أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابرام لويس حنا - التوارة كوثيقة سياسية















المزيد.....


التوارة كوثيقة سياسية


ابرام لويس حنا

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 02:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


على عكس الشائع، يمكن قراءة التوراة في أصلها بوصفها نصًّا يحمل بُعدًا سياسيًّا ذكيًّا، ويُعظِّم الدور المصري في المنطقة. فالسرد التوراتي لا يقدّم تاريخًا دينيًّا فحسب، بل يبني منظومة رمزية وسياسية تُفسِّر نشأة الشعوب والعلاقات بينها.

تبدأ الرواية بذكر أن اليهود من نسل النور، أي من **أتوم / آدم**؛ ذلك الإله الذي أنجب **قايين وهابيل**. ويُصوَّر قايين رمزًا للعاملين في الأرض، أي الزُّرّاع، وهم الكنعانيون على الأرجح؛ إذ إن الألفاظ بين «قايين» و«كنعان» متقاربة، ولعل المقصود بها الكنعانيين والمصريين معًا بوصفهم شعوب الزراعة.

وفي المقابل يظهر هابيل رمزًا للرعاة، أي رعاة الغنم والإبل. ومن ثمّ يُلمح النص إلى صراعٍ قديم بين الزُّرّاع والرُّعاة؛ إذ قامت كنعان والكنعانيون على رعاة الإبل وقتلوهم، فكان بين الفريقين صراع انعكس في قصة العلامة التي وُضعت على قايين، بوصفها علامة الصراع، وكذلك في الوعد الإلهي بأن من يقتل الراعي يُنتقم منه سبع مرات.

ثم يعوّض الله آدم وحواء بابنٍ آخر هو شيث שֵׁת Šēt، الذي يُنطق في العبرية قريبًا من «صد» 0(الصائد) أو «ست»، وهو الإله الصياد وسيد الصحراء. ويحتمل أن يكون المقصود هنا كذلك مهنة الصيد ذاتها، كالصيد في البحر، وهو ما قد يرمز إلى الفينيقيين، الذين تكاثروا وأنجبوا **أنوش**؛ أي «الأنوس» أو «الناس»، أي البشر عامة. ومع ازدياد البشر ازدادت السفن والمركبات، وازدادت معها الغزوات البحرية.

---

## نوح وسيد البحار وتقسيم العالم

مع ازدياد البشر ظهرت الغزوات الكبرى التي مثّلها **نوح**، بوصفه سيد البحار وسفنها. ففي الرواية التوراتية أغرق نوح الأشرار، ثم استولى على الأراضي ووزعها على أبنائه الثلاثة:

* **سام**: أي الأراضي الشرقية السامية.
* **حام**: أي الأراضي الحارة أو الوسطى، مثل كنعان ومصر وشبه الجزيرة.
* **يافث**: أي حاكم الأراضي الواقعة إلى الغرب وما وراء البحار، مثل بلاد اليونان.

ومن نوح، سيد البحار، ظهر «البيت العظيم» أو **إبرام (بر أي بيت بالمصرية القديمة)**، أي السيد العظيم، الذي صُوِّر لاحقًا في صورة **إبراهيم**. وقد عقد إبراهيم تحالفات مع أور الكلدانيين، ثم ارتحل إلى البلاد الحارة، أي حاران، واستقر في الأراضي الخضراء المرتفعة، أي كنعان.

---

## التحالفات مع مصر ودلالة قصة إبراهيم

في تلك المرحلة كانت إسرائيل تتأرجح بين التحالف مع مصر تارة ومع الفرس تارة أخرى، غير أن ميلها كان في الغالب إلى الإمبراطورية المصرية. ويتضح ذلك من قصة ارتحال إبراهيم إلى مصر بسبب المجاعة التي أصابت بلاده.

فالقصة قد تشير إلى سياسة الترحيل أو إلى موجات الهجرة الناتجة عن المجاعات، أو ربما إلى تحالفات سلمية بين الممالك. ويظهر هذا في قصة **ساراي**، التي يمكن فهمها بوصفها رمزًا للمملكة؛ اذا قديماً كانت الممالك تًصور بملكة أنثوية مثل أثينا والآلهة أثينا العذراء، إذ ضُمت المملكة مؤقتًا تحت راية بيت ملك مصر دون اغتصاب أو احتلال (تحذير الله لفرعون ورد ساري لإبراهيم) نتيجة تحالف سياسي، قبل أن تعود مرة أخرى إلى إبراهيم.

كما تظهر الأواصر مع مصر في شخصية **هاجر المصرية** (التي تمثل البيت المصري)، و الاواصر مع مصر التي تمثلت في هاجر المصرية أي (النساء المصرية). التي ربطت بينالاسماعيليين (شمال الجزيرة العربية) بالمملكة المصرية (البيت المصري)، لهذا سكن اسماعيل فاران وهي (برية الفراعنة) وتزوج من مصرية كذلك.تمثل الرابط بين بيت أور الكلدانيين/سومر وبين مصر (لأن إبراهيم مِن بيت أور الكلدانيين)، لهذا لا غرابة في أن يسكن إسماعيل في **فاران**، أي «برية الفراعنة»، وزواجه من امرأة مصرية.

ومن هنا جاء اسم **إسماعيل**، أي «سمع إيل»؛ أي إن الله سمع صوت هاجر عندما استغاثت. وكأن الرواية تشير إلى أن أبناء إسماعيل ملزمون بسماع صوت أمهم (هاجر = المملكة المصرية) عندما تستنجد بهم.

---

## إسحاق رمزاً للملوك السابقة الذين هم كالشموس

أما **إسحاق** فيُحتمل أن يكون اسمه رمزًا للشمس، أي الشمس الساحقة ذات الصوت العالي. فالملوك شُبهوا بالشمس، الذين كانوا يُساقون أحيانًا إلى الموت، والسكين على رقابهم، لولا تدخل الإله في اللحظة الأخيرة لإنقاذهم، وتعويضهم بذبيحة أخرى تموت بدلًا منهم، أي الخراف التي تمثل الشعب ،أي لولا التضيحة ما كانوا عاشوا.

ويرتبط هذا بفكرة أسطورية عالمية مفادها أن الشمس لا تموت حتى وإن أُسرت أو غابت في الظلمة؛ فحتى حين تغيب يظل نورها كامنًا حتى تعود وتشرق من جديد، حتى لو بدا أنها قُتلت في أولادها، أي النجوم التي تصير شمسًا.

ولهذا يربط النص بين نسل بني إسرائيل وبين النجوم، كما ورد في قصة الذبيح:

وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، 17 أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18 وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي».
---

## عيسو ويعقوب وتراتبية الشمس والنجوم

تزوج إسحاق من عشيرة أبيه، أي من آرام النهرين، في إشارة إلى تحالف مع تلك المنطقة. فأنجب **عيسو ويعقوب**، وهنا تظهر رمزية جديدة.

يركز النص على اللون الأحمر لعيسو، وهو لون الشمس، في حين يأتي يعقوب بعده، كأنه النور أو النجوم (وهو ترتيب صحيح تشرق ثم تغرب في محل الأدوميين ومن وراها أو خلفها النجوم أي إسرائيل)
مثل تصوير أبو الهول القابع (مَحل سكون الشمس = الملك) ومِن وراءه (الممالك والقبائل المُدافعة الذين هم كالنجوم = قبائل النجوم = خيام الدفاع والقبائل) والنص يُشير الى هذه التراتبية
23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ الْأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ». 26 وَبَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو، فَدُعِيَ اسْمُهُ «يَعْقُوبَ». وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْهُمَا.

تظهر تلك التراتبية في قوله:

> «فخرج الأول أحمر كله كفروة شعر فدعوا اسمه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدُعي اسمه يعقوب».
مثل

ومن هنا تبدو التراتبية:
الشمس (إسحاق، الشمس المشرقة) → الأدوميون (عيسو، محل غروب الشمس، نزولها) → ومن خلفهم نجوم السماء (إسرائيل).

وقد يكون النص يشير كذلك إلى شعوب ذات شعر أحمر سكنت المنطقة، وربما يقصد الكنعانيين أو الفينيقيين، وهو ما عبر عنه النص بـ (إنسان الغاب). "فَكَبِرَ الْغُلاَمَانِ، وَكَانَ عِيسُو إِنْسَانًا يَعْرِفُ الصَّيْدَ، إِنْسَانَ الْبَرِّيَّةِ، وَيَعْقُوبُ إِنْسَانًا كَامِلًا يَسْكُنُ الْخِيَامَ." (تك 25: 27).

---

## يوسف وبنو إسرائيل في مصر

تنتقل الرواية بعد ذلك إلى قصة **يوسف**، حيث يُستعبد بنو إسرائيل نتيجة المؤامرات أو الحروب، لكنهم يصلون في النهاية إلى أعلى المناصب في مصر. ومع ذلك يظلّون في المرتبة الثانية بعد ملك مصر.

وتحرص الرواية على التمييز بينهم وبين الهكسوس؛ فالهكسوس كانوا رعاة غنم مكروهين لدى المصريين، اذا رعاة الأغنام (الهكسوس) الذين سكنوا سابقاً في جاسان كانوا في حرب مع المصريين، حسب قوله "أَنْ تَقُولُوا: عَبِيدُكَ أَهْلُ مَوَاشٍ مُنْذُ صِبَانَا إِلَى الآنَ، نَحْنُ وَآبَاؤُنَا جَمِيعًا. لِكَيْ تَسْكُنُوا فِي أَرْضِ جَاسَانَ. لأَنَّ كُلَّ رَاعِي غَنَمٍ رِجْسٌ لِلْمِصْرِيِّينَ»." (تك 46: 34). في حين اليهود هم عبيد الملك "فَقَالَ فِرْعَوْنُ لإِخْوَتِهِ: «مَا صِنَاعَتُكُمْ؟» فَقَالُوا لِفِرْعَوْنَ: «عَبِيدُكَ رُعَاةُ غَنَمٍ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا جَمِيعًا»." (تك 47: 3) بينما يَظهر بنو إسرائيل في النص خدمًا للملك يعملون على تقوية سلطته الاقتصادية.يَعملون من أجل شراء الاراضي للملك (الفرعون) وتقويه بيت الملك حسب ما ورد في قوله:

فَجَمَعَ يُوسُفُ كُلَّ الْفِضَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَفِي أَرْضِ كَنْعَانَ بِالْقَمْحِ الَّذِي اشْتَرُوا، وَجَاءَ يُوسُفُ بِالْفِضَّةِ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ. 15 فَلَمَّا فَرَغَتِ الْفِضَّةُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَمِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ أَتَى جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُوسُفَ قَائِلِينَ: «أَعْطِنَا خُبْزًا، فَلِمَاذَا نَمُوتُ قُدَّامَكَ؟ لأَنْ لَيْسَ فِضَّةٌ أَيْضًا». 16 فَقَالَ يُوسُفُ: «هَاتُوا مَوَاشِيَكُمْ فَأُعْطِيَكُمْ بِمَوَاشِيكُمْ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِضَّةٌ أَيْضًا». 17 فَجَاءُوا بِمَوَاشِيهِمْ إِلَى يُوسُفَ، فَأَعْطَاهُمْ يُوسُفُ خُبْزًا بِالْخَيْلِ وَبِمَوَاشِي الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَبِالْحَمِيرِ. فَقَاتَهُمْ بِالْخُبْزِ تِلْكَ السَّنَةَ بَدَلَ جَمِيعِ مَوَاشِيهِمْ. 18 وَلَمَّا تَمَّتْ تِلْكَ السَّنَةُ أَتَوْا إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ الْثَّانِيَةِ وَقَالُوا لَهُ: «لاَ نُخْفِي عَنْ سَيِّدِي أَنَّهُ إِذْ قَدْ فَرَغَتِ الْفِضَّةُ، وَمَوَاشِي الْبَهَائِمِ عِنْدَ سَيِّدِي، لَمْ يَبْقَ قُدَّامَ سَيِّدِي إِلاَّ أَجْسَادُنَا وَأَرْضُنَا. 19 لِمَاذَا نَمُوتُ أَمَامَ عَيْنَيْكَ نَحْنُ وَأَرْضُنَا جَمِيعًا؟ اِشْتَرِنَا وَأَرْضَنَا بِالْخُبْزِ، فَنَصِيرَ نَحْنُ وَأَرْضُنَا عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ، وَأَعْطِ بِذَارًا لِنَحْيَا وَلَا نَمُوتَ وَلَا تَصِيرَ أَرْضُنَا قَفْرًا». 20 فَاشْتَرَى يُوسُفُ كُلَّ أَرْضِ مِصْرَ لِفِرْعَوْنَ، إِذْ بَاعَ الْمِصْرِيُّونَ كُلُّ وَاحِدٍ حَقْلَهُ، لأَنَّ الْجُوعَ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ. فَصَارَتِ الأَرْضُ لِفِرْعَوْنَ. 21 وَأَمَّا الشَّعْبُ فَنَقَلَهُمْ إِلَى الْمُدُنِ مِنْ أَقْصَى حَدِّ مِصْرَ إِلَى أَقْصَاهُ. 22 إِلاَّ إِنَّ أَرْضَ الْكَهَنَةِ لَمْ يَشْتَرِهَا، إِذْ كَانَتْ لِلْكَهَنَةِ فَرِيضَةٌ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ، فَأَكَلُوا فَرِيضَتَهُمُ الَّتِي أَعْطَاهُمْ فِرْعَوْنُ، لِذَلِكَ لَمْ يَبِيعُوا أَرْضَهُمْ. 23 فَقَالَ يُوسُفُ لِلشَّعْبِ: «إِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُكُمُ الْيَوْمَ وَأَرْضَكُمْ لِفِرْعَوْنَ. هُوَذَا لَكُمْ بِذَارٌ فَتَزْرَعُونَ الأَرْضَ. 24 وَيَكُونُ عِنْدَ الْغَلَّةِ أَنَّكُمْ تُعْطُونَ خُمْسًا لِفِرْعَوْنَ، وَالأَرْبَعَةُ الأَجْزَاءُ تَكُونُ لَكُمْ بِذَارًا لِلْحَقْلِ، وَطَعَامًا لَكُمْ وَلِمَنْ فِي بِيُوتِكُمْ، وَطَعَامًا لأَوْلاَدِكُمْ». 25 فَقَالُوا: «أَحْيَيْتَنَا. لَيْتَنَا نَجِدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ سَيِّدِي فَنَكُونَ عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ». 26 فَجَعَلَهَا يُوسُفُ فَرْضًا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ: لِفِرْعَوْنَ الْخُمْسُ. إِلاَّ إِنَّ أَرْضَ الْكَهَنَةِ وَحْدَهُمْ لَمْ تَصِرْ لِفِرْعَوْنَ. 27 وَسَكَنَ إِسْرَائِيلُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فِي أَرْضِ جَاسَانَ، وَتَمَلَّكُوا فِيهَا وَأَثْمَرُوا وَكَثُرُوا جِدًّا.
يُبرز النص ذلك بوضوح حين يجمع يوسف الفضة ويشتري الأراضي لصالح فرعون، حتى تصير الأرض كلها ملكًا له، في حين يحتفظ الكهنة بأراضيهم فقط.

ثم تنتهي القصة بوفاة يوسف في مصر:

"ثُمَّ مَاتَ يُوسُفُ وَهُوَ ابْنُ مِئَةٍ وَعَشَرِ سِنِينَ، فَحَنَّطُوهُ وَوُضِعَ فِي تَابُوتٍ فِي مِصْرَ." (تك 50: 26).
---

## رواية دفاعية تحت الحكم المصري

يمكن فهم هذه الرواية بوصفها رواية دفاعية كُتبت في ظل الحكم المصري، لإثبات أن بني إسرائيل لم يكونوا خونة. فهي تؤكد أنهم لم يحتلوا البلاد، بل سكنوا في مصر، ولا سيما في منطقة جاسان شمالًا، في الموضع الذي كان يسكنه الهكسوس سابقًا. وتشير الرواية إلى أنهم ما كانوا ليغادروا مصر لولا ما وقع لهم من عبودية وإضطهاد.

خلق القصة الدينية والهدف السياسي

ثم تم ابتكار قصة دينية يُراد منها تحقيق هدف سياسي واضح، حيث دعمت الرواية الدينية حق اليهود في أرض كنعان، ضد الكنعانيين وضد الشعوب السبع التي كانت تسكن المنطقة. وكان الهدف من ذلك غرس اليهود في المنطقة للدفاع عن حدود مصر الشرقية، خاصة ضد أشور وفارس.

وقد تم ذلك من خلال تصوير اليهود على أنهم رجال الله (إسر إيل)، وأنهم خرجوا ضد الملوك الظالمة التي حكمت مصر، وخرجوا بقيادة ملك مصري يهودي لتطهير سيناء. فقصّة الخروج التوراتية تعمل على تبرير العداء والكراهية بين المصريين وبني إسرائيل، مستفيدة من كراهية المصريين للأجانب والغُرباء، كما استُخدمت لتعزيز حكم بني إسرائيل في كنعان، بحيث تمكنوا من استعادة بلدهم وحقهم التاريخي بمساعدة تحالف مصري-يهودي.

وتشير الرواية إلى أن خروجهم لم يكن جماعة صغيرة، بل لفيفًا كثيرًا معهم من غنم وبقر ومواشي وافرة (خر 12: 38)، وقد يُقصد باللفيف هنا المصريون أنفسهم الذين انضموا إليهم.

دور القصة في استعادة كنعان وتأمين سيناء

ساهمت هذه القصة في دفع بني إسرائيل إلى النزوح إلى وطنهم واستعادة حقهم في أرض كنعان. ومن اللافت للنظر أن النص يصف هذه الأرض بـ "أرض الميعاد" و**"الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا"**، وهي الأرض التي وجههم إليها القائد موسى.

كما أن فترة التيه في أرض سيناء كانت للتطهير، أي تطهير سيناء من الغرباء، ونزول الشريعة على جبل سيناء أو جبل حوريب (حور أي جبل النور أو جبل الحرب) كان يهدف إلى تأمين الحدود من خلال جعله مزارًا مقدسًا وحصنًا لمراقبة الجهة الجنوبية لسيناء، مع تحويل إيراداته للتأمين والذود عن المكان الديني في حال وقوع هجوم من الجنوب.

ويقر النص أن اليهود استعادوا بلدهم بمساعدة ملك مصري تربى ونشأ في مصر، وهو ما يؤكده اسم موسى الذي يعني بالمصرية القديمة "الثور القوي". ومن الطبيعي أن يُشجعوا على الخروج وأن يضمنوا نصر الله لهم، وهو ما تمثّل في رواية الضربات العشر.

كما يمكن القول إن الرواية استفادت من قصة طرد أحمس (يحي موس = يحيا الثور القوي) للهكسوس، أي الغرباء، بتصوير بني إسرائيل وهم يخرجون تحت قيادته لتطهير الأرض من المحتلين، تحت قيادة الملك المصري الصالح الحق، وليس المغتصب.


يمكن اختصار ما سبق على هيئة تلك النقاط:
-على عكس الشائع، التوراة كانت في الأصل نصًا يُعظم دور مصر ويعكس ذكاء سياسيًا.

-نسل النور وأصل اليهود:

-تبدأ التوراة بأن اليهود من نسل النور (أتوم/آدم)، الذي أنجب قايين وهابيل.

-قايين يرمز للعاملين في الأرض (الكنعانيين والمصريين) (مهنة الزراعة)، وهابيل يرمز للبدو ورعاة الغنم والأب (مهنة الرعي)

-يظهر الصراع بين الزراعة والرعي في علامة قايين ووعد الانتقام سبع أضعاف لمن قتل الراعي.

-شيث/ست/ صد د: إله الصيد (الصائد) وسيد الصحراء (مهنة الصيد)

-عوض الله آدم وحواء بشيث (ست/صد)، رمز الصيادين والفينيقيين، وتكاثر البشر وزادت سفنهم ومركباتهم.

-زيادة البشر أدت إلى الغزوات، مثل غزوات شعوب البحر (نوح)، الذي وزع الأراضي على أولاده:

-سام: الأراضي الشرقية السامية

-حام: الأراضي الحارة (كنعان، مصر، شبه الجزيرة)

-يافت: الغرب وما وراء البحار (اليونان)

-البيت العظيم وإبراهيم:

-من نسل نوح ظهر البيت العظيم (ابرام) المُمثل بإبراهيم، الذي أقام تحالفات مع أور الكلدانين وانتقل إلى حاران وسكن كنعان.

-إسرائيل كانت متأثرة بتحالفات مصرية ومالت للإمبراطورية المصرية، مثل رحلة إبراهيم إلى مصر بسبب المجاعة والتحالفات السلمية مع مصر.

-هاجر وإسماعيل:

-هاجر المصرية ربطت بيت أور الكلدانيين/سومر وإسرائيل والإسماعليين بالمملكة المصرية.

-إسماعيل سُمي "الابن" (سمع إيل) بعد استجابة الله لصوت هاجر، وكان يجب على أولاده سماع صوتها (الأم المصرية) عند الطلب.

-إسحق والشمس والملوك:

-إسحق يعني "الشمس"، ويرمز للملوك الذين يُساقون للموت إلا بتدخل إلهي، مع فكرة أسطورية عالمية عن نجاة الشمس في الظلام.

-يُربط أولاد بني إسرائيل بالنجوم، كما في قصة الذبيح، وباركة نسل إبراهيم تَظهر في تكاثرهم ووراثة أعدائهم.

-عيسو ويعقوب:

-إسحق تزوج من بني عشيرة أباه لتحالف مع آرام النهرين، وأنجب عيسو (الشمس/الأدوميين) ويعقوب (رجال النور/إسر إيل).

-اللون الأحمر لعيسو يمثل الشمس، ويعقوب يمثل "النور" والأسر التي ستصبح إسرائيل.

-قد يشير النص أيضًا إلى الشعوب ذات الشعر الأحمر (الكنعانيون أو الفينيقيون) والشعوب البرية (إنسان الغاب).

-استعباد بني إسرائيل في مصر:

-استعبدوا في صورة يوسف نتيجة المؤامرات والحروب، لكن وصلوا إلى مكانة عالية دون أن يحكموا، تحت سلطة ملك مصر، مختلفين عن الهكسوس.

-اليهود عملوا لشراء الأراضي للملك، وأنهى يوسف حياته في مصر، مما يعكس أن النص كُتب للدفاع عنهم ورفض تصويرهم كخونة.

-الهدف السياسي من القصة الدينية:

-ابتكار رواية تدعم حق اليهود في كنعان ضد الكنعانيين والشعوب السبع.

-تعزيز وجودهم على الحدود الشرقية لمصر، ضد أشور وفارس.

-تصويرهم كرعاة رجال الله (إسر إيل) بقيادة ملك مصري يهودي لتطهير سيناء.

-الخروج الجماعي لم يكن صغيرًا، بل شمل لفيفًا مع مواشي، وقد يشير "اللفيف" أيضًا للمصريين المنضمون إليهم.

-دور القصة في استعادة كنعان وتأمين سيناء:

-دفع بني إسرائيل للنزوح إلى وطنهم واستعادة "أرض الميعاد" و"الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا".

-فترة التيه في سيناء للتطهير، ونزول الشريعة على جبل سيناء/حوريب لتأمين الحدود الجنوبية وتحويل الإيرادات للتأمين والذود عن المكان المقدس.

-استعاد اليهود بلدهم بمساعدة ملك مصري تربى في مصر، مثل موسى ("الثور القوي")، مستفيدين من رواية ضربات الله العشر.

-الرواية تتوازى مع قصة طرد أحمس للهكسوس، مصورة بني إسرائيل كقوة تطهيرية تحت قيادة الملك الصالح وليس المغتصب.



#ابرام_لويس_حنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السرّ السياسي من سفر التكوين !
- قراءة سياسية لسفر التكوين
- المسيحية المصرية (كيف غير المصريين العالم)
- المسيحية نبعت من مصر!
- أحمس وموسى.. قصة البطل المصري الذي اختفى خلف القصة الدينية
- إلى هند الضّاوي: المسيحية المصرية إستمرارا لحضارة مصر القديم ...
- «آلهة التكوين والحياة والدوام: خنوم، أوزيريس، حورس، شو، حتحو ...
- أصل جذر (غرب، غروب، الغراب، خَرب، عَرب، عَربة، ظهر، زهر، فتح ...
- الرد على الدحيح، الجزء الثالث، (هل انهارت الحضارة المصرية تح ...
- الرد على الدحيح (الجزء الثاني) (الاحتلال البطلمي لمصر) وهل ا ...
- الرد على حلقة الدحيح، الجزء الأول، (الاستعمار الفارسي الأخمي ...
- (المُخلص الإمبراطوري) رداً على (المُخلص اليهودي المصري)
- كيف نشأت الحركة المسيحية الخلاصية !!
- الترجمة الكاملة لأعمال أغسطس (نقش أنقرة Monumentum Ancyranum ...
- كليوباترا السابعة في مواجهة تشويه الدعاية الإمبراطورية
- الجذر المصري للألفاظ السامية (عبد، الأبد، إبادة، أبهة)
- الأصل المصري للكلمات السامية (واد، وَدَّأَ، وَأد، وطّأ، وطى، ...
- آشور لم تنتصر (كشف زيف الاحتلال الآشوري لمصر)
- الأصل المصري لمدينة (تِمْنة حارس) التوراتية
- الرد التطوري العلمي على المزاعم حول الأعضاء الأثرية؛ هل ضرس ...


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في العراق تشن 21 عملية قصف داخل العراق وا ...
- البحر الأحمر بين نفوذ إيران والإخوان..صراع جديد يلوح بالأفق ...
- مخطط إسرائيلي لاستمرار إغلاق المسجد الأقصى خلال عيد الفطر وم ...
- شظايا صاروخية تطال المسجد الأقصى ومحيط الكنيست وسط تصعيد عسك ...
- طهران تؤكد أن هرمز مغلق أمام -الأعداء-.. ولاريجاني ينتقد صمت ...
- لاريجاني موجهًا رسالة إلى حكومات الدول الإسلامية: -إلى أي جا ...
- قريباً عن دار المدى.. «تشكيل العراق المعاصر: الدور السياسي ل ...
- إيران: فسيفساء معقدة من القوميات والهويات الدينية تحت سلطة م ...
- لاريجاني يوجه رسالة إلى الدول الإسلامية: تعرضنا لخداع أمريكي ...
- عباس يطلع بابا الفاتيكان على خطورة الأوضاع بالأراضي الفلسطين ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابرام لويس حنا - التوارة كوثيقة سياسية