أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد














المزيد.....

الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 10:49
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يظلّ نشيد الإنشاد أحد أكثر النصوص الشعرية فرادة في الكتاب المقدس، لأنه النص الذي يضع الحب في قلب لغته دون أن يحيطه بسياق تشريعي أو تاريخي مباشر. فالنص لا يقدّم حكاية بالمعنى السردي، ولا خطاباً عقائدياً بالمعنى اللاهوتي، بل يفتح فضاءً شعرياً خالصاً تتجاور فيه الرغبة والحنين والجسد واللغة.

لكن خلف هذه القصيدة العاطفية يقف سؤال أعمق بكثير: كيف تتشكل هوية الإنسان؟

في نشيد الإنشاد لا تُبنى الهوية في العزلة، بل في اللقاء.

فالعاشقة لا تتكلم عن نفسها إلا حين تنادي حبيبها، والعاشق لا يعرّف ذاته إلا حين يرى محبوبته. وكأن النص يلمّح منذ بدايته إلى حقيقة إنسانية بسيطة وعميقة في آن: الذات لا تُكتشف إلا في مرآة الآخر.

أولاً: الهوية بوصفها اعترافاً متبادلاً

في كثير من التصورات القديمة كان الإنسان يُفهم بوصفه كائناً مكتفياً بذاته.

لكن نشيد الإنشاد يقترح تصوراً مختلفاً جذرياً.

حين تقول العروس:

«أنا لحبيبي وحبيبي لي»

فإن العبارة لا تعلن امتلاكاً بقدر ما تكشف عن بنية جديدة للوجود:

أن الذات لا تكتمل إلا حين يعترف بها آخر.

العاشقة هنا لا تلغي نفسها في الآخر، بل تكتشف ذاتها عبر العلاقة.

إن “الأنا” لا تتلاشى، لكنها تتحول من مركز مغلق إلى مساحة مفتوحة للقاء.

بهذا المعنى يصبح الحب في نشيد الإنشاد ليس مجرد عاطفة، بل تجربة كشفٍ للهوية.

ثانياً: الجسد بوصفه لغة للمعنى

من أكثر ما يدهش القارئ في هذا النشيد احتفاؤه الصريح بالجسد.

فالعاشقان يصفان بعضهما بلغة حسية مدهشة: الشعر، العينان، العطر، الصوت.

لكن هذا الاحتفاء ليس مجرد وصف جسدي، بل يحمل دلالة فلسفية عميقة.

فالجسد هنا ليس نقيض الروح، بل طريقها الأول إلى المعنى.

حين يشبّه العاشق محبوبته بالحديقة أو بالعطر أو بالكروم، فإن الوصف يتجاوز الشكل ليصبح لغة رمزية للحياة نفسها. فكل صورة جسدية تتحول إلى علامة على فرادة الآخر وعلى حضوره الذي لا يمكن استبداله.

وهكذا يصبح الجسد في نشيد الإنشاد لغة للدهشة، لا مجرد مادة للرغبة.

ثالثاً: رمزية الحديقة والكرمة – الهوية كخصب

من أكثر الصور حضوراً في النشيد صورة الحديقة والكرمة.

العروس توصف بأنها «حديقة مغلقة»، والعاشق يدخلها كما يدخل عالماً مليئاً بالعطر والثمار.

هذه الصورة لا تشير إلى الجسد فقط، بل إلى الهوية نفسها.

فالحديقة في المخيال الشعري هي مكان الخصوبة والنمو.

إن دخول العاشق إلى الحديقة لا يعني امتلاكها، بل اكتشافها.

فالآخر في هذا النص ليس شيئاً يُمتلك، بل عالماً يُستكشف.

وهكذا تتحول الهوية إلى فضاء خصب ينمو فيه المعنى عبر اللقاء.

رابعاً: الغزال والربيع – الحب كيقظة للحياة

في النشيد تظهر صور الطبيعة باستمرار:

الغزال، الربيع، الزهور، الطيور.

حين تقول العاشقة إن حبيبها «يشبه الظبي أو الغزال»، فإن الصورة لا تشير إلى الجمال فقط، بل إلى الحيوية والحركة والحرية.

كما أن حضور الربيع في النص ليس مصادفة. فالربيع في المخيال الإنساني هو زمن اليقظة بعد الشتاء. وهكذا يصبح الحب في النشيد لحظة انبعاث للحياة نفسها.

إن اللقاء بين العاشقين يشبه عودة الربيع إلى الأرض:

الأشياء التي كانت ساكنة تبدأ في الازدهار من جديد.

خامساً: الليل والمدينة – قلق البحث

لكن الحب في نشيد الإنشاد ليس حالة استقرار دائم.

هناك لحظات غياب وقلق وبحث.

في أحد أكثر مقاطع النشيد قوة، تخرج العروس ليلاً إلى المدينة تبحث عن حبيبها، تسأل الحراس عنه، وتجوب الشوارع في ظلام الليل.

هذه الصورة تحمل دلالة وجودية عميقة.

فالإنسان، مثل تلك العروس، يعيش دائماً في حالة بحث.

الليل هنا رمز للقلق الوجودي،

والمدينة رمز للعالم الذي قد يضيع فيه المعنى.

إن الهوية في هذا النص ليست شيئاً يُمتلك مرة واحدة، بل رحلة بحث دائمة.

سادساً: الحب بوصفه لغة للمطلق

غير أن القراءة الفلسفية للنشيد لا تلغي البعد الروحي الذي رآه فيه التقليد المسيحي عبر القرون. فقد قرأ آباء الكنيسة هذا النشيد بوصفه صورة رمزية للعلاقة بين المسيح والكنيسة، أو بين الله والروح البشرية الباحثة عنه.

في هذا التأويل يصبح الحب الذي يتغنى به النشيد أكثر من مجرد عاطفة إنسانية؛ إنه استعارة عن الشوق الروحي الذي يدفع الإنسان نحو الله.

وهكذا يظل النص مفتوحاً على أكثر من طبقة من المعنى:

طبقة الحب الإنساني،

وطبقة الرمز الروحي،

حيث يتداخل الجمال الشعري مع البحث الدائم عن حضور الله في حياة الإنسان.

خاتمة

لا يقدّم نشيد الإنشاد قصة حب فحسب، بل رؤية عميقة للإنسان.

إنه يقول إن الهوية لا تتشكل في العزلة، بل في اللقاء؛

وأن الجسد ليس خصماً للروح، بل لغتها الأولى؛

وأن الحب، في أعمق معانيه، ليس مجرد عاطفة، بل لحظة كشف وجودي.

في تلك اللحظة التي ينادي فيها الإنسان الآخر ويجد صدى صوته في قلبٍ آخر، يحدث شيء يتجاوز الحب نفسه:

تكتشف الذات أن هويتها لم تكن مكتملة وحدها.

ولهذا يظل نشيد الإنشاد نصاً إنسانياً دائماً، لأنه يذكّرنا بحقيقة بسيطة وعميقة:

أن الإنسان لا يصبح ذاته حقاً إلا حين يجد الآخر الذي يوقظه إلى نفسه



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا


المزيد.....




- إيران تضع شرطًا لعبور السفن في مضيق هرمز بـ-حرية-
- بوتين يعرض إعادة تزويد أوروبا بالطاقة ويحذر من انهيار الإمدا ...
- عقب إعلان حزب الله استهدافها.. فيديو يوثق دمار محطة اتصالات ...
- هل يعلن ترمب نصرا مبكرا في الحرب على إيران؟
- خبير عسكري: أمريكا لم تحقق أهدافها من الحرب والمرشد الجديد س ...
- رغم تهديداته المتواصلة.. هذا ما تخشاه إسرائيل من ترمب
- قوات -دلتا- تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري الأمريكي ضد إ ...
- بن غفير يفتح الباب لتسليح 300 ألف إسرائيلي إضافي بالقدس وألم ...
- بعد قتلها آمال شمالي.. إسرائيل ترفع شهداء الصحافة في غزة إلى ...
- لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد