أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987















المزيد.....

التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 12:39
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في وقت تبحث فيه دول العالم عن قوانين جديدة لتأمين المستقبل، يجد العراق نفسه في دائرة الماضي، إذ استدعت حكومة السيد محمد شياع السوداني في فبراير 2026 ،قانون صدر عام 1987 لمواجهة أزمتها المالية الخانقة.
قانون حزب "البعث" المنحل يحمل الرقم 770، صدر في زمن الحرب مع إيران، عندما كانت الدولة تعيد ترتيب أولوياتها المالية والبشرية. واليوم، بعد نحو أربعة عقود، يعود هذا القانون إلى الواجهة، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج الحلول نفسها، لمشكلات تبدو متشابهة في جوهرها، وإن اختلفت عناوينها.

الأزمة المالية في العراق ليست وليدة اللحظة، ولا سببها فقط وجود موظفين “فائضين”. المشكلة الحقيقية تكمن في تراكم قرارات سياسية وإدارية على مدى عقود، جعلت الجهاز الحكومي أكبر بكثير من احتياجات الدولة الفعلية، بينما الاعتماد شبه الكلي على النفط جعل الموازنة هشّة أمام أي تذبذب في أسعار الخام.

منذ 2003 وحتى اليوم، حصلت زيادة كبيرة بأعداد الموظفين ،اذ ارتفع العدد من مليون موظف الى 4.5 مليون كحل سياسي سريع لامتصاص البطالة وكسب الولاءات، دون ربط هذه التعيينات بالإنتاجية أو الحاجة الفعلية للقطاع العام. تقدر رواتب هؤلاء الموظفين مع رواتب المتقاعدين ورواتب الرعاية الاجتماعية ب 8 ترليون دينار

تقف الحكومة العراقية اليوم أمام معادلة صعبة: كيف تخفف الأعباء المالية من دون أن تفقد تماسكها الاجتماعي؟ مع وصول رواتب القطاع العام إلى ما يقارب 90% من الموازنة، ومع وجود أكثر من 4.5 مليون موظف على قائمة الرواتب، باتت الدولة شبيهة بمن يسقي البحر، اذ تنفق على الرواتب بشكل يفوق قدرتها المالية، ما يضعف الاستدامة الاقتصادية.

لماذا تتجنب الدولة الإصلاح الحقيقي وتلجأ إلى قانون قديم؟

تتجذر مشكلة تجنب الدولة العراقية للإصلاح الاقتصادي الحقيقي في غياب البديل الاقتصادي ،فالاقتصاد العراقي يعتمد على النفط بنسبة 85–90% من الإيرادات، القطاع الخاص ضعيف ولا يستطيع استيعاب الأعداد الكبيرة من الموظفين الجدد، مما يجعل أي إصلاح هيكلي حاد محفوفاً بالمخاطر الاجتماعية، وهذا الوضع يولّد إدماناً سياسياً على الإنفاق التوسعي في فترات الوفرة النفطية.
كما ان إعادة هيكلة الرواتب أو تقليص الجهاز الحكومي تعني مواجهة ملايين الأسر، في بيئة سياسية تتقاطع فيها المحاصصة مع الضغوط الاجتماعية. الحكومات المتعاقبة واجهت هذا الواقع بخيارات شعبوية ،التعيين كثمن سياسي، والحفاظ على الامتيازات للقمة، بينما تُترك القاعدة تتحمل العبء.
وعند حلول الأزمات المالية الناجمة عن هبوط أسعار النفط ، تجد الدولة نفسها عاجزة عن تفكيك هذا الهيكل المتضخم لأن الإصلاح الحقيقي الذي يتطلب ربط الأجور بالإنتاجية، ورقمنة الأنظمة الوظيفية لكشف الهدر، وتنويع مصادر الدخل عبر تطوير قطاع خاص حقيقي، وفرض ضرائب تصادمية، كل هذه الإجراءات تواجه مقاومة شرسة من قوى سياسية وإدارية راسخة تستفيد من استمرار غموض النظام الاقتصادي وغياب الشفافية، لذلك تلجأ الحكومة إلى حلول ترقيعية كقانون 770 لسنة 1987 لأنه يوفر مخرجاً سريعاً يخفف الضغط المالي الآني عبر إعادة توزيع الأعباء على صندوق التقاعد دون المساس بجوهر النظام الريعي أو مواجهة التحالفات السياسية التي تقوم على استمرار هشاشة الاقتصاد وضعف الدولة المنتجة.

ما الذي يفعله القانون 770؟

اللجوء إلى القانون القديم يحمل آثارًا متفاوتة على مستويات مختلفة. على المدى القصير، يقلل عدد الموظفين الفعليين ويخفف الإنفاق الشهري على الرواتب، ما يمنح الدولة متنفسًا ماليًا مؤقتًا. لكن على المدى المتوسط، لا يعالج هذا الإجراء الالتزامات التقاعدية المستقبلية، ولا يخلق وظائف إنتاجية، ولا ينقل الفائض الوظيفي إلى الاقتصاد الحقيقي، ليظل تأثيره محدودًا وبلا جدوى استراتيجية.
رمزية القرار تكشف ازدواجية واضحة، يتحمل الموظفون العاديون العبء المباشر، بينما الحاشية والمستشارون والسياسيون يستمرون في امتيازاتهم دون أي تعديل. هذه الممارسة لها انعكاسات هيكلية خطيرة، أبرزها إضعاف الثقة المؤسسية، حيث يشعر الموظفون بعدم الأمان الوظيفي، ما يضعف الإنتاجية والالتزام. كما يهدد القرار الركود الاقتصادي، إذ يؤدي انخفاض رواتب موظفين كبار أو متوسطين إلى تراجع الاستهلاك المحلي وزيادة هشاشة الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، تؤدي ازدواجية تطبيق القرارات إلى تعزيز الاحتقان الشعبي وتقليل مصداقية الدولة، لأن القمة لا تُطال بينما القاعدة تتحمل الإصلاح.
المخاوف اليوم تتجاوز الجانب المالي إلى الجانب الإنساني والسياسي. من سيحدد "الموظف الفائض"؟ هل هي معايير الكفاءة والإنتاجية، أم أنها ستخضع لمنطق المحاصصة والمحسوبية والولاءات الحزبية؟

في بلد اعتاد المواطن فيه أن يرى التوظيف سلعة انتخابية، يخشى أن يتحول "التقاعد المؤقت" إلى أداة جديدة لإعادة ترتيب الأوراق، تصفية حسابات، أو حتى ابتزاز سياسي. "الموظف الفائض" قد يكون ببساطة من لا يملك واسطة، ومن لا ينتمي لإحزاب السلطة، ومن لم يسدد فاتورة الولاء.

هنا يطرح السؤال الأعمق: ماذا يعني أن تعود حكومة في 2026 إلى قانون صدر في 1987؟ أليس هذا دليلاً على أن الدولة العراقية لم تستطع خلال كل هذه العقود أن تنتج تشريعات حديثة تواكب متغيرات العصر وتحقق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد؟

المشكلة ليست في القانون 770 بحد ذاته، فهو مجرد أداة. المشكلة في غياب رؤية اقتصادية متكاملة تعالج التضخم الوظيفي، وتنوع مصادر الدخل، وتعيد هيكلة الدولة على أسس حديثة. المشكلة أننا ننتظر حتى تتفاقم الأزمة، ثم نبحث في أدراج الماضي عن حلول كانت مؤقتة في زمنها، فكيف بها اليوم؟

في مقاهي بغداد والموصل والبصرة، يتبادل الموظفون أرقاماً ومخاوف. هل سيصل الدور إليهم؟ هل سيكونون ضمن قوائم "الفائضين"؟ وفي البيوت، تتساءل ربات الأسر عن مصير قوت أطفالهن. خلف الأرقام الاقتصادية الكبيرة، هناك آلاف القصص الإنسانية الصغيرة التي تنتظر ما ستسفر عنه الأيام.

حكومة السوداني تقول إنها مضطرة، وإن الظروف المالية تفرض خيارات صعبة. الموظفون يخشون أن يكونوا ثمن إصلاحات لا يدركون تفاصيلها. وبين هذا وذاك، يبقى قانون 1987 شاهداً على أن العراق ما زال يدور في فلك أزماته القديمة، يبحث عن حلول جديدة في صدأ الماضي.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...
- هل يعود العراق إلى “الورقة البيضاء”؟ ولماذا قد تكون الخيار ا ...
- النفوذ الأميركي الثلاثي في العراق: بين الحاجة والهيمنة
- انتخابات تخطف الأبصار لكنها لا تضيء الطريق
- لماذا لا نملك -لي كوان يو- عراقياً؟
- ليس في الجراب غير الطائفية
- حين يبكي العراق: أسطورة الأنهار والدموع


المزيد.....




- انطلاق أعمال اللجنة المشتركة التاسعة عشرة للتعاون الاقتصادي ...
- انطلاق أعمال اللجنة المشتركة التاسعة عشرة للتعاون الاقتصادي ...
- الذهب ينخفض وسط توقعات بخفض الفائدة الأميركية
- عيار 21 يتراجع.. أسعار الذهب في مصر اليوم الاثنين
- نمو ضعيف لاقتصاد اليابان وضغوط على الأسهم
- المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي: طهران تدين بشدة ت ...
- مراجعة رؤية السعودية لـ 2030: واقعية اقتصادية أم تراجع عن ال ...
- سفينة تركية تبدأ أول مهمة خارجية للتنقيب عن النفط بسواحل الص ...
- الهند تسعى إلى تصنيع أشباه موصلات متطورة
- من ميونيخ… الإمارات تحتفي بشراكاتها لدعم أمن الطاقة


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987