|
|
[4] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
سعد محمد مهدي غلام
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 02:52
المحور:
الادب والفن
مقطع / لوحة: «على مسلّة حمورابي»
على مسلَّة حمورابي إذ نهضت القوانين لتذوي القيم دوَّنت: أحبُّك على نصب الحرية، حيث انكسرت أعنَّة خيلي دوَّنت: أنت حريتي على الرايات التي غابت عنها نجومك رسمتُ شطَّاً للعرب ونخلةً واحدة نخلةً تشتبك جذورها بياسمين قلبي وبين الراء والقاف ألفُ ضوء ترقى لسماء عاشرة
يقول والاس ستيفنز في العلاقة بين الرسم والشعر: "ومع ذلك فلو أن المرء حاجَجَ الاعتقادَ الذي يذهب إلى أن أصول الشعر توجد في الإحساس، وإذا ما قيل إن القصيدة المحظوظة أو اللوحة المحظوظة هي تركيبة مكوَّنة من تركيز استثنائي، فإننا نجد أن القوة الفاعلة في داخلنا لا تبدو في الحقيقة أنها الحساسية، أي المشاعر، بل تبدو أنها قدرة بنائية تستمد طاقتها من المخيِّلة أكثر مما تستمدها من الإحساس. العقل يحتفظ بالتجربة بحيث إنه بعد انقضاء فترة طويلة عليها تقوم تلك الطاقة في داخلنا التي تحدثت عنها بعملها البنائي الخاص من تلك التجربة، ولو أنها قامت بمجرد إعادة بناء التجربة أو كرَّرت علينا أحاسيسنا لدى مواجهتها لكانت ذاكرة. إن ما تفعله حقاً هو استخدامها بوصفها مادةً يصنع بها أيَّما تريد. وتلك هي بالضبط وظيفة المخيِّلة التي تستخدم دائماً المألوف من أجل أن تقدِّم ما هو غير مألوف." ما رسمته الشاعرة لوحةٌ فسيفسائية لاختزال بانورامي تاريخي دخلته من مسلَّة العراقي حمورابي، أقدمِ التقنينات، والمبتغى المتوخَّى منها تنظيم علاقات الإنسان بالإنسان أولاً، بمعنى وضع خريطة عمل إلزامية لتنفيذ مسار القيم المجتمعية. غير أنها تقول: إن قيام القانون دون القيم مفارقة، حتى في المقاربة المطروقة. القانون الوضعي ما ينجزه تسويدُ الأنسب المقبول، أما تحقيق الحق فأمرٌ رباني لأن العدالة لا يمكن بلوغها كاملةً. لسنا هنا في درس قانوني لتسويق المفهوم، رغم قناعتنا بأن الغالبية تعرف أن قدرة الإنسان في صراع الوجود والبقاء تعجز عن تلبية تحقيق جوهر الحقيقة، وكل ما يفعله مقارباتٌ. لكن المجمَع عليه أن القوانين مع كل عجزها الفقهي المستقيم وحاجتها للعدالة في تحصيل الحق هي الأرقى في اللحاق به. فالعدالة قيمة عليا، فكيف تكون علاقتها مع القانون عكسية؟ لا تكف عن ممانبة تتوارى خلف حروف جزلة، لأنها تدوِّن الحب في قلب المفارقة. فأيُّ امتهان للتاريخ والمجد الحمورابي وللقوانين التي سنَّها يدفع إلى السقوط في المباني الأخلاقية! الحبُّ هنا اشتياق واحتجاج وإيضاح لعدم الاستواء، هو واقع القسمة الضيزى بين الصح والخطأ، دافعٌ لتُعلن عشقها صريحاً بوجه الباطل الذي افتعل تلك المتاهة من التناقض لتقول: كما أنت عظيم المنجزات سنَّنت المسلة ويا وطني شتلتُ في قلبك المسلة، وكم هو مُقرِف ما اقترفه المتناقض الغرائبي! فالرحمة عليك يا حمورابي الإنسان رمزَ البلاد التي تستحق الحب، كلما نرى ما يفعله الشذاذ. وعوجٌ على جواد سليم ونصبه الرمزُ المفخرة لخلاص أهل هذه الأرض من جور حكامها والمحتل؛ في عنونة النصب ومعناه ذلك الصدى الصداح الذي يوقظ من سبات العصور المظلمة ليقول: إن الحرية اكتساب وليست هبة، وإنجاز وليست لقيَة. هناك تكتب؛ أيها الأنتَ الذي لم يكن خلف الستور وغدُه صباحه صيفي تكتب لمن تحبه: أنت لا سواك حريتي، ما نالك أضناني، وما يجرحك يفتُّ في عضد صمتي، إليك حبي فلا حرية دونك يا وطن تربةً ومنجبَ صانع القانون وحامل أوجاع المفارقة التي أنا هي الآن. لا مكان تنطلق فيه الخيول بأكثر روعة من ساحة المعركة؛ فعلى نصب جواد سليم تكسَّرت أعنَّة خيولها الغورنيكية، هناك نصب عبوديتها حريةَ العصر الجديد. لا محارب دون راية يقاتل تحتها، ألم يقل الشيعة: من مات دون أن يعرف إمامَ عصره مات كافراً؟ أليس للقانون وللحرية عنوان؟ تواضعت البشرية منذ أيام القتال بقذف الصوان؛ الراية رمز للطرفين، رفعت عن راياته ما يرمز لقلبها المثقوب بمثاقب يوسف الصائغ. قلبٌ دون ثقوبه لا قلب. إن رُفعت راية لا عيون لها ولا قلب لن تكون رايتها. الراية التي ثقوبها شطُّ العرب لسانُ لقاء الناطقين من جسد ممتد من الفاو إلى سنجار، يسقي النخلة المثمرة من كرائم العمَّات، لا تقبل شريكاً. الشطُّ لم يَسقِ أكثرَ منه محتداً تلكَ التي هامها فارعةُ شفيق الكمالي، وعطرها قاسيون وعبق الياسمين من تحت مندرسات السنين، تتعانق جورُ نخلته رقةَ الورد الجميل بنقاء القلوب المثقَّبة من حب أوطانها. في مشهدية إغريقية أوقفت عينيها دون أن ترفَّ، ولا قناع يستر شموخ خضوعها للراية ؛ القلب. المشتبكان: العاشق والمعشوق، الحب عبق العيون. إيقاعيةٌ تنجزها توقيعات البستاني بالدلالة المعنوية الرفيعة، لا بأي نسبة بيانية وَزنية. كلنا ندرك دلالة الإيقاع والفرق بين الوزن (Meter) والإيقاع (Rhythm)، بالوحدة المشار إليها معنوية الدالّ. هو ذا الشعر المتسامي عن الكلام المطروق؛ فالزمن الموسيقي (Beat) تناغمٌ متَّسق (Harmony) ولحنٌ (Tune) ونغمُ أغنية (Lyrics) ووزن (Scale) حواريةٌ غير مطروقة في الشعر المعهود، ولا في أرقى مراتبيات ما جاد في التفعيل الحداثوي. المتطلبات العصرية مغايراتٌ متوجَّبة للخروج عن السياق المسطَّري لأي تنميطية؛ هنا يمتزج (Solo) مع (Duet) ويعبر من داخل (In) إلى خارج (Out of) اللحن (Tune). البستاني تؤسِّس ما استقرَّ، لكن الآن بمعرفية مؤكَّدة رغم أنها أستاذة الأدب الحديث ولها مباحثها ودراساتها النقدية عن الشعر. مادة الدالّ الإيقاعي لم تخرج عن الخصائص والعين والكتاب، وهنا بشرى البستاني الشاعرة لم تُبالِ بكل العلم لتقيم صرح دالّة جديدة هي التوقيع؛ ترميزه السياقُ الحالي المحلي منبعُ التوليف، لكن مصبُّها العامُّ البشري الشساعةُ. قد لا نتطابق مع صلاح فضل في الرؤية، والمتحصَّل القائم لا يعود إلى أصل المنجز وإنما إلى عوامل بذاته لذاته لا حول لنا ولا قوة على كينونتها المؤطَّرة له، وهو موضوع العالمية والمحلية من الشائك بحثه ولا نرغب في الاستغراق الإطنابي فيه. هنا نقول: أتاح الجنس الذي استعانت به البستاني اكتسابَ المحلية مدارات إنسانية في المنابع وليس في المصبَّات وحسب. كسر استدلالاتُه المعايريةُ المقارنةَ بين المعري ودانتي؛ يقول صلاح فضل في "أشكال التخيُّل": "يختلف المعري جذرياً عن الأديب العالمي الآخر الذي اقترن اسمه به، وهو دانتي الإيطالي، في معراجه الذي أسماه الكوميديا الإلهية ؛ حيث كان دانتي مشتغلاً بالسياسة والفلسفة والدين والاقتصاد، فجاءت الكوميديا موسوعة شاملة لمعرفة عصره وصورة تامة للحياة بجميع أبعادها مما جعلها ملحمة كبرى في الآداب العالمية لا تفقد أهميتها ولا شعريتها بانتقالها من لغة الأم إلى بقية اللغات. أما رسالة المعري فهي تستعصي على الترجمة الكاملة إذ إن العناصر النحوية والخواص اللغوية المتكاثرة فيها لا يمكن نقلها إلى لغة أخرى." نرى أن الرجل أسقط تحليله في التبسيط والسلخ المستعار من السائد. وهو الناقد المحترم ، والأسف أن غالب النقاد يسقطون في ذلك الوصيد وهم يُغلِقون فتحة الكهف على أنفسهم ولا يستنجدون بالعلوم. المقارنة السياقية توجب أن يُقدِّم الفرقَ بين لغة معرَبة ولغة مبنية، وأن يُحيط المتلقيَ علماً بالسقوف الزمنية والغلبة السلطوية الخارجية لمجموع المشتمل الفكري الثقافي. أيام رسالة الغفران كان وقوعها بيد الإكليروس من المكاسب العظيمة لترجمتها، وبحث مدار فضاء حركة وحداتها الأشخاص والمحيطات والمعاني والتسميات سيُرفَد بشروحات عن المداليل الإسلامية لكثير مما جاء في الرسالة. ما حصل ليس عيوب اللغة ولا محلية عقل المعري. لو خلع النقد رداء السكولاستيكية لتوصَّل إلى الأسباب التي تحول دون عالمية منجزات يُقرُّ هو نفسه بأنها منهل منجز دانتي، وهو حال "حي بن يقظان" على ديفو، والمقامات على التروبادور، ومنجزات المعتزلة على ما قُدِّم فلسفياً بوصفه أرقى ما بلغه العقل البشري. لا نريد الإطالة، فالأمر ليس كما فصَّل صلاح فضل، وهو ما يُحيل نصوص شعراء من أمثال بشرى البستاني إلى عدم الشيوع العالمي، وله ارتباط وثيق بحال الأمة ومنجز اللغة العربية. كل مدرسة موضوعية تُقرُّ لهذه اللغة بالتقدُّم التطوري المنقطع النظير، والتعامل معها بجهل أفقدها روح توهُّجها. وعالمياً لا تنفصل البواعث عن مؤتمر كامبل بانرمان 1905-1907 ولا عن الحروب الصليبية. من هنا نقول: ليكن الناقد موسوعياً. كيف يوصل رسالةً تفسيرية أو تأويلية عن مبثوث لمتلقٍّ مرسَل إليه إن كان الحامل يأكله العثُّ والفقر المعرفي؟ هذا يُفسِّر انتقالات بشرى البستاني؛ فهي ليست شاعرة وحسب بل أستاذة أكاديمية وعت بعلو كعب معرفةَ التداولية التوصيلية وروحَ الفاعلية البراكسيسية. طرقُ قصيدة النثر هو من ذلك العمق العمودي (Vertical) والتمدد الأفقي (Horizontal)، وهو ما يعوزه المبدع الناص والناقد معاً. لذلك نرفع الصوت: أنقذونا من التسطيح، اعتصموا بالثقافة الكونية، لغتكم معطىً قدَّمه الشكلانيون. الغالب يُقرُّ بأن التحقق مرجعه فتوح العرب اللسانية، وذلك جون روبرت فيرث بعموم درسه الساقي وبالخصوص السياق. لا ينكر المؤرخ العميق للسانيات أهميةَ الجرجاني والزركشي، وعند ليونارد بلومفيلد الدرسُ السيمانطيقي في الدلالة. كل الكبار يعرفون مكانة ابن جني في الخصائص ورسمِ الحرف صوتياً، ومكانةَ العين والكتاب في المقاربات النحوية للدلالة، ناهيك عن إسهام الفلاسفة العرب والمسلمين الذي نشمُّه فيما يقوله بعضهم من أن ما نعنيه مردُّه التراث، دون أن يُقرَّ بأن الفقر المعرفي المقارن والتقصيريَّة ، ومنها العمدية هي المسبِّب للعشو الذي هو فيه. ما أنجزته البستاني نُحيله إلى خارج القيمة الجمالية، ولن نكون من المتجنِّين؛ المئات قبلنا قاله ذاك لوكاتش ولوفيفر وغرامشي، وأرقى نظريات التناص من باختين إلى كريستيفا الكلُّ مجمعٌ على أن المعرفة حين تُساق في النصوص تكون المنجزَ المتاح للمتحصَّل الكلي للوعي واللاوعي الفردي والجمعي. نُسجِّل إقدام الشاعرة في حوزَين إبداعيَّين نضجاً ورُقياً يُخرج بالمدرسي من أروقة السفسطة إلى المشَّائين، ومن القمقم الأكويني والجفاف الأصولي إلى سماوات الفهم المتقدِّم، ويرفع الشاعر وكل مبدع من أسيجة نصه الاجتراري إلى مصاف النص المحايث مستجداتِ العصر. لم نستغرب ثراء معرفتها خارج خطوط التخصص وانعكاسه في نصوصها خارج التقريريات إلى النصوص الشاعريات والشعريات؛ فلها في الدرس الثقافي والنقود النسوية والجندرية تمييزها ضمن المدار النسوي (Feminism)، والتفريق الناضج بين النسوي والنسائي والجنسي عن النوع الجنسي (Sex and Gender)، وتطورات الدرس الإنساني الفكري الثقافي باستيعاب الدوال بحركة المنجز الكلي الأنثروبولوجي والسيكولوجي والإثنوسيميولوجي. وتُميِّز بعقلية فلسفية بين الإمبيريقية والبراكسيسية، وتقف على ناصية تميُّز المدنية (Civil) عن الحضارة (Civilization) ثقافياً (Culture). ويرافق هذا حسُّها المرهف كشاعرة ومتخصصة؛ فأنتجت الردَّ على صلاح فضل وقدَّمت وعياً بعيوب الترجمة والمترجم والمؤسسات المنوط بها أصلاً النهوض بنشر الكتاب المترجم. نحن مع كون الترجمة إعادةَ تنصيص متوافق، مع كثير منها السيميولوجي عند أمبرتو إيكو وإيميل بنفنيست، أو رولان بارت. من يمتلك حدسَ الفكر وحسَّه بين جورج طرابيشي وإدوارد سعيد يعي حتماً أن "رسالة الغفران" مع كتب "اللزوميات" و"لزوم ما لا يلزم" تعرف الأرضية العقدية والاعتقادية للشاعر المعري، فلا تُقارنه بدانتي ولا حتى بملتون، ولا أصداء قصورية مفهومية تجعلها تتأرجح بين صوحَين مرآويَّين. فأنتجت بغزير الفهم والحس متحققاتها الأخيرة وما تزال، ونجد أن ذلك ليس تجريباً بل تطبيقاً لأفكار ممتحَنة لم تُخرجها للعلن إلا بعد طول امتحان. كان تداخل الأنساق وأسلوبية تنصيص الأجناس بوعي متقدم، ولذلك لا نريد الزجَّ في نقد النقد الممقوت عربياً لأسباب نعيها. نجد أن الكتابة عن "رواية الحب 2003" ليست امتزاجاً تنصيصياً، فلا توجد منزلة بين المنزلتين؛ هو تنصيص متداخل التجنيس ولكن لمَن الغلبة؟ هكذا نتعامل حتى مع المشتمَل بين الدفَّتين في المعطى الميتافيزيقي المنزَّل أو غير المنزَّل، وهو مقاربة بمنظور العصر للفهم المعتزلي الذي يُجسِّده التوحيدي وإخوان الصفا. هكذا نرتقي مع نصوصها الشعرية لنستوعبها، ومن بعد ذلك نقدِّمها للمتلقي قناطرَ وتجسيرات لاستيعاب نصوصها، وكل قرين لها ، وهم مع الأسف اليوم يُعدُّون بالأصابع إبداعاً ونقداً مع كل هيلمانات المعلَّقات في حجراتهم من شهادات وما يُقام لهم من ولاة الأمر البغاة طغاة الفكر من أهل التجارة والتسليع للثقافة، وهم الأسياد للأسواق التي لا يتعامل فيها أمثال البستاني. فالسوق ليس المكان حتى أيام ذي المجاز وعكاظ والمربد؛ المتداول من القابل للمبادلات والبيع والشراء لا يختلط مع السوقة، فالعِهن لا يجتمع مع تداول قوارير العطور، وينتجع الشعراء مثاباتٍ منزوية في حدود السوق لكنهم لا يختلطون مع الباعة حتى لو كانوا من تجار الاستبرق والقزِّ والمسك والعود. قصائد بشرى البستاني لوحات مرسومة تستحق دراسات مقارنة مع لوحات شعرية لفنانين تشكيليين رفيعي المستوى، وربما نكون نحن ممن سيبادر إلى القيام ببحث سيميوطيقي سيميولوجي يجمع شعر البستاني مع لوحات لفنانين كبار. ما توحيه قصائد البستاني ليس تداول الرمز وحسب بل في كلية ميكانزم التأويل المفتوح، ولذلك فإن تناولها النقدي يحتاج إلى تقانة ومرجعيات ثقافية واسعة. الشاعرة ومعها ما يوازيها مقابل فنان تشكيلي بلوحاته يتوجَّب جمعهما، ويجدر عدم الوقوع في فخ المصاقبة الكلية التي تستوحيها مؤوِّلات الصورة الشعرية والتشكيلية، وفتح آفاق المعاني المرتكزة على ما أطلقه هوراس والجاحظ والجرجاني عن الصورة والاستعارة وعموم فهم المجاز إن كان مرسَلاً ؛ ذاك الذي يُلحَظ في معانٍ لا حصر لها أو كان ذهنياً لا عقلياً. هدر دم الإبداع من المتربِّصين كما تحدَّثنا عن التناص والنصوص الموازية ونفور منابعها من كثرة التداول والتوسع غير المحمود والتطفُّل على قواعديات بناء المفهوميات واحدة من معضلات الشروع بمشاريع نقدية خارج الصندوق. لكننا سنخوضها وقد خضناها، ولن نجد غضاضة في سوق مفردات لم يَعفُ الزمن عليها وإن سلَتْها قلوبُ أهل العقول الكتاتيبية؛ فالمجاز الذهني مصطلح جميل في مؤدَّاه، هجرُه لا مبرِّر له. وعقيدتنا النقدية تقود إلى تطوير المفردات والمفهوميات النقدية لا هجرانَ الشائع؛ وهو مُغايِر للعقلي الموروث في التراث العربي لدواعٍ لسنا فيها الآن، أبسطها أنه وُلِد في أحضان لغة مبنية وليست معرَبة. في العربية نجد أن توصيف ابن أبي الإصبع المصري في "تحرير التحبير" يُنجز مبتغانا: "جنس يشتمل على أنواع كثيرة كالاستعارة والمبالغة والإشارة والإرداف والتمثيل والتشبيه وغير ذلك مما عُدِل فيه عن الحقيقة الموضوعية للمعنى المراد." "مجازات شعارات الرموز أشد إمتاعاً عندما تجسِّد وجهة نظر صانعها دون أن تعتمد على فن النقاش لتكتسب حيوية" كما يقول ك. ك. ريفن. هذه منطلقاتنا للغوص في السياق النصي للبستاني، إبحارٌ لأعالي البحار متزوِّدين بكل ما يتطلبه من احتمالات (Probability)، محيلين المتلقيَ إلى أن المتناوَل عيِّناتٌ (Samples) لم نتوخَّ القصدية في انتخابها لموضوعية منهجيَّتنا، فهي عشوائية (Random). يقول فرانكلين ر. روجرز: "والطريقة الطوبولوجية في تناول الشكل الأدبي وإبداعه هي التي أملَت الشكلَ المطروح للدراسة؛ إذ لو أن كلاً من الكلام (لوغوس) والقصة (ميثوس) شكلان متلامسان متتامَّان حقاً، فإنهما إذن لا يختلفان من حيث الأساس عن تلك الأشكال التي يتعامل بها الرسام والنحات في تكوين عمله الفني. ولهذا وكما بدا لنا فإن أكثر الطرق سرعةً إلى مسألة الدلالة هي المرور عبر ذلك الوعي بالشكل الجوهري في خلق الفنون كلها، لكنه يظهر على نحو أكثر مباشرةً في الصياغات المكانية البصرية للرسام، والمرور من ذلك الوعي بالشكل إلى ذلك الوعي بالدلالة الذي هو وعي القارئ نتيجة للإدراك الحسي للشكل الشعري." وهو ما نعوِّل عليه في متابعتنا للوصول إلى ماهية المقاصد. وهي هنا كما قلنا عن المعري؛ فالاعتراض على صلاح فضل بخلاصته الفهمية: من أين جاء بحيثياته الحكمية؟ البستاني مدرجُها المحلي يحمل توقيعها الإنساني العام، والدلالة المعرِّية التي جانب الصواب، فضَّل سبرَ كُنه بواعث عدم شيوعها هنا في التحديدات المفهومية السائدة. لماذا والجنس الأدبي - القصيدة في النثر والقصيدة الحرة- لا قوافي ولا تنويعات تحكمها، بل سوق حر في رواق مخيال الشعر الصرف وعبور لمجاز عالٍ في الاستحضار الدلالي لمنتجات اللغة؟ نرى أن هنا الرُّقي في المنتج الأبستيمولوجي. الشعريةُ كوهينياً لا تتحقَّق إلا في الانزياحات وهي قنطرة المجاز لرواق التخييل. ربما نحن نحمِّلها معانيَ غير كوهينية وعذرنا السيرُ وفق متطلبات لغة الإعراب. نحن نحثُّ في تقليل اعتماد التشكيل في النصوص إلا في المُشكِل وتحديد اعتماد التسكين، بل التجرُّد من غالب منتجات التفعيلي (الشعر الحر جزافاً!). فالتحريك في العربية مغايراتٌ سياقية واستبدال دلالي، والمعاني تتعوَّض في التشكيل بالاشتغال المكاني، وحتى الزماني متخثِّر في نص القصيدة في النثر أو الحرة المطلقة المرسَلة. المبتغى توصيل رسالة بجماليات مغايرة وتقانات مستحدَثة؛ فحتى السياق الحالي أو الموقفي متغاير في الآلية للبلوغ إليه هنا. ويكون المتمكِّن السماعي والمتمرِّس الإيقاعي ، فالدرس الصوتي له مكانة خطيرة استبداليةً للوصول إلى الدلالية بطريق ملتفٍّ على الصوائت وعموم الصوت متوجِّباً على الاستيعابية، وهو ما تمتلكه البستاني. لذلك نُحبِّذ أن يكون طارق النص والقصيدةِ قد أشبع النظمَ والتقانات الحرة المقيَّدة بالتفعيل والمداخلات بين البحور والتسكينات والتشطير والتدوير وسائر ما يُلحق بها. عندما ينتقل إلى مستوى وخطَّان تحت كلمة "مستوى" وهي ليست مستوىً بل استعارة هندسية رياضية القصيدة الجديدة؛ الجنسَ الجديد ولا نزال نسمِّيه هكذا، فمن يُتقنه لا يتجاوزون عدد الأصابع، والصوت الغالب مع السوق، وأمثالنا لا نُجيد البيع والشراء، ولذلك من يستمع إلينا بعدد الأصابع. لا يهمُّنا جمعٌ من المصفِّقين فالغاية عقيدة راسخة حتى وإن كانت في الأدب. نحن إن اقتفينا التفكيكية أو البنيوية المحدَّثة التكوينية أو أي مدرسة من براغ إلى هامبورغ إلى فرانكفورت ... إلخ فنقودنا تقع في جدوليات الخط للنقد الثقافي العمومي مع احتفاظنا بعقيدة عامة في الفلسفة والأدب في التنصيص والنقد، لا نُغيِّر مقدِّماتها المعتمَدة: تحليلي تركيبي (Analysis & Synthesis) واستنتاجي استنباطي (Induction & Deduction). وتنصرف تلك المقدِّمات بغض النظر عن اعتماد التاريخانية أو النقود التخصصية. لذلك نعتمد حلزونية التعرُّف على موضع الحاجة الماسَّة إلى ارتفاع أدبي أرستقراطي في التعامل مع نصوص أمثال بشرى البستاني. لا نقول متخصِّص لإشكالية التشخيص والتحديد؛ فالكثير لم يَعِ مطالبتنا بناقد خاص للقصيدة الجديدة الما بعدية، وإننا نعتبره من فروع النقد الثقافي. والبستاني شعرياً شاهدنا كموضوع دراسة هنا كثافةٌ ممطوطة ليس بروكروستياً بل لمتطلبات دلالية، ولكونها تنهج خطَّها التعبيري توجَّبت ملحمية نصوصها وتشكيلاتها متعددة الأجناس لإيصال دلالي مع حصر جمالي للمنجز. فالاختلاف مثلاً بين الإيقاع والرنين هو بين الصوت وحدة كيفية لها محدِّدات التميُّز المتفرِّد في النص والسياق وعموم الاستخدام الشعري لأي شاعرية وهو الحدث ينطقه المتكلم بطريقة خاصة: الأولى الصوت من حيث طبيعته فتحةً وضمةً وكسرة. وفي الثانية حقُّ نصه النسبية والسياقية ودرجة علوه وانخفاضه، ومداه طولاً وقِصَراً، ونبرته قوةً وضعفاً، وتردُّده قلةً وكثرة "كما يقول في الشعر المعاصر محمد فتوح." لم تغِب عنا تلكم الثيمية، لكن في القصيدة الجديدة تتبدَّل القوانين وتتمرَّد القواعد وينزاح الحيودي عن المسطَّريات. ما وضعه أرسطو في البويطيقا ليس مُلزِماً اليوم، لأن المنطق الأرغانوني وفق اللوغوس الأرسطي تمَّ هدر دمه منذ أكثر من قرن. ولم يزعم أينشتاين أن قوانين نيوتن خطأ، ولا أن التصوُّر الكوبرنيكي خللٌ علمي، لكننا لسنا اليوم في موقع غاليليو كي نكفِّر برونو ونقول الأرض مستوية. هذا ما نعتقد: أن بشرى البستاني وعته، وهي أقدر على التفريز. القولُ ما قالت حذام. الخليل بن أحمد لم يخترع العروض، هو وضع وكشف أسراره ومعاييره، المخترِع هو الشاعر. ولمَّا وجد المتدارك لا يخضع لقننته وقياسه المسطَّري أخرجه، فجاء الأخفش وأعاده. نراه في الشعر التفعيلي بنسبة تتجاوز 50% عند صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل كما ورد في "موسيقى الشعر العربي". نحن نشدُّ على يدها ونغتبط أن متمكِّنةً شعرياً وأكاديمياً تُعاضدنا فيما نُنفخ به في صور إسرافيل من عقود ولا أحد يستمع. إن العقول الميتة هي ما قتلت حراك الفكر وأبقت شعوبنا بعيدة عن الدنيا قروناً. لا تبذير بالتراث، كل الشعوب لها تراثها، لكن إعادة القراءة حدثت وطوَّرت وتقدَّمت إلى الأمام، وليس بالخلاف بمنطق ألف عام نناقش مصطلحاً مرَّ عليه ألف عام وجرَّنا ذلك لنحاكم الأحداث ونحتكم للدليل أيضاً بعمر ألف عام. يتبع ...
#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
2] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
(الزمن الضائع والقطيعة الوجودية)
-
(المقاومة والتطبيع)
-
مكرر مع المقدمة/ قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء-
-
-حداثة الماء-
-
-حداثة الماء-
-
[1] قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
( مُغامَرةُ عَنْكبوتٍ)
-
(خرائطُ ماءٍ لتاريخِ طميٍّ أوَّلِ في زمنِ هجرةِ ينابيعِهِ)
-
(نَبذتْني لِلتَّوِّ الحَضْرةُ)
-
(فُصُوصٌ، وَفُتوحات)
-
(بشائِرُ أغاني الفجر المتأخّر)
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
-
سيميائيّة الفَناء وشِعريّة الكارثة في نص - صَمتُ المَقابِرِ-
...
-
الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأ
...
-
(وحم العَوْدَة)
-
(وَصَبُ حَنِينٍ)
-
((ملامح الممارسات الجندرية للإسلام السياسي في العراق))
-
(صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ)
-
(شَفقٌ أَخْضرُ)
المزيد.....
-
الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو
...
-
ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي
...
-
فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات
...
-
-ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب
...
-
وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م
...
-
مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت
...
-
التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما
...
-
نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص
...
-
-السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا
...
-
سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|