أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - [3] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني















المزيد.....



[3] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني


سعد محمد مهدي غلام

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 04:27
المحور: الادب والفن
    


عن الناقد :
لا تُقدِّم خدمةً حقيقيةً للنقد حين تتناول الانزياحَ ،وهو العدول المعجمي أو التصريفي أو التركيبي أو الدلالي ،دون أن تُبيِّن الفائدة من ذلك. هذا الكلام موجَّهٌ إلى النقاد، وهم قِلَّةٌ اليوم بعدد أصابع اليد. فالغالبية ممن يعرف القراءةَ والكتابةَ باتوا يُعَدُّون أنفسَهم من النقاد والشعراء وكتاب الرواية، بل يعتقد بعضُهم أنه يتفوق على هولدرلن ومارسيل بروست وجيمس جويس! ولأنَّ فلاناً يُعاشر الحاسوب ويشترك في عدد غير محدود من المواقع، يظنُّ ذلك كافياً لمنحه التجربةَ الأدبية الكاملة، فلا قيمةَ عنده للتاريخ الأدبي، وهو يتفوق في تقديره على عبد السلام المسدي في الأسلوبية، وعلى علي عبد الرضا في الرمز، وعلى جابر عصفور في نظرية الكتابة، وعلى صلاح فضل في اللسانيات، بل ينظر إلى نفسه كتودوروف ويؤسِّس لنقد النقد، ليتفوق على ابن رشد ولوسيان غولدمان!

ما هكذا تُوردُ الإبلُ؛ فالنقد من أرقى الأعمال التقنية اليوم وأعقدِها، لأنه يستلزم فهمَ جميع الأجناس الأدبية وأنواعها وأصنافها ومناهجها النقدية، إضافةً إلى ما لا يقلُّ عن عشرة علوم بحتة وإنسانية. فهل تمتلك ذلك؟ إن لم تكن كذلك فكُفَّ قلمَك وعُد لتقرأ باسم ربك الذي خلق.

لم تعرف برنار ابنَ الفارض ولا سعدي الشيرازي، وربما لم تسمع بجلال الدين الرومي، وليس الفردوسي من مصادرها؛ إذ لا يعنيها الشعر الفارسي. وجونز بدورها قد لا تعنيها الشكلانية ومدرستا هامبورغ وبراغ، ولا الزركشي وابن جني والزمخشري. أما أنتَ أيها الناقد فيجب أن تعرف كيف تُميِّز عند باختين بين التعبير لغةً، والتعبير منهجاً، والتعبير مدرسةً، والتعبير الدوستويفسكي والبريختي والأمريكي... وتعبير ما قبل الحرب الأولى وما بعد الحرب الثانية... وما هو عليه اليوم في أمريكا وفي أوروبا... مع مراعاة الخصوصية الثقافية السيميولوجية في التعبير العربي. إنَّ الإسراف في استقطاب العشرات من الشباب ممن لا يُلزَمون بمعرفة هذا كلِّه خلفَكم أنتم يضرُّ الحاضرَ والمستقبل.

تلك هي مدخلاتنا بإيجاز، لنُكرِّس منجزَ بشرى البستاني بمنهجية قراءة ناضجة بقدر الإمكان، دون حاجة إلى تقعُّر مُلزَم كتقعُّر المتنبي ، وهنا نستخدمه رداً على ابن فرات وأمثاله وأحفادهم اليوم في إبداعه؛ فالنقد لا نُميِّز به النابهَ من الخامل، ولكن لا بدَّ أن يُقدِّم ما يُفيده ويُفيد المتلقي، وإلا كان إنشاءً وهباءً وتخريماً لجسد الإبداع يُشوِّهه دون غاية. تقول لي: سلِّط الضوءَ على الجمالية؟ أقول لك: إنها وجهة نظر من مئات الغايات النقدية، غير أن اعلَمْ أن الإستاطيقا من مقولات المنطق، أي اللوغوس، ونحن قلنا: المعايرة في مستوى مختلف. لذلك حتى لو درسنا الجمالية فلن تكون كما يدرسها فلان أو يفهمها آخر. وأنتَ أيها (المُقلِّد) نمَّطتَ الساحةَ الإبداعية، أنت خبَّاز ما الذي جاء بك إلى فرن صهر الحداد؟ فجمالية القصيدة الحرة أو قصيدة النثر في مساقها، وذلك في سياقها، وهذا في المدماك، والمدماك في الفضاء المخصص، والكل في الكرونوتوب نسبياً ، ولن تفهم ذلك ولا يعنينا ، وهذا ما عناه السيميولوجي أمبرتو إيكو حين تحدَّث عمَّن يطلب الشرحَ للنقد والقصيدة، ولكل واحد جوابٌ مختلف.
التوقيعُ بديلاً عن الإيقاع: دلائليةٌ يُعرِّيها البوح

( نص: حداثة الماء من مجموعة " هذا القرنفل ليس لي ) تحت المجهر*

لمَّا كنا نؤمن وتُسنِدنا جميع متحصِّلات الدرس الثقافي والأكاديمي والأثنوسينولوجي بأن هذا الجنس الأدبي يُعدُّ الإيقاعُ المقصود فيه جرحاً في أصالته، فقد أجمع ابن جني والخليل وسيبويه وكل من عُني باللغة قديماً وحديثاً من العرب والغرب على أنه لا بد من فهم الصوت لفهم الحرف، بل يُوجِب عثمان كما أوجب أستاذه الأقدم الخليل أن يكون المعيار الصوتي سابقاً. ولا تبديل في المعيارية العامة كما في فهم الانزياح التركيبي أو الدلالي، غير أن المتوجَّب أن نَعِيَ ما يقوله عبد القاهر الجرجاني: *"ليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤٌ أن اللغة بالمفردات، بل بالأوضاع والتراكيب." إنَّ العلاقة بين الصوت والحرف ليست الإيقاعَ، بل موقع الحرف من حيث لفظه وكتابته وأصل مخرجه من اللسان والشفتين والحنك واللهاة والبلعوم. وكما يقول سابير: "اللغة منهجٌ بشري صرف غير غريزي لإبلاغ الأفكار والعواطف والرغبات بواسطة نظام من الرموز المُحدَثة اختياراً." والإيقاع ليس لغةً بل معبرٌ توصيلي من معين غير محدود. ومن يُقحِم الإيقاعَ إقحاماً بروكروستياً على التجنيس وجدناه عند من يقول إن الأمر جوهر الكلام (parole). لذلك نحلِّل ما أشعل الحربَ بين خالدة سعيد ونازك الملائكة، ونقول اليوم بثقة العلم: إنهما كانتا معاً على غير الصواب. فالذي حشر البحث الصوتي في خانة الإيقاع استنتج أن العتبة العنوانية لمحمد الماغوط "حزن في ضوء القمر" تنتمي إيقاعياً إلى بحر المتدارك، وكانت المعركة بين السيدتين: هل هي قصيدة نثر كما تقول نازك، أم شعر كما تقول خالدة، أم شعر حر كما نقول نحن ومعنا كثير من أهل الاختصاص؟

مع استيعابنا للقيمة الصوتية حرفياً لإنجاز المعاني وتحقيق حراك الدالّ الاكتشافي، لن نَزُجَّ في متاهة وهمية. لا إيقاع مفروضاً، وإن تعرَّفنا على إيقاع فإننا نتحرَّى إن كان مقصوداً فنقول: إن هنا خروجاً معيارياً لا انزياحاً، لأنه إن كان متقصَّداً فقد أفقد المنتجَ الإبداعيَّ عذريَّتَه. لذلك نعتقد أن الموجود بعد سنوات طوال في فعل الإنجاز التفعيلي وفي آنٍ معاً الترسُّبِ السمعي، والخلفيةِ الأكاديمية التي تربط الصوتَ بالحرف يقول ليف فيكوتسكي: "إن أساس اللحن الموسيقي هو الترابط الديناميكي للأصوات التي تُكوِّنه، كذلك الشأن في البيت الشعري الذي لن يكون مجرد مجموعة الأصوات المكوِّنة له بل هو تتابعها الديناميكي، إنه نوع من التضايف؛ فكما أن صوتين أو كلمتين يُشكِّلان مركَّباً أو متابعاً تتحدد علاقتُهما بأنهما يكوِّنان نظام تتابع الأحداث وترتيبها، وهكذا إذا كان لدينا ثلاثة أصوات (أ، ب، ج) وثلاثة أحداث (أ، ب، ج) فإن معناها ودلالاتها ستتغير إذا رتَّبناها على نحو آخر كـ (ب، ج، أ) أو (ب، أ، ج...)"

نستفيد من نظريات فيكوتسكي الثقافية النفسية المعرفية في أن العلائق العلاماتية تتغير بالترتيب الاستبدالي للمكوِّن الإشاري وللعلم فإن العرب في العصر العباسي الثاني وضعوا قوانين لذلك في اللغة والمنطق والصوت والفلسفة ،بمعنى أن الوحدات المينوفونيمية في التشكُّل الفونيمي تؤدي أغراضها خارج معجميَّتها إن وُضِعت في مغايرة تشكيلية. وقد أجرى ابن جني مشابهةً مع الصوت، لذلك فلحن الحرف غير صوته، والإشارة ناتجٌ يُحقِّق علامةً تبعاً لمكانته، وتتغير وظيفتها في الاتفاق الجمعي على دالة العلامة. وعليه فالرابط بين مكوِّنات الوحدات الصغرى يتغير زمانياً ومكانياً ومادياً ومعنوياً ليُحقِّق دوالَّ متغيرة تُنتِجها الرابطةُ الإسنادية والتركيبية. وكلما تعقَّد المتكوَّن من المركَّبات الصغرى أنتجَ دوالَّ مختلفة، وكل دالة تُعطي مدلولها تبعاً لمتلقِّيها وظرفه وبيئته. وبنظرة سوسورية فإن علاقة الدالّ بالمدلول اعتباطية، وتتعقَّد الحال حين تتنوع مكانة الدالّ المفهومية المعنوية وتصبح الدوالُّ غير محددة. فكيف إن كان الربط ما قبل التشكيل عشوائياً دون تحضير سابق، وإنما تُمليه واقعُ الحالة الذهنية والنفسية والاجتماعية والموقعُ السوسيولوجي والجذر الأنثروبولوجي للإنسان؟ وكيف تكون المتحصَّلات حين يكون الخارج والداخل في اشتباك بين مكوِّناتهما وبين كليَّتيهما كلٌّ في مواجهة الآخر بمعنى الأنا مقابل الهو، والأنتَ والذات مقابل الموضوع، والوجود في مواجهة العدم وكلٌّ في غليان تناقضي؟

هنا جاء لجوء بشرى البستاني إلى المخزون الثقافي والملاذ الميتافيزيقي، وسنكتشف إعلانها الصريح أنه لجوء المضطر، وهي آلية من آليات الدفاع النفسي أُدرجت في سياقها السيكولوجي، لكنها لم تُمنَح مكانةً مستقلةً عن الثماني عشرة آلية، وسندرسها كاملةً في المستقبل، وهي آلية الدفاع المُكتنِز الظاهراتي الفينومينولوجي الثقافي. ثمة المنجز الجينولوجي للسوسيولوجيا الجسدية والنفسية والثقافية تجتمع كلها في الإنجاز الإبداعي لتجاوُز تفسير فرويدي قديم عن التسامي والهروب النرجسي (Narcissistic) للمرأة، ذاك التفسير الذي لا نعتقد أن له مكاناً اليوم؛ إذ يدخل المكوِّن الثقافي المنصهر روحياً مع اللساني عاملاً محورياً لا عاملاً مساعداً. وللأمانة فقد كان ذلك حاضراً في التسكينات. عقيدتنا في فهم وإدراك القصيدة الحرة وقصيدة النثر تُتيح التسكينَ بلا إفراط لغايات توصيلية معرفية لا موسيقية، وهو في خواتيمه مرادٌ له غايةُ التوصيل الذي تعنيه الشاعرة في أعماقها.

نحن مع ما استقرَّ عالمياً من التقليل من الإشكال الحركي، بوصفه هدراً لقيمة الصائت (Vowel) والصامت (Consonants) للحرف والكلمة، والسببُ منح المتلقي قدراتٍ إضافيةً للتأويل وفق طريقة قراءته دون تأثير من مرجعه الفونولوجي (Phonology)، وقد وُجِد أن القارئ نفسه يُغيِّر مخارجَ الحروف وفق وضعه النفسي فيتحقَّق إنجاز سيكوفيزيولوجي تبعاً لحالته الحزينة أو الفرحة أو المبالية أو غير المبالية، لأغراض الفهم أو أغراض الاستمتاع. نحن نعلم أن التأسيس العالمي من البويطيقا حتى اليوم يقوم على سنن وقواعد مسطَّرة، لكن ذلك لا يعني احتكار الحقيقة التي تكمن في التمرُّد على تلك القواعد الراسخة. إن الشعر غنائي ملحمي (Lyrical Ballads) ومنه شعرنا العربي، وهي مشكلة حاول شعراء تخطِّيها في النظم والتفعيل بتقنيات كونكريتية وتشطيرات ومغايرات وانزياحات، لكن محدِّدات التأطير لم تُعِنهم على مغادرة الغنائية. وهذا ما قاله لنا شخصياً عبد الوهاب البياتي: "إن ذلك مشروعي الشعري الحياتي." وكان ولوجُه التصوفَ والعرفانَ نابعاً من هذا المبعث، غير أنه كان وَجِلاً حين قلنا له: اطرق أبوابَ القصيدة الحرة كما فعل جبرا إبراهيم جبرا، أو قصيدة النثر كما فعل أدونيس، وكان ذلك حين لم تكن للاثنين المكانةُ التي هما عليها اليوم. وللأمانة التاريخية لم يُبدِ اعتراضاً كما فعل عبد الرزاق عبد الواحد في موقف رسمي في ندوة لجامعة بغداد عام 1999، أو يمتنع أو يُطلِق ما أطلقَه عبد الرزاق عبد الواحد — وهو الذي كان مشروعه السبعيني لكنه عاد إلى الخيمة العمودية بعد مجاملة الجواهري الشهيرة له. وقد جرت بيني وبينه نقاشات موسَّعة في مرات متكررة وعرضت عليه نماذج، غير أنني وجدته مُصِرًّا على موقف قَبلي، وهذا يجعلنا لا نَعتدُّ بما يُنقَل عنه حول هذا الشاعر أو ذاك، خاصةً أنهم لا يقفون وحدهم في الساحة، وهم لا يحتلُّون موقع المتقدِّم النوعي بل العكس اليوم.

ومنهم من واجهناهم كتابةً أو مشافهةً وأبلغناهم ما نعتقد في عجلة التطور التي توقَّفت عندهم والاجترار والتكرار، والتناص المُغرِق في التماثلية الذي يُرهِصون به لا بالاقتباس والتضمين بل بالرؤى المُقنَّعة، وهو خروج عن أصل معنى التناص. ما يرتكبه أمثال هؤلاء يتعارض شكلاً ونوعاً مع القصيدة الحرة وقصيدة النثر؛ فمنهم من اعترف أنه عاد إلى الشعر الحر، ومنهم من يُخرِج التفعيليَّ والنظمَ ويجري فيه بالتكسين ليقول إنه يُقدِّم قصيدةَ نثر بالتداخل الجراحي وتجزئة التفعيلة وحذف قسري بموسقة نطقية عقلية سابقة على التدوين، لأن ناقداً متمرِّساً يستدل بيسر على مواقع المرفوعات من التفاعيل. وهذه ليست قصيدة حرة ولا قصيدة نثر بأي حال من الأحوال. إنهم يهجرون دون حماية فليعودوا إلى التفعيل أو ليتعلَّموا كيف تُكتَب القصيدة الجديدة بشروطها ولوازمها وفعلها.

والمثال الشامخ في تقديرنا قدَّمته الشاعرة بشرى البستاني؛ فحيثما كانت في موضع التفعيل أبقت التفعيلَ ولا يقدح ذلك، فالجنس يسمح، وفي موقع المداخلة التي تجدها تحتاج لدلالة تعريفية تستعير تقنيات كالتسكين غير القسري. لكن في المضمار الكلي للنص تنطلق في براح اللغة الحرة، وفي جعبتها مخزون معرفي مهيب ومعرفة بمتطلبات قصيدة النثر التي لا تتداخل مع قصيدة الشعر الحر، فلماذا اللفُّ والدوران؟ المكتباتُ متوفرة والاتساع الإبستيمولوجي متاح.

لقد أربكتم الشبيبةَ وألحقتم بمسيرة تطور الأدب العراقي ما بعد الاحتلال أشدَّ الأذى، ولا زلتم في الغيِّ تسيرون. لا محلَّ متميِّزاً لكم وإن نشرتم ألف مطبوع، أنتم مجرد أرقام!

كان البياتي صديقه حميد المطبعي وشلَّته من منظِّري مجلة الكلمة المعنية بالقصيدة الجديدة، وغالبهم من شعراء النثر، ولم يُبدِ اعتراضاً، بل كان يُصوِّب لهم ويُقدِّم مشورةً في التضمين والتشكيل والاختيار المفرداتي. واستعان بعضهم -كما يذكر سعيد يقطين- بالسردية للتملُّص من تبعات الغنائية. المعضلة أن كثيراً من شعراء قصيدة النثر أعني الشعر الحقيقي لا كل من يَنشُر، وحتى لهؤلاء ليس كل منشوراتهم صادقة؛ إذ يكتب غالبُهم قصيدةَ شعر حر لا قصيدة نثر، وحتى تقنيات التناص والحوارية البوليفونية والتلاعب الشكلاني القسري تُخرِج قصيدة النثر من جنسها لتُحيلها إلى جنس آخر ليس هو جنس قصيدة النثر مهما كان.

شاعرتُنا لم تقع في مطبَّات العشوائية ليس لأنها تجلس على قاعدة معرفية وتتميَّز فحسب، بل لأنها شاعرة حقًّا. وفي قصيدة النثر لا تقلُّ ملكةً ومكنةً عمَّا فعلته في قصيدة التفعيل؛ فالتناص والبوليفونية والاختياراتُ التشكيلية للمباني النصية والسياقية الموضوعية ببصمتها الذاتية لم تُقسِر نفسَها، بل تركت القلمَ وما يكتب واستحضرت واستدعت كل مخزونها بالاحتكام للزمن والمكان الدالَّيْن. وكما فعلت مع الدال الإيقاعي فعلت مع معطيات قصيدة النثر أو المشتركات التي تُمليها المورفولوجيا والسيميولوجيا وعلوم اللغة العامة والخاصة، وتلك إضافة نوعية لبشرى البستاني الشاعرة تجعلها في خط متقدم في الجنس المدروس، والدليل ما قدَّمته في "البسي شالك" والمنجز السابق له.

الثراء المُجسَّد الآن في "هذا القرنفل ليس لي" لا يغلب عليه التجريب إلا في ثمة بقايا تقانات هامشية كلُّنا ثقةٌ أنها تعيها أحسن منا وستتجاوزها بيُسر. سنأخذ نماذج خزعية وهي طريقتنا الأسلوبية في التعامل مع المجاميع أو كلية منجز الشاعر، لنقف على توقيعاتها ونحاول توصيفها الذي يخص بشرى البستاني وحدها دون سواها.

من إرهاصات ما بعد الحداثة الشعرية تحت راهنية القراءة والتقديم: موضوعة موت المؤلف المتصلة بالتناص الذي نجده مستشرياً في النصوص، وقد لا يُشار إلى أصوله، وعلى القارئ استكناه جوهره وتتبُّع أثره للتعرُّف على مصدره، لضمان استكمال مقاربة الفهم والخروج بتصوُّر للمعنى. والوصول إلى ذلك يستدعي تفكيكَ النص واختراق ثغراته وتقويل أنساقه المضمَرة وتأويل جيوبه المسكوت عنها؛ فإذا كانت اللغة منجم النص فإن النص مولِّد التفسير لبلوغ أفق الدوال التي تقود إلى المداليل، وتُقرِّب مسافة معاني الأعماق السحيقة لمضمرات الخطاب. ومن غرائب نصوص ما بعد الحداثة أنها في كل قراءة تضعنا أمام ذات مختلفة للنص والناص ولعلاقتهما ببعضهما والجميع بالمتناصات ، وهي لذوات ميتة بمعنى أن كل قراءة تجعلنا نكتشف أفقاً جديداً للتوقع. فالموتات متسلسلة وتبعاً لذلك المعاني متغيرة متسلسلة تُعطينا فهماً مغايراً. وإذا كان هذا في مطلق النص ومطلق الخطاب فالأمر معضلة حين يكون في الشعر، ويصبح أعظم عُسراً حين يكون لقامة مهمة شامخة في الشعر كالدكتورة بشرى البستاني.

فالذوات هنا متعددة متصاهرة ومتناقضة متظافرة ومتنافرة متجمعة ومتشظية، بسيطة ومعقدة، مُكتنِزة بفيض شعري طاغٍ تَنوء بمحمولاتها الشاعرية؛ فذات أنثى ليست كأي أنثى، وأكاديمية رصينة متميزة، وهي شاعرة شربت وعي ماضيها الأنخيدواني والخنسائي المنصهر ببوتقة مايا أنجيلو ولويز غلوك. حملت قلبها المخضوضر ذا الربيعين إلى ليالي صحراء واقع قاسٍ متخم بالأذى والعذاب الفردي للإنسان المقهور والجمعي لوطن مُدمَّر محتل، متاعُها الكلمةُ الصاهلة بالأمل المكلوم الجريح، تضوع حناناً ودفئاً وظلاً كالسَّمر والعرعر والرند، تضلَّعت في القرنفل المفضوح الذي تتنكَّر له تقيةً وتقوىً هنا.

يفوته المعنى وتغفل عن الغاية مَن لا يلتمس نبضَ مداد قصيدة بشرى البستاني. جايلَها من الشواعر والشعراء أناسٌ كثيرون، لكن منهم من توارى ومنهم من اختار طريقاً غير الشعر ومنهم من ضاع وسط متاهة الزمن، وبقيت هي راسخةً متجدِّدة تتطور وتتقدم في مسيرتها العامة والشعرية.

فماذا يعني قراءة شعر بشرى البستاني؟ يعني أن علينا معرفتها وامتلاك مفاتيح قاموسها؛ يعني قراءة الشاعرة الأديبة والإنسانة المثقفة والناقدة المتمكِّنة والأنثى ذات الخصوصية والعراقية العربية. وكل من تلك ذوات مختلفة تتقاطع وتتظافر وتتناقض وتتحاور بجدل ذاتي وموضوعي. دون ذلك لن نلتمس إحساسَ الحرف ونبضَ الكلمة وبوحَ الجملة وأبعادَ السياق وتمدُّدات الأنساق وجذورها.

يتوجَّب على القارئ الواعي والمتلقي العُمدة والدارس الناقد لمثل نصوص قصائد "هذا القرنفل ليس لي" أن يعلم أن قراءة النص غير قراءة ذات الناص، فكيف لو كان ،وهو القائم في النص أكثر من ذات، ولكل ذات نصُّها في عين النص؟ وكيف لو عرفنا أن خطاب كل نص فيه مضمرات وفيه مسكوت عنه وفيه تمريرات ذات الناص المواربة؟ وكما أن لكل نص بنيةً وبيئةً وزماناً، وفي كل نص ثغرات وبياضات، والذوات تتبادل التموضعات والوظائف ومهام المخاتلة؛ ذلك هو طريق تتبُّع الدوال لبلوغ المعنى وتحصيل الفهم والمتعة.

بشرى البستاني ليست اسماً في أنطولوجيا الشعر العراقي والعربي، بل هي ظاهرة شعرية لها مشروعية القيام الذاتي المتوجَّب تدارُس ملكاتها ومواهبها وممكناتها ومحطاتها التجريبية ومنجزات كل محطة من حيث الشكل والتشكيل والمضمون. ورغم مرور الزمن على كيانها الشعري والشاعري لم تأخذ ما تستحقه من البحث وتسليط الأضواء لكشف خبايا إبداعها ومكنوناته، ليستعين بها المتابع والقارئ والناقد. فلم يتسنَّ لأي جهة معنية بالأدب والشعر وأرشفة الإبداع أن ترسم خارطة تضاريس شعر مهم، ولا أن تُعيِّن جيولوجيته ضمن طبقات المنجز الشعري العراقي والعربي. لقد غدر النقد ببشرى البستاني وأغفل مَن نصَّب نفسه باحثاً في الشعرية مكانةَ شاعرة مهمة لها بصماتها؛ ربما هو الجهل أو قد يكون التجاهل، لكن شاعرة وناقدة بثقل بشرى البستاني تجاوُزُها لا يقدح في مسيرتها، لكنه يجرح تاريخية الشعر المعاصر أكاديمياً وبالخصوص النسوي.

ستبقى رغم ذلك علامةً مشرقة واسعة الطيف محفورةً كالوشم على جسد الإبداع العراقي والعربي، فدورها الطليعي ليس محلَّ ريبة، ومساهماتها في تقديم لغة إبداعية مثقلة بحمولاتها الثقافية أثرَت القصيدةَ العربية لغوياً وثقافياً وإنسانياً بأدبية راقية ووطنية فائقة وشعرية متميزة، لها مقوِّمات الحداثة في التشكيل والشكلانية والتيمة والقيمة مع امتلاك جمالية متعة المتلقي. وهي تتحرك ضمن مشروع تحريك ركود حركة التفعيل بزخم تحديث الموضوعات وتطوير إيقاعات التفعيل بمحاولة إحداث تعديلات ربما تحوز قدرات نوعية في تركيب التفعيلات ونحتها وبنائياتها، مستفيدةً من خِصب تجاربها وتنوُّعها التي تحرَّكت ضمن أكثر من نمط أو جنس شعري، وقد أجادت في غالب منجزات تجاربها. وقد أبى القرنفل أن يغادر روضها كما أبت روحُها أن لا تتعاطى القرنفلَ وتُدمِنه. الشعرُ لا يُصنَع من أفكار مجردة أو خيالات ضبابية، إنما يُنتَج من حقل الإحساس ومخبر المشاعر وميدان التجارب وحشد المعارف وحصاد الثقافة، فتنقلب الدلالة الذاتية (Denotation) إلى دلالة إيحائية (Connotation).

وكما يقول هاوسمان: "إن مهمة الشعر هي تنسيق أحزان العالم." فدلالة ما في العالم من مآسٍ وحب وأقدار تهضمها ذاتُ الشاعر وتكسو معجميَّتَها عمقاً فلسفياً يُخرجها عن ذاتيَّتها لتنحلَّها روحٌ إيحائية بالصورة والمجاز والاستعارة والانزياح. فالشاعر لا يكتفي بما يراه بل روحه تتساءل خارج المنطق الصوري، يقول ييتس: "آه يا شجرة البلوط ذات الجذور هل أنت أوراق أم زهر أم ثمر؟"، فالنص الشعري نتاج فريد باشتغالاته ومحمولاته، والمفردة فيه تختزن معاني غير محدودة حين تدخل في تركيب يمتلك سياقاً يمنح الجملةَ اتساعاً هائلاً لا تُفكِّك تقنياته إلا الإلمامُ بعلم تركيب الجمل (Phraseologie).

من هنا كان إدراك حركة المعنى في قصيدة بشرى البستاني يُخالف ما يبدو للوهلة الأولى؛ فالنص عميق والخوض فيه أبعد من المتعة في محاولة فهمه ؛ هو متابعةٌ يقظة للإيحائية وتناسُل الدوال وتفكيك الشط الانزياحي وردِّه إلى متون جوهر المعنى. فقصيدة بشرى البستاني مزرعة يانعة للوشوم ذات الدلالات المنزاحة، وهو الأسلوب الذي عدَّه جون كوهين عماد الشعرية في كتابه "بنية اللغة الشعرية". والصعود في قراءة ناقدة لقصيدة بشرى البستاني هو ارتقاء إلى مصافِّ اللغة العليا.

تتشابه قصيدة النثر العربية مع القصيدة الحرة المُرسَلة في تجاوُز القيود العروضية والكمية والوزنية والزمنية، والخروج من عُنق زجاجة التقنين المفروض خارجياً. غير أنهما ليستا كما يعتقد البعض قائمتين على قمع الإيقاع قسراً؛ فالحقيقة أن القصيدتين الحرة والنثرية تترفَّعان عن الحاجة للإيقاع شكلاً ومضموناً، ورغم ذلك هما زاخرتان بالتوقيعات الداخلية النابضة، وهي إيقاعات فكرية تُناغي عقل المتلقي الواعي. ولكل قصيدة نظامُها الخاص ولغةُ إيحائيتها الخاصة المُتلبِّسة بأشكال غير مطروقة، فالشعر أزلي لكن الصور وطرائق تصويرها وتصوُّرها تتجدَّد في كل نص.

العتبة العنوانية لديوان "القرنفل ليس لي" تلبَّست الإنكار (Denial) الملتبس؛ فهل هو التقيُّة أي إنكار الذات لاجتناب الأثرة والتضحية بشخصنة الإبداع لمنحه قدرةَ البوح عن المسكوت عنه؟ أم هو إنكار الفرار من المواجهة؟ أم هو كالمصدر "أنكر" بمعنى التغيير، فإنكار المنكر تغييره؟ يقول ابن منظور في لسان العرب: "والنكير: اسم الإنكار معناه التغيير، وفي التنزيل العزيز: فكيف كان نكير. أي إنكاري."

والإنكار من الآليات الدفاعية التي اقترحتها آنا فرويد، ويتضمَّن رفضَ قبول الواقع ومنعَ الأحداث الخارجية من الوصول إلى الوعي حين يكون الموقف أشد مما يُحتمل. ومن الإنكار أن يجحد الإنسان بقلبه ولسانه فلا يعتقد الحقَّ ولا يُقِرُّ به، وهذا ما لا نعتقده في بشرى البستاني. فربما هو من أساليب الإغراء الاسمي ؛براءة الحديقة من أزهارها والزهرة من عطرها تقيَّةٌ أوجبتها انسكابية مئبقة لمكتنَز عقدي للشاعرة، هو بوتقة نصية منسوجة من تركيبة لسانية مركَّباتها العلاماتية تسبرها سيميائيةُ قراءة نصها.

قصيدتها كونٌ شاسع من مستودع أبستيمولوجي وسيكولوجي وتخثُّر روحي باطني، هو حرق التوقيع وذرُّه جسداً بوذياً في غانج النسج الكلمي لقصيدة نثر ذات نمط شكلي. وفيها تغريب برنارديٌّ ملحمي برختي في التوصيلية، دُفِئَت فيها مكنات تقانية معقَّدة للغاية نحاول أن نتلمَّس متاهاتها في تتبُّع النبض البوحي عبر حفر تبئيري أركيولوجي في مطامير التراكيب، للوقوف على التوقيع الذي نعتقده البديل للمعادل الموضوعي الإليوتي وبيت القصيد العربي. وهو لا ينطوي على أية غائية أحادية أو معدودة إحصائياً، لأننا حينها نكسر واحدة مما نُقِرُّه لقصيدة النثر ونجده أحد العلامات الفارقة عن الشعر الحر وسواه، وهو اللازمنية المجانية والصلادة الكرستالية الذي أخذته بعض الشاعرات من سواهن وأسقطنه على قصيدة النثر. مفهوم متحرك الدلالة لا متعيِّن الشكلية كما اعتقد بعض النقاد، والدليل أن شكلية السياق النسقي للنص العربي لا تتشابه مع غيره، وحتى الغرب شاعر النثر يكتب سردية ويترك فراغات ويتعامل مع علامات الترقيم بدلالات أوسع وأغراضية مما لا يُقاس بالشعر الحر، ولمَّا كان الجنس يختلف عن المعتاد فهو ليس مُلتبِساً، لكنه من المنجز البشري المانوس.

هرمونات الذكورة والأنوثة يحملهما النص ويتصيَّر بوجه يراه القارئ مرةً أنثى ومرةً ذكراً، حتى مركَّباته المفرداتية فيها المتناقضات التي تُسمِّيها برنار الفوضويةَ، وفيها المتجاورات المتجاذبة التي تُسمِّيها البنائية. فتكون بشرى البستاني قد حقَّقت واحدة من أمنياتها: أن تُنجز النصَّ الذي لا يتميَّز فيه توقيعُ الأنثى من توقيع الذكر. والتبادليات الاستخدامية للمعجميات تتغيَّر في التراكيب، والتراكيب تكتسب أنوثةً مما تشتمل عليه نصياً وحدةً جندرية.

بالعبور إلى السجف العتبي نجد الإهداء من مُكمِّلات النص وتعاليق نصوصه الموازية، وهو يقول: "إلى وردة الموصل التي سجنتها خطيئة المكيدة..." نكتفي بهذا الاقتباس وما يليه يُكمِل التقوية. إنها إحالة نكرة نوع هوياتية معلَّمة، وهي استخدام مكاني مدار حراك النص في الفضاء وليس حصرية في القراءة التأويلية، وهو ما سنراه في عموم النص. "الموصل" رامز موحٍ من التوقيع الذي ندرس النص بمجمله الكلي والتفكيكي والتحليلي بنيوياً أو ما بعد البنيوي. لكنَّنا لن نخوض باللسانيات ولا في خصوصية اللغة الخاصة، وقد نستعين بمفهوميات للتوصيل مثل الميتا والسيم والمينوفيم والفورم والمورفيم والتركيب والاستعارة والصورة، لكنها ليست ميزات في النص النثري إلا إذا تعاملنا معها بغير مسارها المعتاد، بمعنى بانزياح بكل مستوياته وأنواعه ومعانيه، وخلاصته خروج عدولي، وسنقف حيودياً عند المفهوم في المطاوي لضرورات.

أسلوبيَّتها تُقدِّم تصديرات: ثمة آيات قرآنية وأقوال وأبيات في كل منجزاتها النصية، كما سنضطر لمعالجة تناصات استشهادات أو تضمينات أو استعارات أو اقتباسات، كلها بنائية لم نجد فيها الإتلافي السلخي أو الإغاري. هنا سنأخذ بيتاً من موروث جلال الدين الرومي الخالد ، وهو أنين الناي يقول: "نار الحب هي التي نشبت في الناي." الاختيار ليس عشوائياً، إنها تجرُّنا إلى النصوص عتبةً في المرقاة؛ فالدرجة الآن تقول إن الوجع الذي يبثُّه الناي من لظى الجوى المتفجِّر من كنه الناي هو ذا، ليس أن يرغب أو لا يرغب، ليس له أن يكتم أو أن يُبيح؛ حريق اشتعل لا بد أن يُنفِثَ لهيبَه الناي. هو عطر الوردة: ما تفعله أنها تعبق بالأريج ماهيَّتها ليس لها اختيارٌ في منع الضَّوع، توقَّف فعل الإرادة.

نصل إلى النص الذي نموذجُنا للدرس؛ عتبته العنوانية "حداثة الماء": الحداثة عَصرَنةٌ وحدوث للقديم وفعل التجديد واشتغال التجديد، وما توافق عليه كثيرون في الغرب من تحديده بسقف زمني يشمل تقدُّم مشتغلات الفكر والمعرفة على كل الأصعدة منها التاريخ والفلسفة، ومعجمياً بداية العمر وأول النشأة وهي مصدر "حَدَث"، والحديث الجديد من كل شيء، والأحياء ريعانها وشبابيَّتها والصبا. أما الماء فهو من الرجل: منِيُّه ودلالته الإخصابية الجنسية قائمة، وهو منه خُلِق كل شيء حي، والعنصر الثاني في العناصر الأصلية للكونية، وهو حاجة الأحياء لديمومة الحياة. وماءُ الوجه مجازاً كرامتُك وغيرتك، وبلا ماء: يابس نشف جلف. وهو محتوى المسطحات من أنهار وبحار المُهيمِن على التفجُّر في غضب الطبيعة حين تفيض الأرض من غيث السماء أو حين تتفجَّر الأنهار غضباً فتحدث الفيضان. والعرق ماء والدمع ماء. التركيب الحالي الوصفي مسيسُ الرابط الدلالي بما سيقودنا إليه النص: حياةٌ وعالم وولادة جديدة بالخِلقة والنشأة ؛ هو باعث التنكُّر للعتبي للديوان؟ هو مبحث الرهبة والتقية؟

الشاعرة وهي جازمة في توصيف تركيبها تُشي بانزياحية توراتية؛ فحداثة الماء وجهٌ من حالٍ يُعلِن عنه إعلاناً بولسياً بالتنكُّر لما تجمَّل وتملك. وكما أخبر المسيح حواريَّه أنه سيُنكِره قبل أن يصيح الديك، هاهي تُنكِر. وكما لم يَنقُص من إنكار بولس لعيسى من مكانته شيء حين قذف عمَّار بن ياسر الرسول وأعلن تخلِّيه عن الإسلام دون أن يقدح ذلك بإيمانه والدليل أن الرسول ﷺ قال له: "إن عادوا عُد" وهو إجازة له بالإنكار تصدمنا بتصدير فرعي:

مازال الفقدانُ يُراوِد الحب
وما زال الحبُّ يتوهَّج

لو حذفنا الثبات الحالي المتحصَّل من "مازال" الفعل الناقص المستكمِل شرطَ النفي فاستحال إلى ثبات بتقيُّد الإسناد في المطلع وفي الخاتمة، مع الحب في الجملتين والتوهُّج والمراودة؛ فلو اعتبرنا التوهُّج محالاً على قول الرومي "الحب اشتعل في الناي" فقيامُ الحب مبعثُ الشكوى وموجِد النار وفاعله، وهو المضمَر في جوى الناي، والناي لا حول له في رد من اشتمل عليه بذاته، فالتوهج يلازم الحب وعندها فالديمومة لازمة الحال، وحضور المحبوب مضمَرٌ كنهُ فعله في الوجد.

والمراودة: مراجعة وطلب فعل "قالوا سنُراوِد عنه أباه وإنَّا لفاعلون" "ونسوة في المدينة امرأةُ العزيز تُراوِد فتاها عن نفسه." هو فعل جرِّ المَروِّد بالتلميح أو التلويح أو الإتيان باشتغالات مؤدَّاها فعلُ ما يُطاوع طالبَه من المطلوب منه للطالب. ففي كل المقطع الدخيل هو الفقدان لا منتِج أُرهاص لحال قائمة ولا توصيف لها، بل إشعار بإخراج المكنون من أكمام اشتمال وجوده، وهو حرمان لمكمَنه منه خاضع لأصل المنشأ: هل تراه الريبةُ أو الخوف؟ فالحب مجلبة لما قد يوقع بالمحذور. هل المحتل الخارجي الذي أرهب الداخل في أن يُداهَم لوجود ما يكنُّه حباً لمحبوب غيَّبه الخارجُ بفعله؟ فهو مراودة ليس لطبع في حامل الحب الذي مازال يتوهَّج دليل مُكوثٍ وملازمة ارتضاها حامله رَدَّهُ أنيناً ونغاءً مراودةٌ لمبتغاه لا رفضاً له، الذي يتطلَّبه قيامُ الحائل الطاريء: الفقدانُ بفعل خارجي.

لافت هنا تناصٌ بإسقاطات لفظية ومعنوية وغائوية من سورة يوسف، ليس فقط في "المراودة" وإنما في ثنايا النص في أكثر من موقع، بمغايرة ليس لحال الحب بل لمعناه ومساقه وما يترتَّب عليه.
يتبع ...



#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- [4] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
- 2] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
- (الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)
- (المقاومة والتطبيع)
- مكرر مع المقدمة/ قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء-
- -حداثة الماء-
- -حداثة الماء-
- [1] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
- ( مُغامَرةُ عَنْكبوتٍ)
- (خرائطُ ماءٍ لتاريخِ طميٍّ أوَّلِ في زمنِ هجرةِ ينابيعِهِ)
- (نَبذتْني لِلتَّوِّ الحَضْرةُ)
- (فُصُوصٌ، وَفُتوحات)
- (بشائِرُ أغاني الفجر المتأخّر)
- سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
- سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ- ...
- الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأ ...
- (وحم العَوْدَة)
- (وَصَبُ حَنِينٍ)
- ((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))
- (صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)


المزيد.....




- في أربعينية ليلى شهيد.. قراءة مغربية في مسيرة -دبلوماسية الث ...
- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - [3] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني