أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات والتداعيات















المزيد.....

المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات والتداعيات


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 14:51
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


العالم اليوم يتحرك بسرعة نحو اقتصاديات قائمة على الوفرة والمعرفة، حيث تُولَّد القيمة باستمرار عبر الابتكار، والتكنولوجيا، والتعليم التقني. الدول التي حققت تحولات اقتصادية ناجحة لم تعد تجعل من تضخم القطاع العام أو عدد الموظفين معيارًا للقوة، بل باتت تقيس قدرتها على إدارة الموارد بذكاء، خلق القيمة الحقيقية، ضبط الإنفاق، وتحويل الأموال من الإنفاق الاستهلاكي غير المنتج إلى استثمارات مستدامة في الإنسان، والبنية التحتية، والتقنية.
في المقابل، نجد أنفسنا في العراق محاصرين بين خيارين يبدوان وكأنهما من زمن اقتصادي مختلف: تخفيض قيمة الدينار أو محاولة ترشيد الامتيازات والرواتب في مراكز القرار. الواقع أن كلا الخيارين ينتمي إلى اقتصاد الندرة لا اقتصاد الوفرة، إلى ثقافة توزيع الثروة لا ثقافة إنتاجها. فبينما العالم من حولنا يبتكر ويخلق ثروات جديدة، نحن منشغلون بكيفية تقاسم ثروة واحدة قابلة للنضوب – النفط – بين حلول مؤقتة ومؤلمة.
حين تواجه الحكومة العراقية ضغوطًا مالية، تُطرح الخيارات وكأنها حتميات لا بد منها: إما تخفيض الرواتب أو رفع سعر صرف الدولار. ويُقدَّم الأمر للرأي العام بوصفه “قرارًا مؤلمًا لا مفر منه”، مع تغييب متعمد لسؤال أبسط وأخطر: لماذا لا تبدأ المعالجة من أعلى الهرم قبل النزول إلى قاعدته؟
سعر الصرف: سعر كل الأسعار
في اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، لا يمكن ترك سعر الصرف لتقلبات السوق أو لأمزجة النخب. فكل انخفاض في قيمة الدينار يعني عمليًا انتقال جزء من الثروة الوطنية إلى الخارج. تصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة، وترتفع أسعار الخدمات بما يفوق قدرة المواطن على المواكبة. هذا التضخم لا يبقى حبيس المؤشرات والأرقام، بل يتحول إلى ضغط يومي ملموس على كل بيت، يحدّ من القدرة على الادخار، ويجبر الأسر على تقليص احتياجاتها الأساسية.
يتسرب الأثر إلى الاقتصاد ككل؛ الاستثمار يتراجع، النشاط التجاري يصبح أكثر مخاطرة، والإنتاج المحلي يواجه صعوبات متزايدة في المنافسة بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات. كما يفاقم انخفاض قيمة العملة الفوارق الاجتماعية، إذ تتحمل الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل العبء الأكبر، بينما تبقى الامتيازات والمخصصات السياسية والمالية للنخبة محصّنة من أي تعديل. وهكذا يتحول تغيير سعر الصرف من أداة مالية إلى أداة لإعادة توزيع غير متوازن للثروة، تؤكد أن الاقتصاد يُدار وفق أسهل الطرق لا وفق منطق العدالة.
رفع سعر الصرف في جوهره ضريبة غير مباشرة يدفعها المواطن البسيط، ولا يمكن أن يشكّل حلًا حقيقيًا لمشكلة العجز المالي ما لم يُقترن بمعالجة الأسباب الهيكلية التي أوصلتنا إلى هذا المأزق، وفي مقدمتها الفساد، والهدر، واقتصاد الريع، وغياب الرؤية الاستراتيجية لتنويع مصادر الدخل. أي محاولة للسيطرة على العجز عبر التضحية بالقوة الشرائية للمواطن ستبقى قاصرة وغير فعّالة دون إصلاحات عميقة وشاملة.
امتيازات النخبة: العقدة المؤجلة في أي إصلاح
أما مراجعة الامتيازات والرواتب في مراكز القرار، فهي خطوة سياسية نادرة، لأنها تتطلب مساءلة هرم وظيفي مقلوب، يكبر فيه الراتب كلما ارتفع المنصب، بمعزل عن الإنتاجية أو القيمة المضافة. وتشمل هذه الامتيازات الرواتب المزدوجة، المخصصات الخاصة، الحمايات السياسية، المكاتب الاقتصادية داخل الوزارات، والعقارات العامة التي تدر إيرادات كبيرة خارج الخزينة.
استمرار هذا النمط من الامتيازات يحافظ على اقتصاد استهلاكي قائم على الهدر، فيما يُطلب من المواطن أن يتحمل تبعات التضخم وتراجع القوة الشرائية. لذلك، فإن أي حديث عن تخفيض الرواتب أو رفع سعر الصرف دون الاقتراب من قمة الهرم يظل بلا جدوى اقتصادية أو عدالة اجتماعية.
تكشف الأرقام عن وجود موارد ضخمة لا تخضع لإدارة شفافة: منافذ جباية، عقارات، إيرادات بلدية، وأموال عامة تتحرك خارج النظام المالي الرسمي، دون أن تنعكس على تحسين الخدمات أو تخفيف الضغط عن الموازنة. هنا يتضح جوهر الأزمة: لسنا أمام شحّ في المال بقدر ما نحن أمام أزمة قرار وعدالة توزيع. فالدول التي تفكر بالمستقبل تبدأ بإصلاح بنيتها من الأعلى قبل أن تمس دخول مواطنيها.
تراجع الامتيازات لا يعني إضعاف الدولة، بل إعادة هيكلة الإنفاق، ضبط الإيرادات، وحماية الطبقة الوسطى بوصفها عماد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. أما الاقتصادات التي تختار الحل الأسهل، فتؤجل الانفجار ولا تمنعه.
إن الاستمرار في معالجة العجز عبر جيب المواطن، مع إبقاء أبواب النفوذ والهدر مفتوحة، لن يؤدي إلى إصلاح، بل إلى إنهاك بطيء للمجتمع وتآكل الثقة بين الدولة والناس. فالدولة التي لا تجرؤ على الاقتراب من امتيازات قمتها، ستظل تطلب التضحيات من قاعدتها.
سؤال الدولة قبل سؤال المال
يبقى السؤال معلقًا، لا بوصفه سؤالًا ماليًا، بل سؤال دولة: هل نريد اقتصادًا يُدار بالعدالة والكفاءة، أم نظامًا يُدار بمنطق تأجيل الأزمة وتحميلها دائمًا للأضعف؟ وإلى متى سنستمر في اختيار الأسهل، ونترك الأصعب – لأنه الأصدق – خارج النقاش؟
التجارب الدولية تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة. فحين تتنازل النخبة طوعًا عن جزء من امتيازاتها، تُستعاد الثقة، ويُفتح الطريق لإصلاحات أعمق وأكثر استدامة. أما فرض التقشف على المواطن مع الحفاظ على امتيازات الطبقة السياسية، فهو وصفة مؤكدة لفشل أي مشروع إصلاحي.
الدفاع عن الامتيازات بحجة “كرامة المنصب” يتجاهل حقيقة أن كرامة المنصب تُستمد من خدمة الناس لا من العزلة عنهم. فالقائد الذي يعيش ضمن إمكانيات بلده يكون أقدر على فهم تحدياته واتخاذ قرارات عادلة ومسؤولة.
المفاضلة واضحة: رفع سعر الصرف يحمي الامتيازات مؤقتًا لكنه يرهق المواطن ويطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، بينما مراجعة الامتيازات صعبة سياسيًا لكنها الخيار العادل الذي يحرر الموارد، يقلل الهدر، ويضع الاقتصاد على مسار نمو مستدام.
الاقتصاد الوطني لا يُبنى على الهروب من الحقيقة ولا على حلول مؤقتة. أي دولة تختار حماية امتيازات القلة على حساب المواطنين تحكم على نفسها بالبقاء في مؤخرة الركب، وتترك أسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية معلقة إلى أجل غير معلوم.
وأخيرا ، لم يعد السؤال المطروح هو: أيّ الخيارين أصلح اقتصاديًا؟ بل: من يدفع الثمن، ومن يُحمى؟ فكل قرار بتخفيض قيمة العملة هو قرار واعٍ بنقل العبء من مراكز السلطة إلى موائد الفقراء، وكل تأجيل لمراجعة الامتيازات هو إقرار ضمني بأن الدولة لا تزال تُدار بمنطق الحصانة لا المسؤولية.
إن الدولة التي تخشى الاقتراب من امتيازات قادتها، وتفضّل المساس بقوت مواطنيها، لا تعاني أزمة موارد، بل أزمة أخلاق سياسية. فالاقتصاد ليس أرقامًا في جداول، بل انعكاس مباشر لطبيعة العقد الاجتماعي. وحين يُختزل هذا العقد في معادلة مختلّة: “تحمّلوا أنتم… ونحتفظ نحن بمكتسباتنا”، فإن النتيجة الحتمية ليست الإصلاح، بل فقدان الشرعية.
الحديث عن التقشف يفقد أي معنى حين لا يبدأ من القمة. بل يتحول إلى خطاب تضليلي يُستخدم لتبرير الفشل، وإعادة إنتاجه تحت مسميات فنية. فكيف يُطلب من المواطن أن يصبر، بينما تُصان الامتيازات وكأنها خطوط حمراء مقدسة؟ وأي إصلاح هذا الذي يُحمّل الفئات الأضعف كلفة قرارات لم تشارك في صناعتها؟
إن تخفيض الامتيازات ليس تنازلاً، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة. ومن يرفض هذا الاختبار، لا يرفضه خوفًا على الاقتصاد، بل خوفًا على منظومة مصالح اعتادت أن تعيش خارج منطق المساءلة. لذلك، فإن الإصرار على حلول تمسّ العملة ولا تمسّ الامتيازات، هو اختيار سياسي قبل أن يكون اقتصاديًا، واختيار ينحاز بوضوح ضد العدالة.
التاريخ لا يرحم الدول التي تساوم على كرامة شعوبها. وكل تجربة تُثبت أن الأزمات لا تُحل بإفقار الناس، بل بكسر الامتيازات. وأن الدولة التي لا تجرؤ على إصلاح نفسها من الداخل، ستُجبر يومًا ما على الإصلاح من الخارج، ولكن بثمن أعلى، وبشروط أقسى.
في هذه اللحظة، لم يعد الإصلاح مسألة تقنية، بل مسألة شجاعة. فإما دولة تواجه امتيازاتها، أو دولة تُراكم الانهيار وتطلب من مواطنيها الصمت. وما بين الخيارين، تُكتب النهاية: إصلاح يبدأ من القمة… أو أزمة تُدار إلى أن تنفجر.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...
- هل يعود العراق إلى “الورقة البيضاء”؟ ولماذا قد تكون الخيار ا ...
- النفوذ الأميركي الثلاثي في العراق: بين الحاجة والهيمنة
- انتخابات تخطف الأبصار لكنها لا تضيء الطريق
- لماذا لا نملك -لي كوان يو- عراقياً؟
- ليس في الجراب غير الطائفية
- حين يبكي العراق: أسطورة الأنهار والدموع
- اقتصاد يئنّ... وساسة يتحدثون عن الرفاهية
- الرفاه الريعي في العراق: حين يجد العراقي الموز ولا يجد الكهر ...


المزيد.....




- ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار اليوم الأربعاء
- رغم غناهما بالنفط.. هكذا يعاني سكان الحسكة ودير الزور من ترد ...
- سعر الجنيه مقابل الدولار في البنوك المصرية اليوم الأربعاء
- في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.. إيران منفتحة على التسوية الدبلوم ...
- بعد بريطانيا وكندا.. ألمانيا تعزز علاقاتها الاقتصادية مع الص ...
- شركة -ASML- تسجل ربحا قياسيا بقيمة 11.5 مليار دولار في 2025 ...
- أمازون تشطب 16 ألف وظيفة عالميا
- الولائي: التدخل الأميركي السافر نسف للتجربة الديمقراطية بعد ...
- مؤتمر في عُمان يبحث اقتصاد الفضاء العالمي
- خارج حدود الخزانة.. استخدامات ذكية لكرات النفتالين في منزلك ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات والتداعيات