أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - العقل والعلم في الإسلام














المزيد.....

العقل والعلم في الإسلام


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 04:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتمسك البعض بمقولة إن كانت عقولنا سليمة، فلماذا نحتاج للمشايخ والفقهاء لنفهم ديننا منهم؟؟
مع العلم ان أصحاب العقول القاصرة غير مكلفين وليس عليهم حساب.
ومن يقول بأن علينا إتباعهم، فعليه أن يضمن لنا صحة ما يذهبوا إليه من آراء وتفسيرات وفتاوى فى ظل هذا الكم من الخلافات والانقسامات وتمسك كل ذى رأي برأيه.
وعليه ان يضمن لنا أننا غير محاسبون على اخطاءهم واجتهاداتهم، وأنهم سوف يحاسبوا عنا وسيتحملون اوزارنا.
يرى البعض أنه لا يوجد فرق بيننا وبينهم إلا انهم تفرغوا للدين واتخذوه مجالاً للرزق، أما نحن ففرطنا فى أوقاتنا وعقولنا!!
هذه الأسئلة على حساسيتها، لا ينبغي أن تواجه بالاتهام أو التخوين، بل بالفهم والتحليل، لأن السؤال في ذاته ليس خروجاً على الدين، بل هو تعبير عن وعي ومسؤولية. فالإسلام منذ بداياته خاطب العقل الإنساني ولم يخاطب الغرائز وحدها ولا العاطفة المجردة.
في القرآن الكريم ترد دعوات متكررة إلى التعقل والتفكر والتدبر مما يدل على أن العقل ليس خصماً للوحي، بل أداة لفهمه.
والتكليف الشرعي مرتبط بسلامة الإدراك، ولذلك رُفع القلم عن فاقد العقل مما يعني أن العقل شرط أساس في المسؤولية.
غير أن امتلاك العقل لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات الفهم المتخصص، فهناك فرق بين القدرة العامة على التفكير وبين الإحاطة بعلوم اللغة وأسباب النزول وطرق الاستنباط وأصول الفقه ومقاصد الشريعة.
النص الديني وإن كان في جوهره هداية للناس كافة، إلا أن تفاصيله وتشعباته تحتاج إلى معرفة متراكمة ومنهجية، كما أن كل إنسان يستطيع قراءة نص قانوني، لكن تفسيره وتطبيقه بدقة يحتاج إلى قاضٍ أو فقيه قانوني.
وليس في ذلك إلغاء لعقول الناس، بل اعتراف بأن التخصص ضرورة إنسانية في كل المجالات.
الإسلام لم يؤسس طبقة كهنوتية تحتكر الغفران أو تحتجز مفاتيح السماء، لا يوجد في الإسلام وسيط بين العبد وربه ولا اعتراف يُملى ولا سلطة تمنح النجاة، العلماء في التصور الإسلامي ليسوا وكلاء عن الله، بل باحثون في نصوص الوحي، يجتهدون في فهمها وتنزيلها على الواقع.
وقد أدرك كبار الأئمة هذه الحقيقة، فكانوا يحذرون من تقليدهم تقليداً أعمى، فالإمام أبو حنيفة كان يقول إن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، والامام مالك بن أنس أشار إلى أن كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ، والإمام الشافعي وضع في كتابه الرسالة أسساً منهجية لضبط الفهم والاجتهاد، بينما عرف عن الإمام أحمد بن حنبل تحريه الشديد للنص وخوفه من القول بغير علم، هؤلاء لم يطالبوا الناس بتقديسهم، بل دعوا إلى اتباع الدليل.
من هنا يتضح أن الحاجة إلى العلماء ليست إلغاء للعقل، بل تنظيماً لاستخدامه، فالعقل السليم يدرك حدوده كما يدرك قدرته.
حين يمرض الإنسان يلجأ إلى الطبيب، لا لأنه عاجز عن التفكير، بل لأنه يقر بأن الطب علم له أدواته، كذلك الفقه علم له مناهجه والرجوع إلى المتخصص ليس ضعفاً، بل سلوكاً عقلانياً.
أما مسألة الاختلاف بين العلماء فهي لا تعني بالضرورة ضياع الحقيقة، بل تعكس طبيعة الاجتهاد البشري، هناك نصوص قطعية الدلالة لا خلاف فيها وهناك نصوص ظنية تحتمل أكثر من فهم والاختلاف في الفروع كان عبر التاريخ سبباً في مرونة الفقه وقدرته على التكيف مع البيئات المتعددة. لقد عاشت المجتمعات الإسلامية قروناً وهي تتبع مذاهب مختلفة دون أن يتحول ذلك إلى صراع وجودي، المشكلة ليست في وجود الخلاف، بل في توظيفه سياسياً أو تحويله إلى أداة إقصاء.
المسؤولية الفردية في الإسلام أصل ثابت، فلا تزر وازرة وزر أخرى، فمن سأل وبحث وتحرى الصدق في اتباع من يثق بعلمه وعدالته فهو معذور إن أخطأ، لأن الخطأ هنا خطأ اجتهاد لا خطأ عناد.
أما من عطل عقله تماماً أو اتبع التعصب والهوى، فإنه يتحمل نصيبه من المسؤولية.
فالعالم مسؤول عن علمه وفتواه والعامي مسؤول عن سؤاله واختياره، ولا أحد يُعفى من المساءلة بحجة أنه اتبع غيره دون نظر.
الخلل الذي نعيشه اليوم ليس في فكرة المرجعية العلمية ذاتها، بل في السياقات التي أحاطت بها، حين يستغل الدين لخدمة مصالح ضيقة أو تربط الفتوى بسلطة سياسية تهتز الثقة.
وحين تختزل الشريعة في شعارات أو فتاوى متسرعة، يتولد الشك، لكن معالجة ذلك لا تكون بإلغاء دور العلماء، بل بإصلاح بيئة العلم وتعزيز الاجتهاد الجماعي ورفع مستوى الوعي العام وترسيخ مبدأ المحاسبة العلمية والأخلاقية.
الدين في جوهره مشروع هداية وعدل ورحمة، لا مشروع وصاية أو صراع نفوذ، وإذا كانت عقولنا سليمة، فإن سلامتها تقتضي أن نستخدمها في البحث والسؤال والتمييز، لا في الهدم أو التسليم الأعمى.
التوازن هو أن نحترم التخصص دون أن نقدسه وأن نعمل العقل دون أن نجعله مرجعية مطلقة فوق النص.
فالعلاقة بين العقل والعلم في الإسلام ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل، عقل يسأل وعلم يجيب، ونص يهدي وإنسان يتحمل مسؤوليته بوعي واعتدال.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة


المزيد.....




- 25 عاما من النداء.. حكاية صوت يصدح من مآذن الجامع الأموي بدم ...
- خريطة البرامج الدينية في رمضان 2026
- فيديو.. تعرَّف على المصلى المرواني بالمسجد الأقصى
- عاجل | بيان من 20 دولة عربية وإسلامية وأوروبية: ندين بشدة قر ...
- حرب لم تقهر الروح.. قناديل رمضان في غزة تتوهج وسط الركام
- التعايشي: الحركة الإسلامية لن تكون جزءا من التسوية بالسودان ...
- مصادر فلسطينية: 50 ألف مصلٍ أدوا صلاة العشاء في المسجد الأق ...
- قرقاش يحذر من محاولات -الإخوان- إعادة تنظيم صفوفهم
- قرقاش يحذر من محاولات الإخوان إعادة تنظيم صفوفهم
- قائد الثورة الإسلامية يثني على الحضور الواسع للشعب الايراني ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - العقل والعلم في الإسلام