أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - الدين بين الأخلاق والهيمنة














المزيد.....

الدين بين الأخلاق والهيمنة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 04:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تهتم الناس بالمكان الذي ينبت فيه الشعر بوجه الرجل، حيث الشارب : قومي متهور وحالم وغير واقعي.
الاملط : ثاثر وشيوعي وزنديق.
الملتحي : طيب، متدين وسفير للجنة.
الناش ما تفرق بين الدين ورجل الدين وبين هذين الاثنين حتما تدخل السياسة، واذا تدخل رجل الدين بالسياسة يصبح سياسي( بواجهة دينية).
مجتمعاتنا تعطي الشخصية الدينية قدسية حيث تضعها فوق شبهات الشك، فوق الاسئلة، وكلنا نعرف أن سيدنا موسى كان يسأل الخضر وهو متأكد بأن الخضر كان يوحى إليه، مع ذلك ضل يسأله وما تحمل فكرة السكوت، لأن الله أراد أن يوصل لنا بأن الأخلاق هي الاساس والدين متمم للأخلاق.
سيدنا موسى رأى تصرفات رفضها عقله أخلاقيا وبسبب ذلك سأل وحرم نفسه من فرصة البقاء مع الخضر.

إن استمرار هذا النمط من التفكير لا ينتج مجتمعاَ متديناً بقدر ما ينتج مجتمعاً مروضاً، مجتمعاً اعتاد أن يستبدل القيم بالرموز والجوهر بالقشرة والعقل بالطاعة.
فحين يصبح الشكل الديني جواز مرور أخلاقياِ، فإن أول ما يغتال هو مبدأ المسؤولية الفردية، لأن الإنسان يحاسب عندها على مظهره لا على فعله وعلى انتمائه لا على ضميره.
في هذا السياق، تتحول اللحية من خيار شخصي أو دلالة ثقافية إلى لغة سلطة وتتحول بقية الأشكال إلى لغات مشتبه بها، ليس لأن أحدها أكثر أخلاقية بالضرورة، بل لأن المجتمع اعتاد ربط الطمأنينة بما هو مألوف وربط الخطر بما هو مختلف.
وهكذا، يكافأ الامتثال ويعاقب السؤال وينظر إلى النقد بوصفه تهديداً لا ضرورة معرفية، هذا المنطق لا يحمي الدين، بل يحمي الكسل الفكري الذي يتخفى خلفه.
المشكلة الأعمق أن هذا التصنيف لا يقف عند حدود الحكم الاجتماعي، بل يتغلغل في بنية الوعي ليعيد تشكيل الضمير الجمعي، فالفرد يتعلم منذ الصغر أن الصالح هو من يشبه الصورة الجاهزة لا من يلتزم بالقيم في لحظات الاختبار الحقيقي.
ومع الوقت، يعاد إنتاج النفاق بوصفه فضيلة اجتماعية، افعل ما تشاء، لكن احرص أن يبدو عليك الصلاح، وهنا تفقد الأخلاق معناها العملي وتتحول إلى عرض بصري.
أما حين يدخل رجل الدين إلى السياسة، فإن الخطر لا يكمن في ممارسته للشأن العام بحد ذاتها، بل في استعارته لسلطة المقدس داخل مجال يفترض أن تحكمه المحاسبة والنقد وتعدد الآراء.
السياسي يُسأل ويُحاسب، أما رجل الدين في الوعي الشعبي فيوقَّر ويتجنب نقده، وعندما تدمج الصفتان، تُشلّ آلية المساءلة ويصبح الاعتراض عليه اعتراضاً على الدين نفسه، لا على قراره أو مصلحته أو خطئه البشري.
وهنا بالضبط تتضح أهمية استدعاء قصة سيدنا موسى والخضر مرة أخرى ولكن خارج القراءة الوعظية السطحية. موسى لم يكن شخصاً عادياً، بل نبياً صاحب شريعة ورسالة وأخلاق واضحة.
ومع ذلك، لم يطلب منه تعطيل عقله ولم يمدح صمته، بل كان سؤاله تعبيراً عن التزامه الأخلاقي.
إن خروجه من تجربة الخضر لم يكن عقاباً على الفضول، بل نتيجة طبيعية للتوتر بين منطق الغيب ومنطق الأخلاق الإنسانية.
وهذه القصة، بدل أن تستخدم لتبرير السكوت، تدين كل سلطة تطلب من الناس أن يسلموا دون فهم.
إن أخلاقية الفعل تسبق تأويله الديني لا العكس، فلا معنى لعبادة لا تنعكس عدلاً ولا لقرب من الله يبرر الظلم ولا لقداسة تعطل السؤال.
وكل تدين لا يحتمل النقد هو تدين هش يحتاج إلى حماية اجتماعية لأنه غير قادر على الصمود أمام العقل.
تبدأ التوعية الحقيقية حين نعيد الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية لا كحامل لرمز، حين نفهم أن الإيمان تجربة داخلية لا تقاس بالملامح وأن الدين جاء ليحرر الضمير لا ليخدره. وحين ندرك أن السؤال ليس نقيض الإيمان، بل شرط نضجه وأن الشك ليس كفراً، بل خطوة أولى نحو يقين واع.
مجتمعاتنا لا تعاني من قلة التدين، بل من سوء فهمه ومن تحويله إلى هوية صلبة تقصي بدل أن يكون أفقاً أخلاقياً يسع.
وما لم نفكك هذا الخلط بين الدين ورجاله، بين المقدس والبشري، سنبقى ندور في حلقة تنتج الاستبداد نفسه ولكن بأقنعة مختلفة.
فالتحرر لا يبدأ بنزع اللحية ولا بإطلاق الشارب، بل بنزع الخوف من السؤال وبإعادة الأخلاق إلى مركز الخطاب
وبالاعتراف أن أي سلطة مهما كان لباسها، لا تكون شرعية إلا بقدر خضوعها للنقد والمساءلة.
عندها فقط، يمكن للدين أن يعود إلى مكانه الطبيعي، رافعة للضمير، لا مظلة للهيمنة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي


المزيد.....




- البرلمان الفرنسي يدرس وضع -الإخوان- على لائحة أوروبا للإرهاب ...
- برلمان فرنسا يوافق على قرار أوروبي بتصنيف الإخوان -إرهابية- ...
- مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: هذا العام شهد عودة اليهود الس ...
- من سوريا إلى العراق: ماذا نعرف عن ملف نقل محتجزي تنظيم الدول ...
- بزشكيان لأردوغان: خطة أعداء الشعوب المسلمة تقوم على توسيع ا ...
- جيروزالم بوست: أقر مجلس نواب ولاية فلوريدا مشروع قانون يهدف ...
- السيد الحوثي: ملاذنا كشعوب مسلمة وبلدان إسلامية في العالم ال ...
- رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود أولمرت: نتنياهو ومساعدوه - ...
- وزير الحرب ورئيس الأركان السابق، الجنرال (احتياط) موشيه بوغ ...
- السيد الحوثي : الأمريكي يستهدف كل المنطقة في إطار المخطط الص ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - الدين بين الأخلاق والهيمنة