)
- (وَصَبُ حَنِينٍ)
- ((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))
- (صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)
- (شَفقٌ أَخْضرُ)
- ((الإسلام السياسي في العراق: السياق التاريخي والتحولات))
- الجندر: التفكك المفهومي، المسارات النظرية، وإشكاليات التوظيف ...


المزيد.....




- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - (الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)