سهام يوسف علي
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 11:30
المحور:
الادارة و الاقتصاد
السؤال يتكرر اليوم بإلحاح، لكن الإجابة لا تسير في اتجاه واحد بسيط، بل تضع هذا الرقم في خانة الاحتمالات القصوى لا التوقعات الطبيعية.
في الواقع، لا ترى المؤسسات المالية الكبرى مثل Goldman Sachs وBank of America أن 200 دولار هو المسار المتوقع للأسعار، بل تعتبره سيناريو صدمة مرتبطًا بظروف استثنائية. فالسوق، في وضعه الطبيعي حتى مع التوترات، يتحرك ضمن نطاق أقل بكثير، لأن آليات العرض والطلب لا تزال قادرة على امتصاص جزء كبير من الضغوط.
الشرق الأوسط، يعكس أننا نقترب من منطقة الخطر، حيث تبدأ الأسواق بالتسعير على أساس “الأسوأ المحتمل” لا “الوضع القائم”.
ارتفاع نفط عُمان إلى 166 دولار، ليس رقمًا عابرًا، بل إشارة عميقة إلى طبيعة المرحلة. فهذا الخام يُعد من المؤشرات الحساسة لسوق آسيا، ويتأثر مباشرة بمخاطر الإمدادات في الخليج. وعندما يقفز بهذا الشكل، فإن السوق لا يقول إن الإمدادات انقطعت فعليًا، بل يقول إنه يخشى أن تنقطع في أي لحظة.
وهنا تعود الجغرافيا لتفرض نفسها بقوة، وتحديدًا مضيق هرمز، الذي يمثل العقدة الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية. مجرد التهديد أو التوتر حوله كافٍ لإضافة ما يُعرف بـ “علاوة المخاطر” إلى الأسعار، وهي ليست تكلفة حقيقية للإنتاج، بل تكلفة الخوف من المستقبل. ان أي اضطراب طويل في مضيق هرمز لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل انتقال السوق من حالة التوتر إلى حالة الاختلال.
هنا فقط يبدأ الحديث الجدي عن أرقام كبيرة مثل 150 أو حتى 200 دولار. ليس لأن السوق يريد ذلك، بل لأن الإمدادات قد تتعرض لصدمة حقيقية لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع تصعيد واسع في المنطقة وعجز المنتجين عن سد الفجوة بسرعة.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد العالمي محكومًا بقانون مهم ، الأسعار المرتفعة تحمل في داخلها بذور تراجعها. فعندما ترتفع أسعار النفط بشكل حاد، يبدأ الطلب بالتراجع تحت ضغط التكلفة، وتتحرك الطاقات البديلة، وتلجأ الدول إلى احتياطاتها، فيعود التوازن تدريجيًا ولو بعد صدمة مؤلمة. لهذا السبب، حتى لو لامس النفط مستويات مرتفعة جدًا، فإن استمراره هناك يبقى محدودًا زمنياً.
أن الحديث عن 200 دولار ليس حديثًا عن سوق نفط فقط، بل عن نظام اقتصادي عالمي يدخل مرحلة ضغط شديد. عند تلك المستويات، لا نتحدث عن طاقة غالية فحسب، بل عن تضخم يتسارع، ونمو يتباطأ، وقدرة شرائية تتآكل، وربما بداية دورة ركود جديدة.
في النهاية، النفط لا يتحرك اليوم وفق منطق السوق وحده، بل وفق مزيج معقد من السياسة والخوف والتوقعات. لذلك فإن الوصول إلى 200 دولار، إن حدث، لن يكون مجرد ارتفاع في الأسعار، بل إشارة إلى أن العالم دخل لحظة اقتصادية حرجة تتجاوز حدود الطاقة إلى استقرار الاقتصاد العالمي نفسه.
#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟