أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضحية / 3 والاخيرة














المزيد.....

الضحية / 3 والاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


انكسار المرايا

​اعترافات سوسن: حين تحرق النارُ غابتَها

​لم أكن أعتقد أن البيوت يمكن أن تتحول إلى زنازين مخملية، ضيقة إلى الحد الذي لا يسع أنفاس امرأة تحلم بالضوء. كان بيتنا في الأعظمية أيقونة للسكينة في نظر الغرباء؛ باب أخضر موارب، شرفة تطل على الذاكرة، وشجرة نارنج كانت رائحتها هي العقد الذي يربطنا كل مساء. لكن الجيران الذين كانوا يحسدوننا على هدوئنا، لم يدركوا أن خلف هذا الهدوء كان ينمو خراب صامت، يشبه الصدأ الذي يأكل الحديد من الداخل.
​جواد لم يكن يوماً رجلاً سيئاً، بل ربما كانت فجيعتي في طيبته الفائضة. كان صامتاً، رتيباً، يمر في ردهات البيت كظلال الأشجار؛ لا يُحدث جلبة، لكنه لا يمنح دفئاً. كنت أختنق داخل ذلك الصمت، وأتساءل في كل صباح أمام المرآة: هل هذه هي الحياة؟ أم أنها مجرد بروفة طويلة للموت؟
​ثم جاء "هو".. لم يكن استثنائياً، لكنه كان يملك ما افتقده بيتي: الضجيج. كان يتحدث عن السفر، عن التمرد، عن حياة تبدأ حين نكسر القيود. شعرت حينها أن نافذة فُتحت فجأة في غرفة مغلقة منذ خمسة عشر عاماً. لم يكن حباً، بقدر ما كان شهقة غريق ظن أن السراب شاطئ.
​في تلك الليلة، نظرت إلى جواد وهو يقرأ جريدته المعتادة، شعرت بغربة موحشة، وكأنني أعيش حياة امرأة أخرى، وقلتُها بيقين انتحاري: "جواد.. أريد الطلاق". لم يصرخ، لم يغضب، نظر إليّ فقط بتلك النظرة التي ما زالت تطاردني حتى اليوم؛ نظرة رجل فهم أن شيئاً ما قد انتهى للأبد.
​بعد الرحيل، تذوقت طعم الحرية، لكنه كان طعماً معدنياً مراً. ذلك الرجل الذي ظننته الخلاص، صار فجأة عادياً، ثم مملاً، ثم اختفى خلف دخان وعوده الزائفة. اكتشفت متأخرة أنني لم أفتح نافذة للحياة، بل فتحت ثقباً في سفينة كانت تقاوم الأمواج لأجلي. لكن الصفعة الكبرى لم تأتِ من غدر الرجل، بل من عين ابنتي ليالي.
​في المحكمة، حين وقفت تلك الصغيرة كعصفور بلله المطر، وقالت بجملتها التي ما زالت تنهش روحي: "اختياري يعني أن أخسر نصف قلبي". في تلك اللحظة، سقط القناع. أدركت أنني كنت أحرق المركب لأدفئ روحي الباردة، لكن النار لم ترحم أحداً. النار التي أشعلتها تحت مسمى "البحث عن الذات"، التهمت خضرة النارنج، وتركت ليالي يتيمة وأبواها على قيد الحياة.
​عدت إلى غرفتي الفارغة، أستنشق رائحة النارنج التي صارت تشبه رائحة الجنازات. نظرت إلى دفتر ليالي المفتوح، وقلمها الملقى كأنه جثة صغيرة فوق سطر لم يكتمل، وفهمت أخيراً أن بعض الأخطاء في الحياة لا تُصلح بصكوك الغفران، لأنها حين تنكسر، تكسر معها يقين الأطفال، وهذا الكسر لا يجبره زمن. أنا الآن امرأة تملك حريتها.. لكنها فقدت بيتها إلى الأبد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة


المزيد.....




- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...
- احتجاز الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر خلال احتجاج ض ...
- 120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف
- -روسيا وإيطاليا-.. كتاب جديد يرصد جسور الثقافة التي جمعت الب ...
- ما الأسماء التي يختارها الروس لمواليدهم في 2026 وما دلالاتها ...
- روسيا وسوريا تبحثان استئناف مشروع ترميم قوس النصر في تدمر


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضحية / 3 والاخيرة