ازهر عبدالله طوالبه
الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 02:52
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
نحن، في كل العالم الإسلامي، نُصلّي بالحساب الفلكي:
الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء… كُلّها صلاوات تُحدَّد اليوم بالدقيقة والثانية عبر معادلاتٍ فلكيّة دقيقة، لا أحد يقف على سطح المسجد ليُراقب الشمس بعينه.
وليسَ هذا فحَسب، فحتى عبادات كُبرى مثل صلاة الكسوف والخسوف لا تُقام إلّا بناءً على جداولٍ فلكيّة تُعلن مسبقًا متى يبدأ الكسوف ومتى ينتهي، ويُدعى النّاس للصلاة قبل أن يرفعوا أبصارهم إلى السماء. أي أنَّ الفقهَ الإسلاميّ، عمليًا، سلّم للعلم بإدارة الزمن التعبّدي.
ثم، فجأة، عند رمضان، يتصرّف بعضهم وكأنَّ العلمَ فجور، وكأنَّ الحساب بدعة..!! مع أنَّ القمرَ هو نفسه الذي نحسب به مواقيت الصلاة والكسوف. فكيف يجوز لنا أن نُحدِّد دخول وقت الفجر بالثانية، لكنّهُ لا يجوز أن نُحدّد ولادة الهلال بالدقيقة؟! هذا ليس احتياطًا شرعيًا، بل ازدواجيّة فكريّة تُبقي الدين رهينة الرمزيّة السياسية، لا الحقيقة العلميّة.
وما يثير الغرابة في ذلك، حقًا، هو أنَّ الدُّول الإسلامية، في عام 2016, اجتَمعَت في مؤتمر إسطنبول، جمعَ عددًا من أصحاب العلم الدينيّ مع عددٍ مِن عُلماء الفلَك، وأنتجَ رؤية علميّة-شرعيّة مُتماِسكة، مفادها، أنَّ دخول الشّهر يُثبَت باليقين العلميّ ؛ لإمكامِ الرؤيةِ لا بالمُشاهدة العشوائيّة المُتفاوتة.. إلّا أنّ هذه الرؤية تُعامَل اليوم بكُلّ أشكال التّهميش. إذ ما زالَت هذه "الدّول الإسلاميّة" -وأنا لا أُحب أن أعطِ صفة دينيّة للدُّول- تتصرَّف وكأنَّ هذا الجُهد لم يكن. فما زالَت هذه الدُّول، بأكلمها، تُعلِّق صيامَ الملايين وإفطارهم على شهادةِ شخصٍ في قرية، بينما القَمر نفسه مرئيّ فلكيًّا فوقَ نصف الكُرةِ الأرضيّة.
والأكثر غرابة، أنَّ هذا الإصرار لا يُنتج تديُّنًا" أكثر، بل يُنتج فوضى دينية: بدايات مُتعدّددة لرمضان، أربعة أيام للعيد، وبلدان متجاورة تُخالف بعضها بعضًا باسم الشرع، بينما الحقيقة العلمية واحدة. أيُّ صورةٍ هذه لأمّةٍ تزعم أن قبلتها واحدة ونبيّها واحد، لكنّها تختلف في رؤية قمر واحد؟! إنَّ هذا الانقسام لم يعد خلافًا فقهيًا محترمًا، بل صار تشظّيًا سياسيًا يُلبَس لباس الدين، ويجعل المُسلمين أمامَ حالةٍ من العَجز في توحيد موعِد شعيرة مِن شعائر دينهم في عصر العلم.
#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟