أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 9 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ( 9 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 22:55
المحور: الادب والفن
    


​تماضر
الضحك كفعلِ استشهاد

​ليست المأساة في أن تُجرح، فهذا قدر السائرين في ممرات الحياة الوعرة؛ إنما المأساة في الاضطرار إلى تلميع القيد حتى يظنه الرائي سواراً من جمان. بعض النساء لا ينهدمن بضربة فأسٍ واحدة، بل يتآكلن من الداخل بصمتٍ كيميائي، كجدارٍ عتيق يحافظ على هيبته المرفوعة، بينما تسفو الريح ذرات طابوقه من خلف الطلاء ببطءٍ جنائزي.

​كنتُ أراقب "تماضر" بحدسٍ تجاوز حدود الوظيفة الإدارية الصارمة. لم تكن بالنسبة لي مجرد مُدرّسة لغة إنكليزية تقيّمها عين المديرة، بل كانت "نصاً إنسانياً" يستدعي التأويل. تدخل الصف وكأنها تقود فيلقاً لإنقاذ الزمن من رتابته، تزرع في الهواء خفّةً تكاد تشبه الحياة لولا أنها "مفرطة" في تجلياتها. تضحك، تمزح، تحيل قواعد اللغة الجافة إلى كائناتٍ نابضة، وتمنح الطالبات وهماً لذيذاً بأنهن بطلات في رواية عالمية، لا مجرد أرقامٍ صامتة في سجل الغياب.

​كنتُ أقول في سري: "هذه امرأة تفيضُ حضوراً".

لكنّ التجربة علّمتني أن الوفرة في الظهور غالباً ما تكون حجاباً لفاقةٍ في العمق.


​كان ثمة "شرخٌ" ميكروسكوبي يتسلل من مسام أدائها المتقن:

​انطفاءٌ خاطف في الحدقة يعقب كل ضحكة مجلجلة. ​صمتٌ زائد يغلف كيانها فور خروجها من عتبة الدرس. ​نظرةٌ شاردة ترحلُ بعيداً، كأنها تسافر إلى جغرافيا لا تشبه جدران هذه المدرسة.

​في صباحٍ شاحب، تأخرت تماضر عن حصتها. حين دخلت الغرفة، لم تدخل "كاملة". كانت ابتسامتها حاضرة، لكنها كانت ابتسامة "ترميمية"، محاولةً قلقة للملمة شتات روحٍ مبعثرة. وحين رفعت يدها لتخطّ الكلمات على السبورة، لمحتُ على معصمها أثراً خفيفاً.. كدمةً بلون البنفسج الكئيب. لم تقل حرفاً، لكنني قرأتُ الوجع كأوضح نصٍ قصصي.

​في تلك اللحظة، لم أحتج لقرائن. الصمت الذي يسبق العاصفة في بيتها كان يتردد صداه في أروقة ذاكرتي:

"أما زلتِ تمارسين بهلوانيتكِ هناك؟"

"إنه شغفي.. إنه مبرر وجودي."

"شغفكِ هو معول هدمٍ لسكون البيت."

​انتظرتُها عند غسق الدوام. كانت تقف عند الباب الكبير، توزع ابتسامات الوداع على الطالبات كأنها توزع "قرابين" في طقسٍ وثني حزين. الكل يغادر ببهجة عابرة، وهي وحدها تتجرع مرارة الملح الذي خلفته الدموع الموؤودة.

​ناديتها بهدوءٍ لا يخدش صمتها:

— "تماضر.. تعالي إليّ قليلاً."

​التفتت، واستدعت فوراً قناعها "المهني". ابتسامةٌ جاهزة للخدمة. قلتُ لها، وأنا أشيح بنظري عن عينيها لئلا أهتك ستر كبريائها:

— "أحياناً يا تماضر، ينهكنا الوقوف في وجه الريح بصلابةٍ مستعارة. التعب الحقيقي ليس في طول الطريق، بل في عبثية شرحه لمن يصرُّ على العمى."

​لم تجب. جلست وكأن الجاذبية الأرضية انتصرت أخيراً على جسدها الواهن. قالت بصوتٍ يخرج من سردابٍ سحيق:

— "أضحكُ هنا، ست سعيدة، كي لا أتحول إلى حطامٍ هناك. الصف هو صومعتي الأخيرة."

​ثم أكملت، بمرارةٍ وجودية:

— "هو لا يكره عملي بذاته، هو يكره السطوع الذي يتلبسني حين أبدع. كلما نجحتُ، شعر بأنني أتسلق جداراً يعزله عني، وأنا في الحقيقة لا أبرح خندقي."

​نظرتُ إليها، لم أرَ مدرّسة، بل رأيتُ "إنسانة" تمشي على نصل حلاقة فوق هاوية التلاشي. قلتُ لها بوقار:

— "ربما ليس كل ما نخسره هو خسارة بالمعنى الأخلاقي. أحياناً، يكون خوفنا على ذواتنا هو الدليل القاطع على أن روحنا لم تزل تقاوم التنميط."

​نهضت، رتبت حقيبتها، وفي عينيها لمعت شرارةٌ مغايرة. لم تكن نظرة امتنانٍ عابرة، بل كانت نظرة "استعادة" للحضور. قالت بإصرارٍ هادئ:

— "سأحاول أن أظل تماضر التي أعرفها، لا تماضر التي يرتضيها الآخرون."

​في اليوم التالي، راقبتها وهي تشق طريقها نحو الصف. ضحكت كما تفعل دائماً، لكن ضحكتها لم تكن هذه المرة "ستارة" تواري خلفها الركام، بل كانت "مانيفستو" يُعلن للعلن: أن الضحك ليس هروباً دوماً.. بل هو أحياناً أرقى أشكال البقاء.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان


المزيد.....




- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...
- احتجاز الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر خلال احتجاج ض ...
- 120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف
- -روسيا وإيطاليا-.. كتاب جديد يرصد جسور الثقافة التي جمعت الب ...
- ما الأسماء التي يختارها الروس لمواليدهم في 2026 وما دلالاتها ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 9 )