أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...














المزيد.....

تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يثير القلق في موجة تبرير زيارة الجولاني/الشّرع إلى موسكو ليس الحدث بحدّ ذاته، بل الطريقة التي يُعاد فيها تطبيع الذاكرة السياسية، وكأنّ السنوات الماضية لم تكن سوى سوء تفاهم عابر. الزيارة، لمن يريد قراءتها بعقلٍ بارد، ليست خطوة ارتجاليّة ولا حركة معزولة عن السياق، بل زيارة مُكتمِلة المعنى السياسيّ، تنطوي على اعترافٍ واضح بأنّ روسيا كانت، ولا تزال، رقمًا صعبًا في المُعادلة السوريّة، وأنّ تجاوزها لم يكن يومًا خيارًا واقعيًا، مهما علا منسوب الشعارات.

الجولاني/الشّرع، في هذا الإطار، لا يتحرّك بعشوائيّة أو بدافعِ المُغامرة، بل بهدوءٍ محسوب في ملفاتٍ حسّاسة تربط موسكو بسوريا، وهي ملفاتٌ تمسّ جوهر السيادة، لا هوامشها. وهذا ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت روسيا شريكًا لا يمكن القفز فوقه اليوم، فلماذا رُفع سابقًا شعار كسر الهيمنة الروسيّة بوصفه أحد مبرّرات الثورة والعمل المُسلّح؟ ولماذا صُوِّر النظام السوري السابق، طوال سنوات، على أنّهُ خان السيادة الوطنيّة حين فَتح البلاد أمام النفوذ الروسي؟!

لقد كانت إحدى الركائز الأخلاقيّة والسياسيّة التي بُني عليها ما سُمّيَ ب "الخطاب الثوري"، أنّ النظامَ السابق رهن القرار السوري لموسكو، وحوّل الدولة إلى ساحة نفوذ لا إلى دولة ذات سيادة. قُدِّمت هذه الفكرة بوصفها خطيئة كبرى، لا تغتفر، واستُخدِمت لتبرير الانخراط في حربٍ مدمّرة، قُدّمت للشَّعب على أنّها معركة تحرير القرار الوطني. اليوم، ومع عودة الجلوس مع الروس، والتباحث معهم في ملفاتٍ ذات عمقٍ سياديّ، تبدو تلك الركيزة وكأنّها كانت مجرّد أداة تعبئة لا أكثر.

المفارقة هنا ليست في تغيّر الوقائع. فالسياسةُ بطبيعتها متحوّلة، بل في غياب أيّ مراجعةٍ صادقة. لم نسمع اعترافًا بأنّ قراءة التوازنات الدوليّة كانت خاطئة، ولا بأنّ كلفة محاولة كسر الدَّور الروسي فاقت قدرة البلاد والمُجتمع، ولا حتى بأنّ المسألة لم تكن يومًا في وجود روسيا، بل في طبيعة العلاقة معها. ما نشهده هو انتقالٌ صامت من خطاب "التّخوين" إلى خطاب "الواقعيّة"، دون المرور بمحطّة المحاسبة أو النقد الذاتي.

الأكثر إرباكًا أنّ هذا المسار يجري دون معالجة إرث النظام السابق مع موسكو، بما في ذلك الديون والالتزامات السياسيّة والعسكريّة. كأنّ التاريخ يمكن شطبه بإعادة ترتيب الجلوس على الطاولة، أو بتغيير الأسماء والرايات. لكن الوقائع لا تُمحى هكذا. فروسيا، في النهاية، لا تتعامل مع فراغ، بل مع دولةٍ مثقلة بالدَّمار، وبملفاتٍ مفتوحة، وبقرارٍ سياديٍّ هشّ، أضعف بكثير مما كان عليه قبل اندلاع الصراع.

وهنا يفرِض السؤال نفسه بقسوّة: إذا كان الجلوس مع روسيا اليوم أمرًا لا مفرّ منه، وإذا كان التفاهم معها ضرورة سياسية، فلماذا جُرّت سوريا إلى هذا المستوى من الخراب؟! هل كانت المشكلة حقًا في التّحالف مع موسكو، أم في طبيعة السلطة التي أدارت ذلك التحالف؟ وهل كان الهدف تفكيك منظومة التبعيّة، أم استبدال طرفٍ بآخر، مع الحفاظ على البنية نفسها؟

إنّ خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في إعادة إنتاج العلاقة مع روسيا، بل في تسطيح الوعي العام، وتحويل الذاكرة الجماعيّة إلى مادةٍ قابلة
لإعادة الصياغة حسب الحاجة. حين تُقدَّم زيارة موسكو اليوم على أنّها خطوة حكيمة، دون الاعتراف بأنّ الخطاب السابق كان مضلّلًا أو ناقصًا، فإنّ ذلك يفتح الباب أمام تكرار الكارثة ذاتها بأدوات مختلفة.
في المحصّلة، لا يمكن لأيّ مشروعٍ سياسيّ أن يدّعي القطيعة مع الماضي، وهو يعيد إنتاج منطقه نفسه: التفاوض على السيادة من موقع الضُّعف، وتقديم الواقعيّة السياسية بوصفها حكمة مُتأخّرة. السؤال الجوهري لم يكن يومًا: هل نتعامل مع روسيا أم لا؟ بل: كيف، ولمصلحة من، ومن أيّ موقع؟ ما لم يُطرح هذا السؤال بصدق، ستبقى سوريا تنتقل من تبعيّةٍ فجّة إلى تبعيةٍ أكثر تهذيبًا في الشكل، وأكثر فتكًا في النتائج.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دافوس هذا العام أعلن تفكّك الكُتلة الغربية.
- حين يُباع النّناقُض على أنّه دين، ويتحكَّم بتشكيلِ وعي الأتب ...
- عل نحنُ أمامَ إعادة -تحالُف مُحيط إسرائيل-..؟!
- هل ستُحدّد انتخابات حركَة حماس الخيار الذي ستسلُكه..؟!
- ماذا يحدُث في حلَب..؟!
- هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!
- هل ستقود الاحتجاجات إلى مفاوضات مُباشرة..
- ماذا يعني الاعتراف ب-أرض الصومال-.
- الكريسماس: الصراع الموسميّ
- القرار الأميركي تجاه المنطقة: هندسة ما بعد الحرب وضبط حضور ا ...
- ممداني وترامب: من التراشُق إلى التفاهُم.
- قرار مجس الأمن (2803): تثبيت الواقِع وتغييب الدّولة الفلسطين ...
- كيف تنظر إسرائيل لزيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض
- قراءة قانونيّة لتقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
- نيويورك تُغيّر وجهها: فوز ممداني وارتجاج مراكز النّفوذ الأمي ...
- الدفاع عن ممداني ليسَ دفاعاً عن شخصٍ بعينه
- خطاب ترامب في الكنيست: حين يتحوّل الألم الإنسانيّ إلى رصيدٍ ...
- قمةٌ سؤالها الأبرز: من صغر ومن كبر؟!
- جائزة نوبل والمعايير الغائبة.
- بعد خطة ترامب، إلى أين يُسيّر الشرق الأوسط.


المزيد.....




- -سنضرب قلب تل أبيب-.. إيران تُسقط فرضية -الضربة المحدودة- وت ...
- غضب في بغداد بعد تصريحات ترامب وتحرك احتجاجي قرب السفارة الأ ...
- هل تستسلم طهران لشروط واشنطن أم تفضل المواجهة العسكرية؟
- -مسار الأحداث- يستعرض التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني وسين ...
- دعوات لضم فلسطين في مسابقة الأغنية الأوروبية -يوروفيجن-
- مينيابوليس تتحول إلى ساحة مواجهة حول الهجرة والسيادة
- بعد تصريحات فيصل بن فرحان عن الإمارات.. وزير سعودي: طحنون بن ...
- حاكم المركزي الكندي: ولَّى زمن العلاقات التجارية القائمة على ...
- إطلاق النار على -المسيح ومريم العذراء- يتسبب في تغريم سياسية ...
- روته: أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها وحدها


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...