أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي















المزيد.....

اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 22:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثاً أمنياً عابراً ولا مجرد إجراء قانوني ضد رئيس متهم بجرائم عابرة للحدود، بل شكل لحظة كسر حقيقية في بنية النظام الدولي، لأن الولايات المتحدة وللمرة الأولى منذ عقود، أقدمت على اعتقال رئيس دولة قائم في الحكم خارج أراضيها وبقوة مباشرة في خطوة تشبه إعلاناً غير مكتوب عن الانتقال من إدارة الصراع إلى فرضه بالقوة.
هذا الحدث لم يغير فقط معادلات الداخل الفنزويلي، بل أعاد طرح سؤال السيادة وحدود الشرعية ومن يملك حق تقرير المصير في عالم باتت فيه القوة الصلبة تعود إلى الواجهة دون مواربة.
فنزويلا في الوعي الاستراتيجي الأمريكي، لم تكن يوماً مجرد دولة تعاني انهياراً اقتصادياً أو نظاماً اشتراكياً معزولاً، بل كانت عقدة تهديد مركبة.
فهي الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم وتقع في الفناء الخلفي التاريخي للولايات المتحدة، وجرؤت منذ عهد هوغو تشافيز على تحويل النفط من أداة اندماج في النظام الأمريكي إلى أداة سيادة وبناء تحالفات مع خصوم واشنطن.
ومع وصول مادورو، لم يعد التمرد رمزياً أو خطابياً، بل أصبح تموضعاً استراتيجياً واضحاً، رافضاً لشروط المؤسسات المالية الدولية ومتشابكاً اقتصادياً وعسكرياً مع روسيا، ومنفتحاً سياسياً ومالياً على الصين، ومرتبطاً بتحالف وظيفي مع إيران في كسر الحصار والعقوبات.
من هذا المنظور، لم يكن استهداف مادورو شخصياً نابعاً من ملف المخدرات أو الإرهاب كما تروج الرواية الأمريكية، بل من كونه رأس نظام أثبت قدرة غير متوقعة على الصمود. فعلى الرغم من العقوبات الخانقة والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية، نجح النظام الفنزويلي في الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية وإفشال محاولات الانقلاب السياسي سواء عبر المعارضة الداخلية أو عبر نموذج "الرئيس البديل" الذي حاولت واشنطن تسويقه دولياً.
وحين فشلت أدوات الضغط التقليدية من الحصار المالي إلى التجريم القانوني والعزل الدبلوماسي، بدا أن الولايات المتحدة انتقلت إلى مرحلة أكثر جذرية، عنوانها كسر الرأس بدل تطويق الجسد.
اعتقال مادورو بهذا المعنى، لا يمكن فصله عن التحول الأوسع في العقيدة الأمريكية في ظل عالم يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية.
فالولايات المتحدة التي تواجه تمدد النفوذ الروسي والصعود الصيني وقدرة إيران على بناء شبكات التفاف معقدة، أرادت أن توجه رسالة قاسية مفادها أن تحديها حتى في زمن تراجعها النسبي، لا يزال مكلفاً إلى حد الإزالة السياسية والجسدية.
لقد كان الاعتقال فعلاً استعراضياً بقدر ما كان أمنياً ورسالة ردع موجهة ليس فقط إلى كاراكاس، بل إلى موسكو وبكين وطهران، مفادها أن الفناء الخلفي الأمريكي لا يزال خطاً أحمر وأن إعادة رسم خرائط النفوذ فيه لن تمر دون ثمن.

شكل اعتقال مادورو بالنسبة لموسكو ضربة رمزية واستراتيجية في آن واحد، ففنزويلا كانت إحدى أهم أوراق موسكو في نصف الكرة الغربي، ليس من حيث الوزن العسكري المباشر، بل من حيث المعنى الجيوسياسي.
وجود حليف روسي صلب قرب المجال الحيوي الأمريكي كان يمثل كسراً للاحتكار وورقة ضغط غير مباشرة في ملفات أكبر كأوكرانيا وأوروبا الشرقية.
إخراج مادورو من المشهد بهذه الطريقة، يقلص قدرة موسكو على المناورة في هذا الفضاء ويؤكد حدود قدرتها على حماية حلفائها البعيدين جغرافياً حين تواجه القوة الأمريكية بشكل مباشر.
أما الصين، فقد تلقت الصدمة بطريقة مختلفة ولكن لا تقل خطورة.
فبكين التي بنت نفوذها في فنزويلا على القروض والاستثمارات والبنية التحتية والطاقة وليس على الحماية العسكرية أو الاصطفاف الأيديولوجي وجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية عميقة.
اعتقال رئيس دولة حليفة كشف هشاشة نموذج النفوذ الاقتصادي غير المسنود بقوة سياسية أو أمنية وطرح داخل دوائر القرار الصيني سؤالاً جوهرياً حول حدود القوة الناعمة عندما تواجه قوة صلبة لا تتردد في كسر الأعراف الدولية إذا تعارضت مع مصالحها الحيوية.
من جهتها فإن طهران، قرأت الحدث بقلق وجودي أكثر منه سياسي، ففنزويلا لم تكن مجرد حليف بعيد، بل نموذجاً رمزياً لدولة محاصرة نجحت في كسر العزلة وبناء شبكات تعاون تتجاوز الجغرافيا.
إن اعتقال مادورو أعاد إلى الواجهة في طهران هاجس السيناريو القابل للتكرار، أي أن ما جرى في كاراكاس قد يتحول في ظرف مختلف إلى أداة ضغط أو تدخل في ساحات أخرى.
لذلك، فإن الخسارة الإيرانية لم تكن مادية بقدر ما كانت رمزية، لأنها تضرب فكرة إمكانية الصمود الطويل خارج النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
ولا يتوقف أثر هذا الحدث عند حدود الدول الكبرى، بل يمتد إلى دول مثل العراق التي تبدو بعيدة جغرافياً لكنها قريبة بنيوياً من طبيعة الصراع.
فالعراق بوصفه دولة نفطية ذات سيادة معقدة وتوازنات داخلية حساسة، يراقب هذا التطور بقلق سياسي مكتوم. الرسالة التي يلتقطها صانع القرار العراقي لا تتعلق بمادورو كشخص، بل بفكرة أن رئيس دولة يمتلك شرعية داخلية وتحالفات دولية يمكن أن يُزال بالقوة حين يتعارض مساره مع الإرادة الأمريكية.
هذا يعمق من منطق الحذر في السياسة الخارجية العراقية ويعزز الميل نحو سياسات التوازن الرمادي بدل الاصطفاف الواضح، كما يقوي داخل الدولة العراقية تياراً يرى أن الاعتماد على التفاهمات غير المكتوبة مع واشنطن قد يتحول من ضمانة إلى أداة ضغط.
أما اقتصادياً، فإن أي إعادة تشكيل لخريطة النفط العالمية أو إخراج قسري لفنزويلا من معادلة الطاقة ينعكس مباشرة على العراق سواء عبر تذبذب الأسعار أو عبر إعادة توزيع النفوذ والحصص داخل سوق نفطي بات أكثر تسييساً من أي وقت مضى، ما يضع الاقتصاد العراقي الريعي أمام هشاشة إضافية.
وعلى مستوى الاقتصاد النفطي الدولي، فإن اعتقال مادورو يتجاوز كونه حدثاً سياسياً ليصبح عامل اضطراب في بنية سوق الطاقة العالمية.
ففنزويلا رغم تراجع إنتاجها، كانت تمثل احتياطياً استراتيجياً مؤجلاً يمكن أن يعاد ضخه في السوق عند أي اختلال كبير.
أما إخراجها القسري من المعادلة السيادية وفتح باب إعادة هيكلة قطاعها النفطي تحت إشراف أمريكي أو غربي محتمل، يعيد طرح سؤال من يملك قرار الطاقة عالمياً.
هذا التطور يعمق مخاوف الدول المنتجة من تسييس النفط إلى أقصى حد ويزيد الشكوك داخل أوبك بشأن مستقبل استقلال القرار النفطي، كما يضغط على الأسعار عبر خلق حالة عدم يقين مزمنة، حيث تصبح الإمدادات رهينة الصراع السياسي لا منطق العرض والطلب وحده.
وفي عالم يقوم فيه الاستقرار الاقتصادي على استقرار الطاقة، فإن ما جرى في فنزويلا يؤكد أن النفط لم يعد مجرد سلعة استراتيجية، بل ساحة مواجهة مفتوحة في صراع النفوذ العالمي.
في المحصلة، لم يكن اعتقال مادورو نهاية فصل، بل بداية مرحلة أكثر قسوة ووضوحاً، مرحلة تتراجع فيها الأقنعة القانونية وتعود فيها السياسة الدولية إلى لغتها الأصلية وهي القوة.
فنزويلا لم تكن الهدف النهائي، بل الساحة، ومادورو لم يكن سوى الحلقة التي جرى كسرها لإعادة رسم خطوط الردع. وما سيلي هذا الحدث من إعادة تموضع وصراعات صامتة وتحالفات مضادة، سيحدد إلى حد بعيد شكل النظام الدولي القادم بين عالم تحكمه قواعد مشتركة وعالم تحسمه اليد القادرة على الوصول والاعتقال والإزالة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع
- استعراض المسؤول وصناعة الوهم السلطوي
- طغيان الولاء وموت العقل
- خرائط الشخصية وأنماط الذات
- هندسة الوعي في الفضاء الرقمي
- زيارة محمد بن سلمان لواشنطن، مقاربة في العلاقات الدولية
- دور الأسرة ضمن منظومة الأمن الفكري والمجتمعي، مقاربة تحليلية ...
- سفاري الموت، الحرب والوحشية الإنسانية
- الموصل وصراع التمثيل السياسي


المزيد.....




- ما أهمية غرينلاند التي يريد ترامب السيطرة عليها؟
- ماذا نعرف عن -إعلان لانسينغ- الذي أيدت أمريكا فيه سيطرة الدن ...
- هدوء حذر يخيم على حلب وتعليق الدراسة والدوام والرحلات الجوية ...
- ترامب: فنزويلا ستسلم واشنطن قرابة 50 مليون برميل نفط
- توتر بحري روسي أميركي قرب فنزويلا.. موسكو ترسل غواصة
- واشنطن تضع وزير الداخلية الفنزويلي على رأس أهدافها
- -فنزويلا ستسلّم أمريكا ما بين 30 و50 مليون برميل نفط-.. ترام ...
- سوريا تعلق الرحلات الجوية في حلب مع اندلاع اشتباكات بين الجي ...
- لماذا يبدو النظام الإيراني في أضعف حالاته؟
- قتيل ومصابون في مظاهرة للحريديم بالقدس


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي