أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قيود من رمل وصدى














المزيد.....

قيود من رمل وصدى


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 08:37
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​يقال إن الإنسان قد يغادر السجن في يومٍ ما، لكن السجن لا يغادر الإنسان دائماً. فالقضبان التي تُغلق على الجسد يمكن أن تُفتح بمفتاحٍ صغير، أما القضبان التي تنبت في الذاكرة فلا مفاتيح لها؛ لأنها مصنوعة من الندم، والندم معدنٌ لا يصدأ مع الزمن، بل يستنُّ ويصبح حاداً كلما حاول صاحبه أن ينساه.
​حين خرج عباس من بوابة السجن في ذلك الصباح الرمادي، لم يشعر أنه تحرر. كان الهواء رطباً كعادته في البصرة، يحمل رائحة شط العرب المختلطة بالملح والطين، لكن صدره ظل ضيقاً كما لو أن الجدران ما زالت تطبق عليه. خمسة عشر عاماً انفرطت ببطءٍ يشبه تساقط قطرات الماء من سقف زنزانة، وكل قطرة منها كانت تنحت اسماً واحداً لا يكف عن التردد في نخاعه: زهراء.
​في ساحة السجن المتربة، كان عباس يتجنب النظر في عيني "جاسم المراكبي" الذي يقبع في الزنزانة المجاورة؛ ليس خوفاً منه، بل لأن وجه جاسم كان يذكره كل يوم بأن القفل المكسور في روح عباس كان أسهل اختراقاً من قفل الباب الخشبي الذي نسيه موارباً.
​وقف طويلاً أمام البيت القديم في "العشار".
كان الباب الخشبي ما يزال هناك، بلونه الباهت، وبمقبضه الحديدي البارد. لم يمد يده إليه فوراً، كأن بينه وبين الخشب سنواتٍ من الصمت لا بد أن تُقطع أولاً. لكن الباب فُتح من الداخل قبل أن يطرقه.
​ظهرت مريم.
لم تعد الطفلة التي كانت تختبئ خلف ثوب خالتها؛ صارت شابة بعينين ثابتتين كالحقيقة، تشبهان عيني زهراء بطريقةٍ أوجعت قلبه أكثر مما توقع. نظرت إليه لحظة طويلة، ثم قالت بصوتٍ خالٍ من الانفعال:
​"بعض الأبواب يا عباس… لا يجوز أن تعود إليها."
​لم يجد جواباً. غادر الزقاق ببطء، وفي تلك الليلة جلس في مقهى حسين.
كان المقهى كما تركه؛ رائحة الشاي الثقيل، ودخان السكائر، وصوت المذياع العتيق. رفع حسين عينيه عن إبريق الشاي، وتبادل الرجلان نظرة طويلة، نظرة يعرف فيها كل واحد منهما أن الحديث الذي سيأتي مرٌّ كالعلقم.
​بعد وقتٍ من الصمت، قال حسين وهو يقلب ملعقة الشاي: "تتذكر ليلة زهراء؟".
لم يجب عباس، لكن يده التي قبضت على الكأس خانته برعشة طفيفة.
تابع حسين بصوت منخفض: "الذي دخل البيت تلك الليلة… كان جاسم المراكبي. لم يكن يعرف أن أحداً في البيت، دخل يبحث عن مال فقط… لكن زهراء استيقظت، فذبحها الخوفُ قبل السكين."
​لم يصرخ عباس، ولم ينهض. كل ما فعله أنه حدّق في كأسه طويلاً، كأن شيئاً ما في داخله كان يتحرك ببطء، مثل حجرٍ ثقيل يسقط في قاع بئر. تذكر الشجار.. الكلمات القاسية.. خروجه الغاضب.. وتذكر "الباب" الذي تركه خلفه مفتوحاً للريح.. وللموت.
​في الأسابيع التالية، صار "ناسك الميناء"؛ يحمل الصناديق، يرمم أبواب الفقراء المكسورة، ويوصل الطحين للأرامل بصمت. لم يكن يطلب وداً، بل كان يحاول رتق الثقب في روحه، يسأل نفسه كل ليلة: "هل كانت لتعيش زهراء… لو أنني أغلقتُ الباب؟"
​ثم جاء مساءٌ رطب آخر على ضفة شط العرب.
كانت المياه تسير ببطء تحت ضوء القمر، قبل أن يسمع خطوات خفيفة خلفه. كانت مريم.
وقفت إلى جانبه دون أن تنظر إليه. قال عباس بصوتٍ متعب: "أنا لم أقتل زهراء.. لكنني فتحتُ للموت درباً."
صمتت مريم لحظة، ثم قالت بجملةٍ مزقت سكون الليل:
"في تلك الليلة… لم يكن الباب مفتوحاً حين خرجتَ أنت."
​التفت إليها ببطء، وقلبه يكاد يتوقف.
تابعت مريم بهدوءٍ أشد قسوة من الصراخ:
"أنا من فتحته.. كنتُ طفلة، خنقتني صرخات شجاركما، فأردتُ أن أهرب من صوتكما.. وفتحتُ الباب للريح."
​بقي عباس واقفاً وحده على ضفة النهر، يراقب ظل مريم وهو يتلاشى في عتمة الزقاق. لم يشعر بالغضب، بل ببرودة غريبة تسري في عروقه. الآن فقط، أدرك أن خمسة عشر عاماً من السجن كانت "كفارة" عن ذنب لم يرتكبه، وأن حريته التي نالها اليوم هي السجن الحقيقي.
​انحنى نحو الماء، غسل وجهه بملوحة الشط، ثم التفت نحو المدينة. لم يعد يبحث عن باب ليغلقه، فقد صار هو والريح والباب المفتوح شيئاً واحداً.. تائهاً في مدينةٍ تعرف كل أسراره، ولا تغفر لأحد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1


المزيد.....




- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قيود من رمل وصدى