أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - وقفةٌ مَع آية..















المزيد.....

وقفةٌ مَع آية..


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 18:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمّةَ آيات كثيرة في القرآن، تجِد، مِن خلالِ تَتبّع سياقها التاريخيّ، أنّ نزولها تضمِّن: ألمٌ بشريّ، ووحيٌ يضبطه، وعفوٌ يفتح بابًا جديدًا، ونفسٌ تظلّ تسعى إلى التكفير بالفعل بعد أن غمرها الإسلام بالمغفرة.

ومِن بينِ هذه الآيات، آيةٌ وردَت في سورَة النّحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾

السّياق التاريخيّ لنزول هذه الآية، هو الحُزن الشديد للنبيّ (صلّ) على مقتلِ حمزةَ بن عبدِ المُطّلب، في غزوةِ أحد، على يدِ وحشيّ بن حَرب، بتحريضٍ مِن هِند بنت عُتبة، الّتي مثَّلت، تمثيلًا موجِعًا، بجسدِ حمزة بن عبد المُطلِب.

كان وقع المشهد شديدًا على النبي (صلّ)، حتى رُويَ أنّهُ قال متأثرًا: «لئن ظفرتُ بهم لأُمثّلنّ بثلاثين منهم» (وفي بعض الروايات: بسبعين). وهُنا، نزلَت الآية. فكانَت توجيهًا حاسمًا يضبط الانفعال بميزانِ العدل، وترفع مقام الصبر فوق مجرّد المكافأة بالمثل. ولم يُنقل أنَّ النبيّ (صلّ) مثّل بأحدٍ بعد ذلك، بل نهى عن المُثلة.

وقَد ورد في بعض كتب السيرة بأنّه في شدّةِ حُزنه، قال -في معنىً يُعبّر عن عُمق ألمه- : «لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى يُحشر من بطون الطير والسباع». والمقصود: صفية بنت عبد المُطَّلب، أخت حمزة رضي الله عنهما. وهذه الرواية مشهورةٌ في كتب المغازي، إلّا أنَّ أسانيدها دون أعلى درجات الصحّةِ عند المُحدّثين. ومع ذلك، فإنَّ الثابتَ تاريخيًّا أنَّ النبيّ (صلّ) دفن حمزة وسائر الشهداء. فهُنا، يكون القول -إن صحّ- تعبيرًا عن ألمٍ بشريٍّ عارم، لا تقريرًا لترك الدَّفن، ثم جاء الوحي ليهذّب اللَّحظة ويوجّهها.

ثم مضت الأيام حتى كان فتح مكة. فجاءت هند بنت عتبة تُبايِع النبيّ، بعد أن أعلنت إسلامها. فقبل النبي (صلّ) إسلامها ولم يُؤاخذها بما سلف. إذ "الإسلام يجبّ ما قبله". وفي ذلك تحوّلٌ تشريعي وأخلاقي، ظهرَ في التّنازل عن الثّأر إلى أُفقِ العفو، وتحاوُز جراح الماضي وتقرير اندماجٍ جديد في جماعة الإيمان.

أمّا وحشيّ، فجاء مسلمًا. فقبل النبي (صلّ) إسلامه، غير أنَّه قال له كما في الصحيح: «هل تستطيع أن تُغيِّب وجهكَ عنّي..؟» وفي رواية: «فلا تُرِني وجهك»، وهو تعبيرٌ عن بقاء أثر الألم الإنساني، لا عن ردٍّ لإسلامه.

وبعد ذلك، ظلّ وحشي يحمل في نفسه ثقل ما فعل، حتى شاركَ في قتال المرتدّين في عهد أبو بكر الصديق، فقتلَ مسيلمة الكذاب في اليمامة، وكان يقول: «قتلتُ خيرَ الناس في الجاهلية، وقتلتُ شرَّ الناس في الإسلام».

وإذا ما قارنّا كُلّ ما جئنا على ذكره آنفًا بما نحنُ عليه اليوم، فإنّهُ، وبكُلّ تأكيد، سنخرُج بعبرٍ كثيرة، تتجاوَز التّاريخ إلى الحاضِر..وهذه العِبر هي:


أولًا: ضبط ردّة الفعل في عصر الاستفزاز.

نحنُ نعيش في زمنٍ أُسمّيه ب "زمن الزرّ الواحد". فكلمةٌ واحدة نُصدّرها عن طريقِ حساباتنا الإفتراضيّة، كفيلة بأن تُشعِلَ حملاتَ تشهيرٍ عابرةٍ للقارّات، تُقابلها حملات ردٍّ على هذه التّشهير، وعلى الأقل، تصدٍّ لهُ. فالآيةُ المذكورة، تؤسّس لمبدأ يُعالِج حقّ الرّد، بعد اشتعالِ الحملة. فهي تُقرِّر حقّ الرَّد. لكن، دونَ أن يكونَ في الرّدّ تجاوزًا لا يُبق ولا يذَر. كما أنّها تقول بعدم تحويل كُلّ خلافٍ، حتى وإن ادّى إلى قَتل في بدايته، إلى إلغاء، ولا إساءةً إلى تدميرٍ شامِل. وأراها، أيضًا، تؤسّس لشكلٍ من أشكالِ المقاومة الأخلاقيّة، خاصةً، وأنّنا نعيش في عالَم "التّرند".

ثانيًا: العدالة قبل المشاعر.

النبي (صلّ) تألم أيّما تألّم على استشهاد حمزة، وقد لا يكون هناك أيّ ألمٍ إنسانيّ بلغَ مبلغَ هذا الألم. إلّا أنَّ الوحيَ ضبطَ هذا الألم. وإنّنى لأرى في هذا الضّبك، رسالة لعالمنا اليوم، الّذي يخلِط ما بينَ "الألم" و"الحَق". فكون الإنسان مجروحًا لا يُمنَح رخصة الظُّلم، ولا أن يبقى رازِحًا تحت وطأة "الإنفعال". فالمُجتمعات الّتي تُبنى قوانينا على الإنفعال ؛ لا تستقِر. أمّا الّتي تجعَل العدل سقفًا أعلى مِن الغضَب ؛ فهي وحدها القابِلة للبقاء، ولنا في قصّة النبيّ خيرَ شاهِد.

ثالثًا: التفريق بين العدل والانتقام.

الآية لا تمنع القصاص، لكنها تمنع التحوُّل إلى صورةٍ مماثلة للمُعتدي. وقَد لوحِظَ فيها تصبيرها بكُلّ خيريّة "الصَّبر". فالنبيّ لَم يُمنَع مِن أن يُعاقِبَ قتلَة حمزة بما عاقبوا، لكنّهُ هو مَنع ذاته، ورأي أنّ في الصبر خير لهُ ولدعوَته...وهذا إذا ما سُقناه إلى عصرنا اليوم، المليء بالحُروب الإعلاميّة والاقتصاديّة والسياسيّة، يصبح السؤال الأخلاقي: هل نرُدّ لنقيم ميزانًا، أم لنشفي غليلًا؟ والفرقُ هُنا دقيق. إذ أنّهُ يصنع حضارات أو يهدمها.

رابعًا: فتح باب العودة مهما كان الماضي.

كون أنّنا في رمضان، ونسمَع أناسًا كُثر يتعجّبونَ مِن وجودِ بعض الأشخاص في المساجِد، ومُحافظتهم على صلواتهم، وعباداتهم ؛ نظرًا لأحوالهم الّتي كانوها قبل رمضان. فإنّه مِن الضّروي أن ندعوهم لتدبُّرِ كيفَ تعاملَ النبيّ (صلّ) مع قتلَة حمزة، وكيفَ أنّهُ قبلَ إسلامهم، وصافحَ هند بنت عُتبة، وكيفَ أنّهُ كان يكرَه رؤية وجه وحشيّ، لكنّه، لم يكره إسلامه. ومِن هُنا، فإنّهُ من الضّرورات الدينيّة، أن تتعلّم مُجتمعاتنا المُعاصِرة، ثقافة "التحوُّل" لا ثقافة "الوسم الأبديّ". وعليها أن تُدرِك حقيقة أنَّ الخطأ ليسَ سجنًا أبديّا للمُخطئ. فكَم مِن مخطئ أخذهُ خطأه إلى انعِطافةٍ كبيرة نحو "الصّلاح" و"الإصلاح"..!!

خامسًا: ترقية النفس من العدل إلى الإحسان.

العالم اليوم يتحدث عن الحقوق، لكنّه يحتاج أن يتحدث أيضًا عن الفضل. ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ ليست دعوةً إلى الضُّعف، بل إلى القوّة الأخلاقيّة التي تملك القُدرة على الردّ، ثم تختار مُستوىً أعلى.

ختامًا، فبكُلّ ما جئتُ عليهِ مِن معانٍ وعِبر، فإنَّ الآيةَ ليست سردًا لواقعةٍ تاريخية، بل ميثاقًا أخلاقيًا للإنسان المعاصر، يُمكّنهُ مِن ضبط قوّته، وعدَم السّماح للألم بأن يقوده، وأن يمنحَ التوبة فرصة، وأن يتعلّم الإرتقاء من "الحقّ" إلى "الفضل"..إنّها عبرٌ و وصايا صالحة لكُلّ قرن.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكاليّة بدء شهر رمضان..
- الضفة الغربيّة ومصالح الأُردن فبها..
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد.
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد
- لدكتور محمد الحمّوري: غياب الصوت القانونيّ المُستقِل.
- تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...
- دافوس هذا العام أعلن تفكّك الكُتلة الغربية.
- حين يُباع النّناقُض على أنّه دين، ويتحكَّم بتشكيلِ وعي الأتب ...
- عل نحنُ أمامَ إعادة -تحالُف مُحيط إسرائيل-..؟!
- هل ستُحدّد انتخابات حركَة حماس الخيار الذي ستسلُكه..؟!
- ماذا يحدُث في حلَب..؟!
- هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!
- هل ستقود الاحتجاجات إلى مفاوضات مُباشرة..
- ماذا يعني الاعتراف ب-أرض الصومال-.
- الكريسماس: الصراع الموسميّ
- القرار الأميركي تجاه المنطقة: هندسة ما بعد الحرب وضبط حضور ا ...
- ممداني وترامب: من التراشُق إلى التفاهُم.
- قرار مجس الأمن (2803): تثبيت الواقِع وتغييب الدّولة الفلسطين ...
- كيف تنظر إسرائيل لزيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض
- قراءة قانونيّة لتقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان


المزيد.....




- اقتصاديات التكافل: رؤية إسلامية لتعزيز مكانة مصر ضمن القوى ا ...
- دمشق تؤكد حصول فرار جماعي من مخيم الهول الذي كان يؤوي عائلات ...
- الاحتلال يعتقل 18 فلسطينيا من الضفة ويهدم مباني بسلفيت وجنين ...
- الفاتيكان يؤكد زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر بين ...
- حذف العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات بالمغرب يثير جدلا ...
- كيف وجدت أميركا نفسها إلى جانب الإخوان في اليمن؟
- الجامع الكبير بصنعاء.. روحانية رمضان تعانق عبق التاريخ
- مصر.. قرار حكومي بإنشاء كلية للقرآن الكريم بطلب من شيخ الأزه ...
- جامع الجزائر.. قبلة للصلاة والدروس الدينية ومعلم سياحي
- في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي.. هوية إسلامية راسخة في قلب ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - وقفةٌ مَع آية..