أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقعد في آخر الباص














المزيد.....

مقعد في آخر الباص


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 12:06
المحور: الادب والفن
    


​كانت المدن لا تسقط فجأة، بل تتآكل في صدور أهلها كما يتآكل الخشب في بيتٍ قديم لا يسمع أحد صريره. لا يُعلن الانهيار عن نفسه بقرع الطبول، وإنما يتسلل في هيئة تعبٍ يوميّ، ووجوهٍ تزداد تشابهاً في صمتها. والحافلات التي تشقّ طرقها بين الأطراف والقلب ليست سوى شرايين تضخ القلق جيئة وذهاباً، كأنها تؤكد أن أحدًا لا يُعفى من نصيبه في هذا الدوران.

​كان الباص المتجه نحو المركز مكتظاً، يهتز فوق إسفلتٍ متعب، ويئنّ كلما عبر حفرة أو انعطف في زقاق ضيق. على الزجاج غبار خفيف، وفي الداخل رائحة خبز دافئ تختلط بحرارة الأجساد والأنفاس المكتومة. خارج النافذة، كانت لافتات المحلات باهتة، وبقايا ملصقات قديمة ممزقة ترفرف على الجدران، بينما يصرخ الباعة بأصواتٍ اعتادت أن تُسمع أكثر مما تُفهم.
​في المقعد الأخير جلس يونس، طالب جامعي في عامه الأخير، سماعتا أذنيه تشكلان حدود مملكته الخاصة، وعيناه لا تستقران على شيء. كان يفكر في أخيه الذي غادر منذ سنوات وأرسل صورة تبدو فيها الابتسامة أوسع من ملامحه، وفي أبيه الذي يقلب راتبه التقاعدي كما يُقلب المرء أوراقاً قديمة لم تعد صالحة للاستعمال. قال في نفسه إن المدينة أضيق من أحلامه، وإن الخلاص ربما يكون في جهة أخرى.. بعيدة جداً.
​إلى جواره جلس رجل خمسيني يحمل كيس خبز، يداه متشققتان كأرضٍ عطشى، ووجهه ساكن كأن الصمت صار مهنته الثانية. وعن يمينهما امرأة ستينية تمسك بملف أصفر بإصرار، تضمه إلى صدرها كأنه وثيقة وجودها الأخيرة في دهاليز لا تنتهي.
​عند منتصف الطريق صعدت امرأة أربعينية يتبعها طفلان. نظرت حولها بعينين حائرتين تبحثان عن موطئ قدم. تردّد الركاب لحظة قصيرة، ثم أشاحوا بوجوههم نحو النوافذ، يتأملون غباراً بعيداً كي لا تلتطم أعينهم بحاجتها.
​نهض الرجل الخمسيني بصمت، وأشار إليها بيده المتشققة أن تجلس.
​شعر يونس بوخزة عابرة تحت أضلاعه. قال في نفسه إن التعب عذر كافٍ للجلوس، وإن الوقوف لن يغير من مسار الحافلة شيئاً. لكنه رأى الرجل واقفاً بوقار منكسر، وكيس الخبز في يده يتأرجح مع كل اهتزازة للباص، فخفّض يونس صوت الموسيقى، ثم نزع سماعتيه ببطء.
​– عمو، شنو تشتغل؟ – سأل يونس، والكلمة خرجت كأنها استكشاف لبر لغوي جديد.
ابتسم الرجل ابتسامة مقتضبة، بالكاد حركت تجاعيد وجهه:
– أشتغل باليومية.. عامل بسيط مثل ما تشوف يا ابني.
​كانت الإجابة بسيطة، لكنها كانت كحجر أُلقي في بركة ساكنة. سرعان ما انفرط عقد الصمت. موظف تحدث عن راتب يذوب كالملح قبل منتصف الشهر. شاب عاطل قال إن البحث عن عمل صار أثقل من سياط الانتظار. ورجل أمي راح يحلل أخبار المنطقة بثقة عجيبة، كأن السياسة صارت هي العزاء الوحيد المتاح مجاناً.
​لم يكن في الكلام صراخ، بل تكرار هادئ لمخاوف متشابهة: غلاء يتسلق الجدران، ومستقبل يترنح، وأبناء يغيبون في الصور. كان الباص يتحرك ببطء، كأنه كائن حي يصغي لأوجاع ركابه. ويونس، الذي اعتاد أن يحتمي بصخبه الخاص، وجد نفسه يصغي إلى ما هو أعمق من الكلمات.. إلى "الندبة" التي يحملها كل وجه.
​فجأة اهتزّ الباص بقوة وتوقف. صمت المحرك، وساد سكون ثقيل خانق. نزل السائق يتفقد العطل، وبقي الركاب يتبادلون نظرات قلقة وسط حرارة الصيف التي بدأت تتسرب عبر الحديد. رنّ هاتف أحدهم، فتبدّل وجهه، وهمس بأن الأخبار تتحدث عن توتر جديد في الأفق.
​تمدد القلق في الهواء كالدخان.
قال يونس، وكأنه يختبر فكرة يخشاها:
– إذا الأمور ساءت.. الواحد لازم يفكر ينجو بروحه.
​نظر إليه الرجل الخمسيني، وبهدوء لا يخلو من حزن عميق، سأله:
– وإذا كل واحد فكر بروحه.. منو يبقى يلمّ الشمل؟ منو يبقى واقف؟
​لم يجد يونس رداً. تذكر أمه وهي تقول إن "الغربة وجع بقلب بارد"، وتذكر أخاه الذي يرسل المال لكنه لم يعد يعرف شكل الشوارع الجديدة. أحسّ أن البلاد، رغم ضيقها، ليست مجرد محطة انتظار، بل هي شيء ينمو فينا رغماً عنا.
​عاد المحرك إلى الدوران بصعوبة، واستأنف الباص إيقاعه المنهك. عند الوصول إلى المركز، نزل الركاب وتفرقوا في الزحام. المرأة الأربعينية شكرت الرجل بوجل ومضت. الستينية شدّت على ملفها الأصفر واتجهت نحو البناية الحكومية.
​بقي يونس للحظة في المقعد الأخير. لم يضع السماعات في أذنيه هذه المرة، بل دسهما في جيبه بعنف كأنه يتخلص من قيد. نظر إلى الرجل الذي نزل قبله وغاب بين الناس، ثم نظر إلى الطريق الممتد أمامه.
​لم يتغير الشارع؛ الباعة ما زالوا يصرخون، والوجوه ما زالت متعبة، والأخبار تمضي في طريقها. لكن يونس سار بين الناس بخطوات مختلفة، كان يشعر بثقلٍ جديد، لكنه ثقل الانتماء لا ثقل القيد. لم يعد المقعد الأخير بالنسبة له مجرد مكان للفرار والمراقبة، بل صار يدرك الآن أن الحافلة تمضي بالجميع، وأن النجاة الفردية هي غرقٌ من نوعٍ آخر.
​مضى الباص في رحلته التالية، يحمل وجوهاً جديدة، وأسئلة قديمة.. وبقي أثر يونس في المقعد، شاهداً على أن الرحلة قد تغير الراكب، حتى لو لم يصل إلى وجهته بعد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4


المزيد.....




- بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين ...
- محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 ...
- عراقجي: بالتوازي مع المسار السياسي ستجتمع الفرق الفنية في ا ...
- العاشر من رمضان.. مكة بين الحزن والفتح والجيش الإسرائيلي يُق ...
- فرنسا: من هي كاترين بيغار خليفة رشيدة داتي على رأس وزارة الث ...
- فوز فيلم -The Ties That Bind Us- للمخرجة كارين تاركيه بجائزة ...
- شطرنج تحت الخيمة
- مخالب القرش الأبيض
- سِفْرُ الشَّتَاتِ
- عراقجي: أحرزنا تقدّمًا جيدًا في المفاوضات والمرحلة الفنية تن ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقعد في آخر الباص