أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - شيعة ايران وشيعة المواطنة















المزيد.....

شيعة ايران وشيعة المواطنة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 00:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يُعد توصيف بعض العراقيين أو السياسيين بعبارات من قبيل "شيعة إيران" و "شيعة العراق" من أكثر التصنيفات تداولاً في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر وهو توصيف مشحون بالدلالات، لا يعبر فقط عن اختلافات سياسية آنية، بل يكشف عن طبقات عميقة من التداخل بين الديني والعقائدي والسياسي والوطني والاجتماعي والتاريخي. وغالباً ما يستعمل هذا التصنيف بوصفه أداة إقصاء أو تشكيك في الولاء الوطني، لا بوصفه مفهوماً تحليلياً دقيقاً. من هنا كتبت قراءة موسعة وتوضيح لهذا الانقسام، فهذه القراءة تميز بين الشيعة بوصفهم مذهباً دينياً جامعاً عابراً للحدود وبين التشيع بوصفه تجربة تاريخية واجتماعية وسياسية تختلف من بلد إلى آخر.
التشيع من حيث الأصل هو مذهب إسلامي يقوم على الإيمان بإمامة أهل البيت ويشترك فيه الشيعة في إيران والعراق ولبنان واليمن وسائر البلدان.
ومن الناحية العقدية والفقهية، لا يوجد ما يمكن تسميته "تشيعاً إيرانياً" أو "تشيعاً عراقياً"، فالمصادر الدينية واحدة والمراجع الكبرى تتداخل جنسياتها والحوزات العلمية تاريخياً لم تكن محكومة بحدود الدولة القومية.
فالمرجعية الدينية في النجف وقم على سبيل المثال، لم تُبنَ على أساس قومي، بل على أساس علمي وفقهي وقد كان كثير من كبار مراجع النجف من أصول إيرانية أو أفغانية كما كان عدد من مراجع قم من أصول عربية دون أن يؤثر ذلك في شرعيتهم الدينية أو مكانتهم العلمية.
لا يبدأ الإشكال الحقيقي عند مستوى العقيدة، بل عند اللحظة التي يتحول فيها الانتماء المذهبي إلى هوية سياسية.

هنا يبدأ الخلط بين الشيعي بوصفه مؤمناً والشيعي بوصفه فاعلاً سياسياً، فالتشيع كإيمان لا يفرض موقفاً سياسياً محدداً ولا ينتج بالضرورة ولاء لدولة أو نظام بعينه، لكن الأنظمة السياسية والأحزاب الأيديولوجية كثيراً ما توظفه لإنتاج ولاءات تتجاوز الدولة الوطنية أو تناقضها مستفيدة من قوته الرمزية وقدرته على التعبئة.
في هذا السياق، تبرز إشكالية مفهوم الولاء في الدولة الحديثة وهو مفهوم يفترض أن يقوم على المواطنة، أي على علاقة قانونية وأخلاقية بين الفرد والدولة.
غير أن هذا المفهوم يتعرض في الحالة العراقية لتشويه عميق بفعل هشاشة الدولة نفسها وتاريخها المتقطع وتغول الهويات ما دون الوطنية.

في مثل هذا الواقع، يصبح سؤال الولاء سؤالاً ملتبساً، هل يطالب المواطن بالولاء لدولة عاجزة عن حمايته وتقديم الحد الأدنى من الخدمات له، أم يُسمح له بالبحث عن بدائل رمزية أو واقعية توفر له شعوراً بالأمان والانتماء؟؟
هذا الالتباس استثمرته قوى سياسية شيعية مرتبطة بإيران، فسوغت ولاءها الخارجي بوصفه امتداداً لما تسميه "الولاء العقائدي" أو "حماية المذهب"، لا بوصفه خيانة للوطن. السياسي الذي يدرج ضمن ما يسمى شيعة إيران لا يتحرك في الغالب بوصفه فرداً مستقلاً، بل بوصفه جزء من مشروع عابر للحدود، مشروع لا يرى في العراق دولة نهائية مكتملة السيادة، بل ساحة نفوذ وعمقاً استراتيجياً وخط دفاع متقدم.
وهنا تتبدى خطورة المسألة، إذ لا تكون العلاقة مع إيران علاقة دولة بدولة، بل علاقة تنظيم بتنظيم أو عقيدة بمؤسسة عسكرية وهو ما يفسر استعداد بعض هؤلاء السياسيين للتضحية بالقرار السيادي أو تعطيل بناء الدولة، مقابل الحفاظ على هذا الارتباط.
غير أن اختزال هذه العلاقة في مفهوم التبعية وحده لا يعبر عن تعقيدها الحقيقي، ففي كثير من الحالات نحن أمام علاقة تبادلية قائمة على التواطؤ يحصل فيها السياسي المحلي على دعم وسلطة وحماية فيما تحصل إيران على نفوذ وتأثير.

هذا التواطؤ المتبادل يجعل من الصعب تفكيك العلاقة دون تفكيك البنية السياسية نفسها التي نشأت بعد 2003، والتي قامت في جزء كبير منها على هذا النوع من الارتباطات.
على المستوى الاجتماعي والنفسي، لا يمكن فهم هذا الانقسام دون النظر إلى طبيعة المجتمع العراقي نفسه وهو مجتمع منهك خرج من حروب متتالية وحصار طويل واحتلال وانهيار أخلاقي ومؤسسي.
في مثل هذا السياق، لا يعود الولاء خياراً عقلانياً حراً، بل يتحول إلى استجابة نفسية لحاجة عميقة إلى الأمان.
البعض من المواطنين الذين يصنفون ضمن شيعة إيران هم في الواقع ضحايا خوف مزمن، لا دعاة مشروع أيديولوجي واع، فالخوف من الإقصاء ومن العنف الطائفي ومن فقدان الرزق أو الحماية، يدفعهم إلى التماهي مع القوة الأكثر حضوراً وتنظيماً على الأرض.

كما لا يمكن تجاهل أثر ذاكرة العنف وخصوصاً ذاكرة الأعوام 2006 - 2007، وصعود التنظيمات المتطرفة ومشاهد القتل على الهوية.
هذه الذاكرة لا تزال حية في الوعي الجمعي وتستدعى باستمرار لتبرير الارتماء في أحضان قوى تُقدم نفسها بوصفها حامية الشيعة، وبهذا المعنى يتحول الخوف إلى أداة سياسية وتتحول الذاكرة إلى وسيلة للضبط الاجتماعي وإعادة إنتاج الولاءات.
المفارقة أن هذا الانقسام لا يقع بين الشيعة وغيرهم فحسب، بل داخل المجتمع الشيعي ذاته، هناك شيعة المدن مقابل شيعة الأطراف، شيعة الدولة مقابل شيعة الميليشيا، شيعة الاحتجاج مقابل شيعة السلطة، لكن الخطاب السائد يطمس هذه الفروقات المعقدة ويعيد إنتاج ثنائية مبسطة تخدم القوى المهيمنة وتمنع تشكل وعي نقدي داخل البيت الشيعي نفسه.

على المستوى الفكري والخطابي، جرى تفريغ التشيع من محتواه الأخلاقي وتحويله إلى خطاب تعبئة سياسية من قبل بعض السياسيين والاحزاب، ففي نظر البعض لم تعد كربلاء رمزاً للعدل في مواجهة السلطة، بل صارت أداة لإنتاج سلطة جديدة ولم يعد الحسين معياراً لمساءلة الحاكم، بل ذريعة لحمايته.
هذا التحول الخطابي خطير، لأنه يقلب جوهر التشيع رأساً على عقب ويحوله من موقف أخلاقي إلى أيديولوجيا تبريرية.
في الوقت ذاته، يعمل الخطاب السياسي الموالي لإيران على صناعة عدو داخلي دائم، لا يكتفي بتخوين الخصوم، بل يعيد تعريفهم بوصفهم تهديداً وجودياً للمذهب.
وفي المقابل، يختزل الخطاب المضاد للشيعة من الموالين لإيران في صورة العميل متجاهلاً السياق الاجتماعي والنفسي الذي أنتج هذا السلوك.

لذا، فإن كلا الخطابين ينتج عنفاً رمزياً ويغلق باب النقاش العقلاني ويسهم في تعميق الانقسام بدل معالجته.
وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، يغيب الخطاب المدني القادر على تقديم بديل حقيقي، فالدولة تُقدم إما بوصفها عدواً للمذهب أو قناعاً لمشروع خارجي ونادراً ما يطرح مفهوم الدولة بوصفها فضاءً جامعاً ومحايداً قادراً على احتضان التنوع وضبط الصراع ضمن إطار قانوني.
من هنا، تبدو المشكلة كامنة لا في مصطلح شيعة إيران بحد ذاته، بل في المنطق الذي يقف خلفه وهو منطق يحول الانتماء المذهبي إلى تهمة أو شهادة ولاء ويُقصي الفرد من وطنيته بمجرد الاشتباه.
تفكيك هذا المنطق يعني إعادة السؤال إلى مكانه الصحيح، لا من حيث الهوية، بل من حيث الفعل السياسي، ماذا يريد هذا السياسي؟؟ كيف يتصرف؟؟ ولصالح من يعمل؟؟
كما أن استعادة التشيع بوصفه موقفاً أخلاقياً من الظلم، لا هوية جاهزة للسلطة من شأنها أن تضع السياسي الشيعي تحت المساءلة بدل منحه حصانة رمزية.

وفي النهاية، لا يمكن إنهاء هذا الانقسام دون دولة قوية وعادلة، فالدولة وحدها القادرة على إنهاء الحاجة إلى الولاءات البديلة وتحويل المواطن من تابع خائف إلى شريك كامل الحقوق.
إن التقسيم بين "شيعة إيران" و "شيعة العراق" لا يعبر عن اختلاف ديني بقدر ما يكشف أزمة الدولة العراقية وعجزها عن إنتاج ولاء وطني جامع.
فالتشيع في جوهره موقف أخلاقي ضد الظلم، لكنه حُوِل سياسياً إلى أداة سلطة وتعبئة تُستخدم لتبرير الارتباطات العابرة للحدود.
وبين خطاب التخوين وخطاب الوصاية يضيع المعنى الحقيقي للمواطنة ولا يكون تجاوز هذا الانقسام بتبديل المصطلحات، بل بتفكيك منطقها ولا بصراع الهويات، بل ببناء دولة عادلة تكون المرجعية الوحيدة للولاء وتعيد للدين مكانته الأخلاقية وللسياسة وظيفتها الخدمية وللمواطن كرامته.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني


المزيد.....




- مصر.. -استقرار نسبي- للجنيه وسط تقلبات الدولار العالمية.. ما ...
- فرنسا تدعم إدراج -الحرس الثوري- على قائمة -المنظمات الإرهابي ...
- أخبار اليوم: 11 دولة تدعو إسرائيل للسماح بإدخال المساعدات إل ...
- فيلسوف إيطالي يتوقع اختفاء وجه أوروبا الذي نعرفه في 2029
- تونس.. تحذيرات من تقلبات جوية جديدة وانتشال جثة بحار ثانٍ
- يعتبرونه ملاذا أخيرا.. مرضى غزة ينتظرون فتح معبر رفح
- هل تغيّر دبلوماسية ترمب الخشنة قواعد اللعبة مع العراق؟
- خبير عسكري: واشنطن تناور بـ-السيناريو الأسوأ- لفرض تسوية على ...
- ما جديد جولة مشاورات اليوم حول قبرص؟
- استشهاد شابين برصاص الاحتلال في الضفة الغربية


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - شيعة ايران وشيعة المواطنة