أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - حسين علي محمود - العهر الوظيفي وانهيار القيم














المزيد.....

العهر الوظيفي وانهيار القيم


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 04:51
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


العهر الوظيفي هو عندما يتحول المنصب إلى بضاعة، يُساوم عليها بالولاء ويُؤجر الضمير في سوق المصالح.
الكرسي هو محور السلطة من يعبده يترقى ومن يُخلص للعمل يُقصى بصمت.
تُعامل الكفاءة كجريمة غير معلنة، لأنها تُربك السادة، فتُدفن خلف مجاملات إدارية جوفاء.
أما المديح هو العملة السائدة وكلما ازداد النفاق تضخم الرصيد واشتد النفوذ.
القانون مجرد زينة شكلية، يُعلَّق للاستعراض ويُهان في الممارسة اليومية.
القرار لا يُتخذ وفق الاستحقاق، بل يُحسم في مزاد خفي يفوز فيه الأقرب لا الأكفأ.
الصمت يُكافأ والحق يُدان والسؤال يُعامل كفعل عدائي يهدد التوازن الزائف.
وتتحول الخدمة العامة إلى سلعة، تُمنح لمن يدفع أو يساير، لا لمن يستحق.

ولا يتوقف العهر الوظيفي عند حدود المكاتب ولا ينحصر في توقيع فاسد أو قرار منحاز، بل يتسلل ببطء إلى الوعي العام ويعيد تشكيل القيم دون أن يعلن نفسه.
يتحول إلى عرف غير مكتوب وإلى منطق يومي يتعلمه الموظف الجديد قبل أن يتعلم نظام الدوام.
يُدرَّس همساً في الممرات "لا تكن نزيها أكثر من اللازم"، "افهم اللعبة قبل أن تتحدث"، "الحق جميل، لكنه لا يطعم خبزا" ، وهكذا تُعاد تربية الإنسان على مقاس الرداءة.
في بيئة كهذه، لا يقتل الطموح دفعة واحدة، بل يُستنزف بالتدريج، يبدأ الفرد متحمساً ثم يُصدم، ثم يُساوم، ثم يتكيف، ثم يبرر، وأخيراً يتحول إلى نسخة أخرى من المنظومة التي كان يلعنها.
هنا لا ينتصر الفساد لأنه قوي، بل لأنه صبور، يراهن على الزمن وعلى تعب الضمائر، ومع الوقت يصبح الصالح غريباً، والنزيه مثيراً للريبة، وصاحب المبدأ عبئاً يجب التخلص منه أو تدجينه.

يخلق العهر الوظيفي مجتمعاً مزدوج الأخلاق، أخلاقاً معلنة تُرفع في الشعارات والخطب، وأخلاقاً فعلية تمارس في الخفاء.
يتعلم الناس أن الصدق خطاب، لا سلوك، وأن الاستقامة رفاهية لا يملكها إلا من لا يريد الترقي، وحين يرى المواطن أن من يخدمه يُهان ومن يسرقه يكافأ، يفقد إيمانه بفكرة العدالة نفسها، لا بعدالة المؤسسة فحسب.
هنا يبدأ الانفصال الخطير بين الفرد والدولة، بين القانون والاحترام، بين الواجب والانتماء.
أما أخلاقياً، فإن العهر الوظيفي يُحدث تشوهاً عميقاً في مفهوم الكرامة، حيث تتحول الكرامة من قيمة داخلية إلى امتياز إداري تُمنح وتُسحب بقرار.
يتعلم الإنسان أن ينحني لا لأنه مقتنع، بل لأنه خائف وأن يصمت لا لأنه حكيم، بل لأنه مهدد.
ومع تكرار الانحناء، يفقد الظهر ذاكرته وتصبح العبودية خياراً عقلانياً في نظر كثيرين، وهنا تكمن أخطر نتائج العهر حين يصبح الانحراف هو الطريق الآمن وتصبح الأخلاق مغامرة غير محسوبة.
فكرياً يُنتج هذا الواقع عقلاً نفعياً مشوهاً، يرى كل شيء من زاوية الربح والخسارة الشخصية ويعيد تعريف المفاهيم الكبرى بما يخدم البقاء الفردي.
يُفرغ الوطن من معناه ليصبح مجرد مساحة نفوذ وتُختزل الوظيفة من خدمة عامة إلى غنيمة ويُعاد تعريف النجاح لا بوصفه إنجازاً، بل بوصفه قدرة على التسلل دون محاسبة. في هذا المناخ، لا يعود السؤال، "ما الصواب؟؟" بل "من الأقوى؟؟"، ولا يعود النقاش حول الأفكار، بل حول الولاءات.
ومع الزمن، لا يبقى العهر الوظيفي حبيس الإدارة، بل ينعكس على الأسرة، والتعليم، والإعلام، والشارع.
يرى الطفل أباه يكذب لينجو، فيتعلم أن الكذب ذكاء، ويرى الطالب أن الغش ينجح أكثر من الاجتهاد، فيكره المعرفة. يرى الشاب أن العلاقات تفتح الأبواب أكثر من الكفاءة، فيحتقر ذاته أو ينخرط في اللعبة.
هكذا تتكاثر النسخ المشوهة من الإنسان، لا لأنها فاسدة بالفطرة، بل لأنها تكيفت مع بيئة لا تكافئ إلا الفساد.
والأخطر من كل ذلك، أن العهر الوظيفي يقتل فكرة المسؤولية الجماعية.
فكل فاسد يجد لنفسه عذراً متمثل بعبارة "غيري أسوأ"، "النظام هكذا"، "لن أغير شيئاً".
تتفتت الجريمة إلى أجزاء صغيرة لا يشعر أحد بثقلها، بينما تتراكم النتائج على المواطن الأعزل، وحين يُسحق المواطن بين إدارة فاسدة وخطاب كاذب، لا يبقى له سوى الغضب أو اللامبالاة، وكلاهما علامة انهيار.
إن العهر الوظيفي ليس خللاً إدارياً يُصلح بقرار ولا سلوكاً فردياً يُعالج بالعقوبة وحدها، بل منظومة قيم منحرفة تحتاج إلى صدمة ووعي ومواجهة.
مواجهة تبدأ بإعادة الاعتبار للوظيفة بوصفها أمانة وللسؤال بوصفه حقاً، وللرفض بوصفه شجاعة.
تبدأ حين يُكافأ من يعمل، لا من يصفق، وحين يُحترم القانون لأنه قانون، لا لأنه معلّق على الحائط.
وحينها فقط، يمكن للمؤسسات أن تستعيد طهارتها، لا بمعنى الملائكية، بل بمعنى الحد الأدنى من الشرف، شرف أن لا يُهان الإنسان لأنه نزيه، ولا يُكافأ لأنه فاسد.
لأن المجتمعات لا تنهار حين يكثر الفاسدون فقط، بل حين يُجبر الشرفاء على التعايش مع الفساد كقدر وحين يصبح العهر الوظيفي أسلوب حياة، لا عارًا يُقاوَم.

الخلاصة:
العهر الوظيفي لا يُفقر الإدارة فقط، بل يُدنس معناها.
وحين تُدنس المؤسسات، لا يُسحق الشرف وحده، بل يُدفن الأمل ويُترك المواطن ليدفع الثمن كاملاً باسم نظام فقد روحه قبل أن يفقد كفاءته.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع
- استعراض المسؤول وصناعة الوهم السلطوي
- طغيان الولاء وموت العقل
- خرائط الشخصية وأنماط الذات
- هندسة الوعي في الفضاء الرقمي
- زيارة محمد بن سلمان لواشنطن، مقاربة في العلاقات الدولية


المزيد.....




- طائرات مقاتلة أردنية تشارك بضرب أهداف داعش في سوريا السبت
- غارات إسرائيلية في غزة والاحتلال يعترف بقتل 3 فلسطينيين
- الجزيرة نت ترصد تفاصيل -مرعبة- لحياة الغزّيين عند -الخط الأص ...
- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - حسين علي محمود - العهر الوظيفي وانهيار القيم