أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابرام لويس حنا - المسيحية نبعت من مصر!















المزيد.....

المسيحية نبعت من مصر!


ابرام لويس حنا

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 21:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
تُمثِّل الدراسةُ الغنوصيةِ (المعرفة) مدخلاً أساسياً لفهم تطور الفكر الديني والفلسفي في العصور القديمة المتأخرة. وإذ تُعرَّف الغنوصية بوصفها السعي إلى المعرفة العليا، أي معرفة الله والذات الإلهية، فإن تتبع جذورها يكشف عن طبقات ثقافية عميقة. تهدف هذه الورقة إلى التركيز على الأصول المصرية لهذا التيار الفكري، مُظهرةً كيف أن التفاعل الحضاري الفريد في مصر البطلمية، ولاحقاً الرومانية، وخاصة في مدينة الإسكندرية، وفّر البوتقة التي انصهرت فيها الرؤى المصرية القديمة مع الفلسفة اليونانية، لتُثمر فكراً غنوصياً ذا طابع نوراني مميز.

أولاً: السياق التاريخي والثقافي: الإسكندرية بوتقة التلاحم الحضاري
لفهم نشأة هذا المزيج الفكري، لا بد من استعراض السياق التاريخي الذي مهّد له. فقد مثَّل تحالف المصريين مع الإسكندر الأكبر والدولة البطلمية الناشئة لاحقاً، منعطفاً حاسماً لدحر الإمبراطورية الفارسية. وقد استُقبل الإسكندر في مصر كملك شرعي، ونهج خلفاؤه من البطالمة نهجاً قام، في مجمله، على احترام الثقافة المصرية وتقديس آلهتها، مما أتاح للمصريين العيش في رخاء نسبي إلى جانب اليونانيين. ومع ذلك، فإن الحروب الطويلة مع الدولة السلوقية، وظهور القوة الرومانية الصاعدة، بالإضافة إلى الثورات الداخلية، قد أضعفت الدولة البطلمية ومهّدت لتمكين الإمبراطورية الرومانية من مصر. وقد اشتهرت روما باضطهادها للمصريين واليونانيين على حد سواء، مما خلق أرضية خصبة لتبني خطابات دينية وفلسفية تتحدث عن الخلاص والنور في مواجهة ظلمة الاضطهاد.

خلال العصر البطلمي، لم تقتصر سياسة البطالمة على تشجيع اليونانيين على الاستقرار في مصر فحسب، بل مع مرور الوقت، أصبح الزواج المختلط أمراً شائعاً، مما أسفر عن مجتمع إسكندراني متنوع بشكل لا يصدق، ضم مصريين ويونانيين ويهود وفرساً. وعلى الرغم من أن كل مجموعة كانت تميل إلى اعتبار ثقافتها هي الأعظم، إلا أن انبهار اليونانيين بالثقافة المصرية وعمقها سمح بحدوث تفاعل ثقافي كثيف. في هذه الأثناء، كانت فكرة "اللوغوس" (الكلمة أو العقل) تنتشر بين الفلاسفة والمفكرين اليونانيين في العالم الهلنستي، الأمر الذي وجد أرضية خصبة للالتحام مع المفاهيم المصرية العريقة.

ثانياً: الركائز المصرية للفكر النوراني
كان الفكر الديني المصري القديم، المنتشر في جميع أرجاء مصر وليس فقط في الإسكندرية، يقوم على عدة ركائز أساسية تمثلت في:
1. مفهوم "الماعت" : وهي الحقيقة والعدل والنظام الكوني، المبدأ الذي يحفظ توازن الوجود.
2. عقيدة الموت والقيامة : المستمدة من أسطورة أوزيريس، حيث تجمع الإلهة إيزيس أشلاءه المبعثرة في أنحاء المسكونة ليُبعث من جديد في صورة ابنه حورس، رمز الشمس المشرقة. وقد شُبّهت هذه العملية بتجمع نجوم متفرقة (تشبه الأشلاء) لتعطي نوراً جديداً.
3. المبدأ النوراني : تصور الإله كمصدر للنور، وأن هذا النور يولد منه بصورة بديهية أزلية، تماماً كما تولد الشمس نورها. هذا النور الإلهي يتخلل الكون ويتجلى في أشكال مختلفة: في النجوم، وفي الشمس التي تلد نوراً وحرارة، وداخل الإنسان الذي يحمل شعلة الحياة في جسده وشعلة التفكير في عقله. وهذا المفهوم وجد صدى قوياً في فلسفة هيراقليطس حول "الصيرورة" وتحول النار/النور الأزلي إلى أشكال متنوعة، كما يتحول الذهب (المبدأ الواحد) إلى مشتريات مختلفة.
4. عبادة الإلهة إيزيس : بصفتها "آلهة السماء" و"العرش" و"بيت العزاء" و"حاضنة النور". كانت إيزيس ترمز إلى السماء ذاتها التي تستقبل النور الإلهي، فتُشبَّه بزهرة تتفتح بتلاتها عندما يحل عليها النور، وتنغلق لتعود إلى رحمها الأول (عرشها) عندما يغيب، في انتظار بعث أوزيريس وشمسه من جديد. وقد تجسدت هذه المكانة الرمزية للأنثى الإلهية على الأرض في الملكات ككليوباترا التي لقبت بـ "إيزيس الجديدة". وقد أدى انتشار عبادة إيزيس إلى تعزيز مكانة المرأة المصرية، التي كانت تتمتع بحقوق تفوق نظيرتها اليونانية بشكل كبير (حق اختيار الزوج، بدء الطلاق، التملك والتصرف في الأراضي دون وصي)، تجسيداً للترنيمة التي تعلن أن إيزيس "جعلت قوة النساء مساوية لقوة الرجال".

ثالثاً: رمزية العنخ: من الحياة إلى الصليب
كانت الإلهة إيزيس تُصوّر وهي تحمل بيدها "علامة العنخ"، رمز الحياة الأبدية والملك والسلطة. شكل العنخ المستمد من تركيب جسم الإنسان (باعتباره رمز الحياة) كان يمثل مفتاح الحياة الذي يمسكه الملك أو الإله، الذي يسيطر على سماء الوطن كما لو كان يمسك بزهرة الحياة (إشارة إلى شكل دلتا النيل وصعيد مصر). وقد تطور هذا الرمز لاحقاً، حيث مال العامة والبسطاء إلى تبسيط نحته إلى قطعتين متقاطعتين، ليتحول تدريجياً إلى ما يعرف بعلامة الصليب. وهكذا، أصبح الصليب امتداداً للعنخ، يحمل دلالات السماء والحياة والتضحية من أجل الحق.

رابعاً: اللوغوس اليوناني والميراث المصري: ولادة الفكر الغنوصي
في هذه البيئة الإسكندرانية الغنية، تلاحمت فكرة "اللوغوس" اليونانية مع العقائد المصرية. فاللوغوس، بصفته المبدأ الإلهي الذي تولد من ذات الله بصورة بديهية وانتشر في الكون، تَطابَقَ مع المبدأ النوراني المصري. فالكون، الذي هو "بيت العزاء" (إيزيس)، يصبح هو الرحم الذي يولد فيه "كلمة الآب" (النور/الشمس/اللوغوس) وتتولد فيه جميع الأشياء من هذا المبدأ الأول. وقد التحمت هذه الفكرة مع "عقيدة التنجيز" المصرية (الموت والولادة الجديدة)، لتُشكّل جوهر الرؤية الغنوصية للخلاص.

هذا التفاعل العقائدي تزامن مع وجود الجالية اليهودية الكبيرة في الإسكندرية والتي كانت تسعى لنشر فكرها عن "المسيا المخلص الحربي". وقد واجه المصريون هذا الفكر بتبنّي واستخدام نبؤات العهد القديم ذاتها للبرهنة على أن صفات المخلص الحقيقي تتجاوز التصورات السائدة فهو المخلص الروحي، أي مثلما استخدموا فكرة اللوغوس عن المُخلص حُجة على اليونانين هكذا استخدموا نبؤات العهد القديم على المُخلص حُجة على اليهود، فهو المُخلص المُرتبط بكلمة الحياة المصرية ورمزها العنخ/الصليب. وهكذا، أصبحت فكرة أن "روح الله" أو "الإنسان الروحاني" يجب أن يحمل "مفتاح الحياة" ويتحد بالسماء (الصليب) ويموت من أجلها، ليولد من رحم القبر حياة وقيامة جديدة.

خاتمة: الاستمرارية المصرية في ثوب يوناني
لقد أدى هذا التمازج، في ظل الاضطهاد الروماني للمصريين واليونانيين معاً، إلى خلق حاجة ملحة للتعبير عن هذا الفكر بلغة جامعة. فكما تم "تمصير" اليهود واليونانيين فكرياً وعقائدياً، تمت الاستعانة بالأبجدية اليونانية لنقل الألفاظ المصرية القديمة والفكر المصري، فيما عُرف باللغة القبطية. في حين استمر استخدام الخط الديموطيقي في النصوص التقليدية. إن كلاً من المسيحية الأرثوذكسية والغنوصية، في سياقهما المصري، يمكن النظر إليهما بصفتهما فرعين لنفس التيار النوراني المصري الذي نبع من ضفاف النيل، وتشكل في بوتقة الإسكندرية، وعبر عن سعي الإنسان الأزلي لمعرفة الذات الإلهية والنور الأول.



#ابرام_لويس_حنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمس وموسى.. قصة البطل المصري الذي اختفى خلف القصة الدينية
- إلى هند الضّاوي: المسيحية المصرية إستمرارا لحضارة مصر القديم ...
- «آلهة التكوين والحياة والدوام: خنوم، أوزيريس، حورس، شو، حتحو ...
- أصل جذر (غرب، غروب، الغراب، خَرب، عَرب، عَربة، ظهر، زهر، فتح ...
- الرد على الدحيح، الجزء الثالث، (هل انهارت الحضارة المصرية تح ...
- الرد على الدحيح (الجزء الثاني) (الاحتلال البطلمي لمصر) وهل ا ...
- الرد على حلقة الدحيح، الجزء الأول، (الاستعمار الفارسي الأخمي ...
- (المُخلص الإمبراطوري) رداً على (المُخلص اليهودي المصري)
- كيف نشأت الحركة المسيحية الخلاصية !!
- الترجمة الكاملة لأعمال أغسطس (نقش أنقرة Monumentum Ancyranum ...
- كليوباترا السابعة في مواجهة تشويه الدعاية الإمبراطورية
- الجذر المصري للألفاظ السامية (عبد، الأبد، إبادة، أبهة)
- الأصل المصري للكلمات السامية (واد، وَدَّأَ، وَأد، وطّأ، وطى، ...
- آشور لم تنتصر (كشف زيف الاحتلال الآشوري لمصر)
- الأصل المصري لمدينة (تِمْنة حارس) التوراتية
- الرد التطوري العلمي على المزاعم حول الأعضاء الأثرية؛ هل ضرس ...
- الرد التطوري العلمي على المزاعم حول الأعضاء الأثرية؛ هل عضلا ...
- الرد التطوري العلمي على المزاعم حول الأعضاء الأثرية؛ هل حلما ...
- نص العهد القديم، مدخل إلى الكتاب العبري (الجزء الأول)
- رؤية العالم اليوناني للمسيحية (سيلسوس) نَموذجًا (الجزء العشر ...


المزيد.....




- تفاصيل جديدة حول عملية اغتيال المرشد الأعلى في إيران
- لليوم الثالث ... الاحتلال يمنع صلاة التراويح داخل المسجد الأ ...
- نزل الآن تردد قناة طيور الجنة الجديد الاثنين 2 مارس 2026 على ...
- ماما جابت بيبي… تردد قناة طيور الجنة 2026 على نايل سات
- قوة القدس في حرس الثورة الإسلامية: سنفتح أبواب النار على الع ...
- مسيرة جماهيرية في كربلاء المقدسة حداداً على استشهاد قائد الث ...
- رئيس منظمة الطاقة الذرية الايرانية محمد اسلامي في رسالة لغرو ...
- حرس الثورة الإسلامية: ناقلة الوقود أثينا نوفا التابعة لحلفاء ...
- مسؤول خليجي لـCNN: إيران فقدت كل حسن النية من الدول الإسلامي ...
- فيديو.. أبرز معالم المسجد الأقصى


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابرام لويس حنا - المسيحية نبعت من مصر!