أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهام يوسف علي - حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياسي














المزيد.....

حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياسي


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 11:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين قالت السيدة النائب ، زهراء الساعدي حرفيًا: «كلام السيد هادي العامري مقدس»، لم تكن مجرد زلة لسان، بل إعلان صريح عن طريقة تفكيرها في الخطاب السياسي. المسألة لا تتعلق بعبارة عابرة أو حماس لحظة، بل بشيء أعمق وأخطر: الطريقة التي يُعاد بها تعريف السياسة في الوعي العام، بعيدًا عن العقل والمساءلة.

زهراء الساعدي لم تتحدث في مجلس خاص، ولم تكتب منشورًا عاطفيًا، بل أدلت بتصريح علني بصفتها ممثلة للشعب. وهنا تصبح الكلمات محسوبة، لأن اللغة في السياسة ليست بريئة. فمفهوم «المقدس» ليس مجازًا واسع الاستخدام، بل مصطلح ثقيل، له جذور دينية واضحة، ارتبط تاريخيًا بنصوص الوحي لا بخطاب البشر، مهما كانت مواقعهم أو أدوارهم.

الإشكال الحقيقي لا يكمن في نوايا النائبة، بل في الرسالة التي يصل صداها إلى المجتمع: رسالة تقول، بشكل غير مباشر، إن بعض الخطابات السياسية لم تعد قابلة للنقاش، وأن أسماءً بعينها يجب التعامل معها بحذر يشبه التحريم. هنا تبدأ السياسة بالانزلاق من مجال الرأي إلى مجال الإيمان، ومن مساحة النقد إلى منطقة المحظور.

وحين يُمنح الكلام السياسي صفة “القداسة”، يفرض سؤال نفسه بقوة: إذا كان هذا مقدسًا، فأين نقف بالمقدسات الأخرى؟ ماذا يبقى لمعنى القداسة الدينية نفسها، إذا أصبحت تُوزَّع على الخطب والمواقف والتحالفات؟ .

ولو أخذنا كلام السيدة زهراء الساعدي حرفيًا، فإن النتيجة المنطقية المدهشة ستكون أن كل سياسي سيصبح “مقدسًا” بمجرد أن يُنسب إليه كلام يُعجب به أنصاره. فكرة كهذه تفرغ مصطلح القداسة من معناها، وتحول السياسة إلى مجموعة من الرموز الجامدة، كل واحد منها فوق النقاش، وكل واحد يُعامل كما لو أنه عصمة، حتى لو اختلفت مواقفه وأخطاؤه. وفقًا لهذا المنطق، إذا أصبح كلام أي سياسي مقدسًا، فالمسألة لن تتوقف عند شخصية معينة ، بل سيتحول البرلمان كله إلى مجموعة من الأوصياء على المقدسات السياسية. وهكذا يُصبح التقديس عادة يومية، والمساءلة فكرة غريبة، والاختلاف خيانة.

في مثل هذا المناخ، لا يعود الاختلاف اختلافًا مشروعًا، بل يُفهم كتشكيك، ولا يعود النقد ممارسة صحية، بل يُقرأ كخروج عن الصف. وهكذا، بهدوء، يتغير ميزان القيم: يُنزَع العقل من موقعه الطبيعي، ويُستبدل بولاء أعمى لا يقبل السؤال.

وفي أي نظام يُفترض أنه ديمقراطي، السياسي ليس فوق الخطأ، ولا فوق المحاسبة. يُصيب أحيانًا ويُخطئ كثيرًا، ويُقيَّم بقراراته لا بهالته. وعندما تدخل لغة التقديس إلى الخطاب النيابي، فنحن لا نواجه زلة لسان، بل تراجعًا خطيرًا في الثقافة السياسية، حيث يصبح القائد رمزًا، والرمز خطًا أحمر، والخط الأحمر نهاية النقاش.

واللافت أن هذا النوع من الغلو، إن كان صادقًا في نيّته، يُفترض ألّا يرضي حتى الشخص الذي يُنسب إليه. فالقائد السياسي، أيًّا كان موقعه، لا يستفيد من تحويل كلامه إلى “مقدس”، لأن ذلك يضعه في موضع لا يُحسد عليه: موضع من يُصادَر عنه النقد، ويُحاط بهالة تمنع حتى أنصاره من مساءلته. التاريخ السياسي، والديني على حد سواء، يُظهر أن التقديس لا يحمي القادة، بل يعزلهم عن الواقع، ويحوّلهم من فاعلين إلى رموز جامدة، تُدافع عنها الحاشية أكثر مما يخدمها أصحابها.

الأخطر من التصريح نفسه هو ما يترتب عليه: كيف يمكن محاسبة سلطة يُقال إن كلامها مقدس؟ وما هو دور البرلمان إذا كان بعض أعضائه يعلنون، صراحة أو ضمنًا، تعطيل عقولهم السياسية أمام شخصيات محددة؟

المسألة لا تحتاج إلى اعتذار إعلامي بقدر ما تحتاج إلى مراجعة عميقة لفكرة السلطة ذاتها. فالسلطة وظيفة عامة، لا مقام روحي؛ والسياسي خادم للمصلحة العامة، لا شخصية فوق النقد. والكلمات، حين تصدر من نائب، تصنع وعيًا أو تُفسده.
أن النقد السياسي والمساءلة العامة لا يجب أن يُختلطا بالقداسة، وأن تبقى السياسة مجالًا للعقل والحوار المنطقي بعيدًا عن أي غلو أو تقديس بشري.
.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...
- هل يعود العراق إلى “الورقة البيضاء”؟ ولماذا قد تكون الخيار ا ...
- النفوذ الأميركي الثلاثي في العراق: بين الحاجة والهيمنة
- انتخابات تخطف الأبصار لكنها لا تضيء الطريق
- لماذا لا نملك -لي كوان يو- عراقياً؟
- ليس في الجراب غير الطائفية
- حين يبكي العراق: أسطورة الأنهار والدموع
- اقتصاد يئنّ... وساسة يتحدثون عن الرفاهية


المزيد.....




- نورمان فينكلشتاين.. الأكاديمي اليهودي الذي كسر -تابوهات- الا ...
- إفطارات لندن المفتوحة.. شباب مسلمون يواجهون خطر التشريد المك ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يعلن مسؤوليته عن تفجير مسجد شيعي في ...
- الساعدي القذافي: ننتظر نتائج التحقيقات في اغتيال سيف الإسلام ...
- مصر.. بيان عاجل بعد جدل -منع إذاعة الأذان والتراويح-
- هل علاقة إيهود باراك بجيفري إبستين تشير إلى أنه عمل لصالح إس ...
- ليببا: بحضور الآلاف .. جثمان سيف الإسلام القذافي يواري الثر ...
- رافعين صور والده والأعلام الخضراء.. آلاف الليبيين يشيعون سيف ...
- تشييع جثمان سيف الإسلام القذافي وسط هتافات مؤيدة للنظام السا ...
- ليبيا.. تشييع جثمان سيف الإسلام القذافي في بني وليد وسط إجرا ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهام يوسف علي - حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياسي