أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!















المزيد.....

هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 13:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يأتِ القانون الدولي، في صورته الحديثة، بوصفه نصوصًا أخلاقية مجرّدة، بل كنتاجٍ لتجربةٍ إنسانية دموية، أدركت، بعد الحربين العالميتين، أنّ غياب قواعد ضابطة للقوّة يعني انتحار النظام العالمي ذاته. هكذا وُلد ميثاق الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، واتفاقيات جنيف، بوصفها أدوات لكبح شهوة الهيمنة، لا لإلغاء الصراع، بل لتنظيمه ومنع انزلاقه إلى الإبادة
والفوضى الشاملة.

غير أنّ ما نشهده اليوم، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يطرح سؤالًا وجوديًا:
هل ما يزال القانون الدولي إطارًا ناظمًا للعلاقات الدوليّة، أم تحوّل إلى ديكورٍ قانونيّ يُستدعى انتقائيًا، ويُعلّق عند أول تعارضٍ مع مصالح القوى الكبرى؟

بوصفي قانونيًّا، وبقدر ما أحاول أن أتشبّث بالتحليل البارد والمنهجي، لا أستطيع إخفاء شعورٍ عميق بالأسف وأنا أصل إلى خلاصةٍ باتت، للأسف، تفرض نفسها بقسوة: القانون الدولي لم يعد إطارًا ناظمًا فعليًا للعلاقات الدوليّة، بل تحوّل، في كثيرٍ من الأحيان، إلى ديكورٍ قانونيّ يُستدعى انتقائيًا، ويُعلّق عند أوّل اصطدامٍ بمصالح القوى الكبرى.

من حيث المبدأ، لا يزال القانون الدولي قائمًا: مواثيق، معاهدات، قرارات أمميّة، محاكم دوليّة، ولغة قانونيّة مُتماسكة ظاهريًا. لكنّ الإشكاليّة ليست في وجود النصّ، بل في قابليّة إلزامه. فالقانون، أيّ قانون، لا يكتسب صفته الناظمة من جمال صياغته أو سموّ مبادئه، بل من قابليّته للتطبيق المتساوي، ومن وجود آليّاتٍ فعّالة لفرضه. وهنا تحديدًا يتعرّى القانون الدولي.

لقد أُفرِغَ مبدأ "المساواة السياديّة" بين الدول من محتواه، لصالح نظامٍ دوليّ هرميّ، تُقسَّم فيه الدُّول إلى فئات: دولٌ تُحاسَب، وأخرى تُستثنى، دولٌ تُعاقَب باسم الشرعيّة الدوليّة، وأخرى تُحصَّن ضدّ أيّ مساءلةٍ مهما بلغت انتهاكاتها. فالفيتو، على سبيل المثال، لم يعد أداة توازن كما يُروَّج له نظريًا، بل أصبحَ أداة تعطيلٍ بنيويّ للعدالة الدوليّة، يُستخدم لحماية الحلفاء لا لحماية
السِّلم.

الأخطر من ذلك، أنّ القانون الدولي بات يُستدعى بوصفه لغة تبريريّة لا إطارًا مُلزِمًا؛ تُنتقى منه المواد التي تخدم السرديّة السياسيّة، وتُهمَل بقيّتها، أو يُعاد تأويلها قسرًا. نسمع عن "حقّ الدفاع عن النفس" دون حديثٍ عن التناسب أو الضرورة، وعن "النظام الدولي القائم على القواعد" دون تحديدٍ لمن يضع هذه القواعد، ومن يُعفى من الالتزام بها. هكذا، يتحوّل القانون إلى أداة خطاب، لا إلى سلطة معيارية.

ومن المؤسف، قانونيًا وأخلاقيًا، أنّ الانتهاك الصريح لم يعد يُخفى، بل يُمارَس بثقة ؛ لأنّ الفاعل يعرِف مسبقًا أنّ ميزان المساءلة مختلّ. فحين تغيب العواقب، يفقد القانون وظيفته الردعيّة، ويتحوّل إلى شاهدٍ صامت، أو أسوأ من ذلك، إلى واجهةٍ شرعيّة زائفة تُغطّى بها سياسات القوّة.

وكقانونيّ، درسَ عُلوم القانون، وقرأ القوانين والمعاهدات الدوليّة، وقرأ، أيضًا، من منظورٍ سياسيّ وقانونيّ، عَن الحُقبة الّتي تولَّدت مِن رحمها هذه القوانين والمعاهدات، فإنّني لَم أعُد أرى بأنَّ الخطر الحقيقيّ، اليوم، يتمثّل فقَط بانتهاكِ هذه القوانين والمُعهادات. إذ أنّني، ومِن قبل دراستي لتخصُّص "القانون"، كنتُ أقرأ في السياسة، وأكتُبُ فيها وعنها في أحيانٍ كثيرة، وكُنتُ أسمَع وأرى، كثيرًا، مثل هذه الانتهكات، الّتي لم يكُ يقابلها إلّا "القلَق" مِن قبل القائمينَ على رأس الجهات المسؤولة عن إنفاذ هذه القوانين والاتفاقيات..وقد وصلَ بي الأمر إلى أن أقلَق من هذا القَلق، وأتعامَل معه بكُلّ طُرق السّخرية.

واليوم، وبكُلّ يقينٍ جازم، فإنّني أرى أنَّ الخطرَ الحقيقيّ يتمثّل بتطبيع هذه الانتِهاكات، وذلك من خلال اعتياد العالَم على رؤية المجازِر دونَ مساءلة، والسّيادة دونَ حماية، والشرعيّة دون عدالة. وكُلّ ذلك، لا يؤكّد إلّا على أنّنا نعيش في قلب عالمٍ تحكمه القوّة العارية، لا موازين الحَق والعدالة.

وعليه، فإنّه في ظلّ تمدُّد هذا "التّطبيع"، والقضاء على كُلّ ما هو قانونيّ، وترسيخ مفهوم "البلطجة العالميّة"، فإنّني أرى بأنّهُ إن لم يتمّ العمَل على استعادَة فكرة القانون الدولي، بوصفه قيدًا على الأقوياء قبل الضعفاء، فإنّنا لن نكونَ أمامَ وجودٍ لنظامٍ جديد، أكثر عدلًا، بل فوضى مقنّعة، تنتظر لحظة الانفجار الكبير.

وإنّهُ لمِنَ الضروريّ أن أقفَ عند بعض الأحداث المفصليّة، الّتي تجعلنا أمامَ "شبهَ تأكيدٍ" بأنّنا دخلنا لحظة الانفجار الكبير. ومِن هذه الأحداث:

أولًا: غزة: حين تسقط النصوص أمام الدم.

تُشكِّل الإبادة الإسرائيليّة في قطاع غزة لحظة كاشفة، لا فقط لطبيعة الصراع، بل لطبيعة النظام الدوليّ نفسه. فكلّ ما يحدث في غزة -من الاستهداف المنهجي للمدنيين، إلى تدمير البنى الصحية، وتجويع السكان، وتهجيرهم القسري- يندرج، بوضوح، تحت توصيفات جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة، وفقًا لنصوصِ اتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ومع ذلك، لم تفشل المؤسسات الدوليّة في منع الجريمة فحسب، بل فشلت في تسميتها، وفي فرض أيّ آليةِ ردعٍ فعّالة. لم يكن العجز تقنيًا، بل سياسيًا. إذ تبيّن أنّ القانون الدولي، حين يصطدم بإرادة دولة محميّة أمريكيًا، يتحوّل إلى نصّ قابل للتأويل، أو للتجميد، أو للتجاوز الصريح.

الأخطر من ذلك، أنّ هذا الانتهاك لم يأتِ في الخفاء، بل جرى على مرأى العالم، وبخطابٍ رسميّ يبرّر القتل الجماعي تحت عناوين "الدفاع عن النفس"، في سابقة تُفرِغ المفهوم ذاته من مضمونه القانونيّ، وتحوّله إلى رخصة مفتوحة للإبادة.

ثانيًا: الهيمنة الأميركية: قانون لمن يخضع، وفوضى لمن يرفض.

لا يمكن فصل تآكل القانون الدولي عن موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي. فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد واشنطن ترى نفسها طرفًا داخل منظومةٍ قانونيّة، بل مرجعية فوقها. هذا ما تجلّى في غزو العراق دون تفويض أمميّ، وفي إدارة السجون السرّية، وفي العقوبات الأحادية التي تحاصر شعوبًا بأكملها خارج أيّ إطار قانوني دولي، وفي اختطاف الرئيس الفنزويليّ، أوّل أمس.

وفي هذا السياق، تبرز قضايا مثل ملاحقة أو احتجاز أو التضييق على قادة دول خارج الفلك الأميركي -كما في الحالة الفنزويليّة- بوصفها نماذج على تحوّل السيادة الوطنية إلى مفهومٍ مشروطٍ بالرضا الأميركي. فحين تُصبح شرعيّة القادة والدول مرهونة بمدى انسجامها مع إرادة القوّة الأعظم، فإنّ مبدأ عدم التدخُّل، وهو حجر الأساس في القانون الدولي، يفقد معناه العملي.

ثالثًا: ازدواجية المعايير: حين يصبح القانون أداة انتقائية.

المُشكلة ليست في غياب القانون، بل في انتقائيّته. فالدُّول الضعيفة تُحاسَب، وتُعاقَب، وتُحاصَر باسم القانون الدولي، بينما تُمنح الدول القويّة، أو الحليفة للقوة، حصانة غير معلنة من المساءلة.
فروسيا تُدان (بحق أو بغيره)، لكن، إسرائيل لا تُمس.
إيران تُعاقَب، بينما تُستثنى ترسانات نووية غير معلنة.
محاكم دولية تُفَعَّل ضدّ خصوم الغرب، وتُشلّ عندما تقترب من حلفائه.

هذه الازدواجية لا تدمّر مصداقية القانون فحسب، بل تدفع دولًا كثيرة إلى إعادة تعريف أمنها خارج المنظومة الدوليّة، ما يفتح الباب أمام سباق تسلّح، وتحالفات صلبة، ومنطق "النجاة بالقوة"، بدل الاحتكام للقواعد.
هل نحن فعلًا في عصر ما بعد القانون؟
ربما الأدقّ القول إننا دخلنا مرحلة ما بعد إلزام القانون الدولي، لا ما بعد وجوده. فالنصوص ما تزال قائمة، والمؤسسات قائمة، لكنّ جوهر الفكرة -أي خضوع القوة للقانون- يتآكل بشكل متسارع.

الخُلاصة: نحن أمام نظام دوليّ، لا يمنع الإبادة، لا يحمي المدنيين، لا يردع الأقوياء، ولا ينصف الضحايا،
بل يكتفي بإدارة الأزمات، وتأجيل الانفجار، وتدوير الفشل بلغةٍ دبلوماسية ناعِمة.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ستقود الاحتجاجات إلى مفاوضات مُباشرة..
- ماذا يعني الاعتراف ب-أرض الصومال-.
- الكريسماس: الصراع الموسميّ
- القرار الأميركي تجاه المنطقة: هندسة ما بعد الحرب وضبط حضور ا ...
- ممداني وترامب: من التراشُق إلى التفاهُم.
- قرار مجس الأمن (2803): تثبيت الواقِع وتغييب الدّولة الفلسطين ...
- كيف تنظر إسرائيل لزيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض
- قراءة قانونيّة لتقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
- نيويورك تُغيّر وجهها: فوز ممداني وارتجاج مراكز النّفوذ الأمي ...
- الدفاع عن ممداني ليسَ دفاعاً عن شخصٍ بعينه
- خطاب ترامب في الكنيست: حين يتحوّل الألم الإنسانيّ إلى رصيدٍ ...
- قمةٌ سؤالها الأبرز: من صغر ومن كبر؟!
- جائزة نوبل والمعايير الغائبة.
- بعد خطة ترامب، إلى أين يُسيّر الشرق الأوسط.
- وساطَة أردوغان: عودةٌ محفوفة بالنّار.
- رد جماس: تحويل مُعادلة الضغط إلى فُرصة
- غزة من قضية محليّة إلى معركة عالمية.
- غياب تونس وإيران عن التّصويت: دلالات تتجاوز الصّمت
- حين يُصبح قتل المُفاوض هدفًا استراتيجيًّا اسرائيليًّا.
- حينما تتقدَّم إسبانيا ونتأخَّر نحنُ.


المزيد.....




- وسط تصاعد الهجمات.. اتهامات روسية لأوكرانيا باستهداف ناقلات ...
- ترامب يصر على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لـ -أغر ...
- بين الاحتجاجات والتهديد الأميركي.. كيف تقرأ العواصم العربية ...
- أئمة في الجيش الألماني .. خطوة تاريخية نحو التنوع الديني
- الضفة الغربية.. مركز قلنديا المهني على حافة الانهيار بعد قرا ...
- قطر: الدوحة تؤكد مغادرة أفراد من قاعدة العُديد الأمريكية بسب ...
- الجيش السوري يرسل تعزيزات إلى شرق حلب.. هل تحضر دمشق لهجوم ش ...
- ما هو -مجلس السلام- الذي يستعد ترامب للإعلان عنه لإدارة قطاع ...
- إدارة قطاع غزة: مصر تؤكد الاتفاق على أسماء 15 عضوا في لجنة ا ...
- قشور الليمون.. -كنز أصفر- غني بالفوائد الصحية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!