أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية














المزيد.....

العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 11:39
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في البداية، وكما أؤكد دائمًا عند تدريسي لطلبة الدراسات العليا مادة الاقتصاد الكلي، فإن فهم السياسات الاقتصادية لا يبدأ من الأرقام، بل من تشخيص الحالة الاقتصادية. فلا توجد سياسة مالية أو نقدية صالحة لكل زمان ومكان، بل لكل اقتصاد ظرفه، ولكل مرحلة أدواتها. وما يصلح في اقتصاد مكتمل التشغيل قد يكون كارثيًا في اقتصاد راكد، وما يُعد انضباطًا ماليًا في بلد منتج قد يتحول إلى خنق اقتصادي في بلد ريعي هش كالعراق.
العراق يعاني اليوم من ركود واضح: أكثر من 70٪ من الموازنة تُنفق على المصروفات التشغيلية، وتتصدّرها الرواتب، بينما البطالة مرتفعة، لا سيما المقنّعة في القطاع العام. البنية التحتية هشة، خصوصًا الكهرباء والمياه، ونحو 17٪ من السكان يعيشون تحت خط الفقر، في ظل مستويات فساد مرتفعة تتجلى في امتيازات ورواتب الرئاسات العليا. ومع ذلك، يركز النقاش العام غالبًا على "الانضباط المالي"، وكأن المشكلة الأساسية ليست اختلال الاقتصاد نفسه.
وفق المنهج الكينزي، هذه البيئة ليست مناسبة لرفع الضرائب أو فرض التقشف، بل يفترض أن تكون السياسة توسّعًا ماليًا استثماريًا، وليس أنفاقا تشغيليًا استهلاكيًا. فالركود يعكس ضعف الطلب الكلي، وهذا الطلب لا يُعالَج بالجباية، بل يحتاج إلى إنفاق استثماري حقيقي يحرك الاقتصاد ويخلق وظائف.
يمكن قراءة ضعف الطلب الكلي في العراق عبر مؤشرات واضحة:
1.البطالة المرتفعة والمقنّعة تشير إلى أن الاقتصاد لا يستوعب كامل قوة العمل المتاحة، فيصبح الطلب على السلع والخدمات أقل من الطاقة الإنتاجية المتوفرة.
2. ضعف الاستثمار الخاص يجعل رأس المال مترددًا، والاعتماد على الاستيراد بدل الإنتاج المحلي يزيد من ضعف الطلب الكلي، إذ أن الاستثمار هو المكوّن الأكثر حساسية لتوقعات السوق.
3.هيمنة الإنفاق التشغيلي على الاستثماري، مع نحو 70٪ من الموازنة للرواتب والنفقات الجارية، يحافظ على حد أدنى من الاستهلاك لكنه لا يوسّع الطلب المستقبلي، ما يجعل الاقتصاد راكدًا.
الفقر يجعل شريحة واسعة من السكان غير قادرة على الاستهلاك الكافي.
4.ضعف البنية التحتية يزيد تكلفة الإنتاج ويحد من قدرة العرض على تلبية الطلب.
هنا يتكوّن ما يمكن تسميته "ركودًا مزدوجًا": ضعف في الطلب من جهة، وقيود على العرض من جهة أخرى.
حتى استقرار الأسعار نسبيًا لا يدل على صحة الاقتصاد، فهو نتيجة دعم حكومي للسلة الغذائية وتدخل إداري، وليس انعكاسًا لتوازن طبيعي بين العرض والطلب. التضخم المنخفض في ظل بطالة وفقر لا يعني عافية اقتصادية، بل ركودًا مكبّحًا، كما يشير المنهج الكينزي.
في بداية عام 2026، فرضت الحكومة رسومًا جمركية مرتفعة على السلع الكمالية مثل السيارات والأجهزة الكهربائية والهواتف ، في حين بقيت السلع الأساسية مثل الأدوية والمواد الغذائية معفاة أو برسوم منخفضة جدًا. وفقًا للمسؤولين والخبراء الاقتصاديين، الهدف من هذه الإجراءات هو تنظيم السوق، دعم المنتج المحلي، توحيد التعريفات بين الإقليم والمركز، وضبط التهريب. ومع ذلك، شهد السوق ارتفاعًا في أسعار بعض الأجهزة نتيجة اختلال آليات التسعير وسياسات الاستيراد، وهو ما يضغط على القوة الشرائية للمستهلكين ويخلق سوقًا موازية محتملة للأجهزة المستعملة أو المهرب.
من منظور كينزي، مثل هذه الإجراءات قد تكون مفيدة إذا تم توجيه العوائد نحو الاستثمار المنتج وخلق وظائف حقيقية، وليس فقط لضبط الإيرادات أو تغطية العجز. في الحالة العراقية الحالية، ومع غياب توسع استثماري حقيقي، فإن الرسوم تعمل كأداة محاسبية أكثر منها أداة تحريك اقتصادي، مما يعزز الركود بدل معالجته.
في ضوء ضعف الطلب الكلي والركود ، يصبح من الضروري أن تتجه السياسة الاقتصادية إلى الإنفاق الاستثماري المدروس، حتى لو استلزم ذلك عجزًا مؤقتًا. كينز لم يكن ضد العجز، بل ضد العجز العقيم؛ العجز الذي يُموّل رواتب وامتيازات هو عبء، بينما العجز الذي يُموّل البنية التحتية أو الصناعة أو الزراعة هو استثمار في المستقبل. لذلك، الأولوية في السياسة الكينزية هي للإنفاق العام الاستثماري، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع العجز أو التضخم نسبيًا، فالمهم أن يُحرّك الاقتصاد ويُخلق دخل وفرص عمل..
المفارقة أن العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من سوء ترتيب الأولويات. الدولة توازن دفاترها لتبدو مستقرة على الورق، لكنها لا توازن اقتصادها ليكون قادرًا على الإنتاج والتشغيل، فالاقتصاد العراقي يحتاج إلى دفعة استثمارية قوية.

في حالة العراق، كينز كان سيقول ببساطة: شغّل الناس أولًا، حرّك الطلب، ابنِ البنية التحتية، وساعتها فقط سيأتي التوازن المالي من تلقاء نفسه.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...
- هل يعود العراق إلى “الورقة البيضاء”؟ ولماذا قد تكون الخيار ا ...
- النفوذ الأميركي الثلاثي في العراق: بين الحاجة والهيمنة
- انتخابات تخطف الأبصار لكنها لا تضيء الطريق
- لماذا لا نملك -لي كوان يو- عراقياً؟
- ليس في الجراب غير الطائفية
- حين يبكي العراق: أسطورة الأنهار والدموع
- اقتصاد يئنّ... وساسة يتحدثون عن الرفاهية
- الرفاه الريعي في العراق: حين يجد العراقي الموز ولا يجد الكهر ...
- العراق في تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لصندوق النقد الدولي 2 ...
- فتاوى ضد التغيير: حين صار الوطن كافرا والفساد مؤمنا-
- العراق: دولة غنية بالفقر


المزيد.....




- مصر وسوريا تفتحان آفاق جديدة في التعاون الاقتصادي.. ومصادر ت ...
- الاقتصاد تحت النار: وزير المالية السوداني يتحدث عن فقدان جمي ...
- بـ 1300 للدولار وتوقعات نفطية متدنية.. موازنة 2026 ترسم ملام ...
- باحث اقتصادي: تطبيق الأسيكودا أنعش منافذ كردستان
- اليمن يسعى لجذب استثمارات دولية بقطاع المعادن النادرة
- إيرباص تسلم أكبر عدد من طائرات A320 منذ 2019
- ترامب سيحضر منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا الأسبوع المقبل
- تراجع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار
- حين تأتي الصخور من الفضاء.. كيف تهدد النيازك والكويكبات الأر ...
- مصدر ترفع القدرة الإنتاجية لمحفظة مشروعاتها إلى 65 غيغاواط


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية