أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة















المزيد.....

أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 03:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هل حان الوقت للندن ان تتخلى عن العمامة؟؟ أو بعبارة أخرى .. هل أنتهت اللعبة؟؟
من خلال قراءة التاريخ السياسي والايدلوجيات التي كانت ومازالت تتبعها الغرفة المظلمة في لندن انها لم تكن تنظر للعمامة كرمز ديني، بل كريموت كنترول لإدارة الجماهير.
فهل انتهت صلاحية دور بعبع النفوذ الديني؟؟
حين نطرح سؤالًا من قبيل، هل حان الوقت للندن أن تتخلى عن العمامة؟! فنحن لا نسأل عن قطعة قماش ولا عن رمز ديني في ذاته، بل عن نمط كامل من إدارة النفوذ اعتمدته الإمبراطورية البريطانية، ولاحقاً مراكز القوة الغربية في التعامل مع المجتمعات التقليدية خصوصاً في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
العمامة هنا ليست إشارة إيمانية ولا علامة فقهية، بل وظيفة سياسية وأداة ضبط اجتماعي ووسيط غير مرئي بين السلطة والجماهير، ما يسمى في هذا السياق بالغرفة المظلمة في لندن لم تنظر يوماً إلى العمامة بوصفها تعبيراً عن الروح، بل بوصفها ريموت كنترول لإدارة الوعي وتوجيه الطاعة واحتواء الغضب وتأجيل الانفجار.

يكشف لنا التاريخ السياسي للإمبراطورية البريطانية بوضوح أن الدين كان دائماً جزء من هندسة الحكم، لا من احترام الخصوصيات الثقافية كما يروج.
منذ القرن التاسع عشر، أدركت لندن أن الحكم المباشر مكلف وغير مستدام وأن السيطرة الأكثر فاعلية لا تمارس بالسلاح وحده، بل عبر النخب المحلية التي تملك شرعية رمزية متجذرة في المجتمع.
خذ مثلاً في الهند، لم يحكم التاج البريطاني الملايين بالقوة العسكرية فقط، بل عبر شبكة معقدة من الأمراء المحليين ورجال الدين والزعامات التقليدية.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في أثرها، دع الناس يطيعون من يخافون عليه دينياً بدل أن يكرهوك سياسياً. ومن هنا، أصبح رجل الدين المحلي أداة أكثر فاعلية من الحاكم الأجنبي، لأنه يتحدث لغة الناس ويتحرك داخل مخيالهم، كما ويستطيع تحويل الواقع السياسي إلى قضاء وقدر أو حكمة إلهية.
حين انتقلت هذه الخبرة إلى الشرق الأوسط وجدت لندن في العمامة مخزناً جاهزاً للشرعية، في بعض الدول العربية والإسلامية، لم يكن رجل الدين مجرد واعظ، بل وسيطاً اجتماعياً وصمام أمان وقناة يمكن من خلالها تمرير الرسائل أو تعطيلها.
لم يكن السؤال بالنسبة لصانع القرار البريطاني هو ماذا يقول رجل الدين؟! بل متى يقول ومتى يصمت ولمن يوجه غضبه، ومتى يحول الصراع من سياسي إلى أخلاقي أو طائفي. هكذا تحولت العمامة من رمز ديني إلى واجهة محلية للنفوذ ومن حامل محتمل لقيم العدالة إلى حارس للنظام القائم.

أخطر ما في الدين من وجهة نظر الإمبراطوريات، ليس طقوسه ولا نصوصه، بل طاقته التعبوية وقدرته على تحويل المظالم إلى فعل جماعي. لذلك، لم تعمل لندن على محاربة الدين، بل على تدجينه.
جرى دعم قراءات محافظة وتهميش التأويلات العدالية والتحررية وتحويل الخطاب الديني من أفق تغيير إلى أداة تهدئة، حيث أُفرغ الدين من بعده الثوري وأُعيد تقديمه بوصفه أخلاقاً فردية، وصبراً على الواقع وطاعة للسلطة بوصفها قدراً.
في هذا السياق، لم تعد العمامة صوتاً للفقراء، بل خطاباً يطالبهم بالصبر ولم تعد لسان حال المظلومين، بل مفسراً لمعاناتهم بوصفها ابتلاءً لا ظلماً.

مع انسداد المجال السياسي في كثير من المجتمعات، جرى تعويض السياسة بالدين، إذ غاب البرلمان وحضر المنبر، تآكل العقد الاجتماعي وحلت محله الفتوى، وتراجع النقاش العقلاني لصالح خطاب وعظي يبرر الواقع بدل مساءلته. وهكذا، أُعيد تشكيل المجال العام على نحو يفرغ السياسة من مضمونها، ويمنح العمامة دور الوكيل الأخلاقي عن السلطة، حتى وإن بدت ظاهرياً في موقع النقد أو المعارضة.

بعد أفول الإمبراطورية البريطانية الكلاسيكية، لم تختف هذه الاستراتيجية، بل تبدل مركز إدارتها وورثت الولايات المتحدة كثيراً من أدوات النفوذ الناعم، بما فيها توظيف الدين، لكن بأسلوب أكثر براغماتية وأقل صبراً.
لم تعد العمامة بالنسبة لواشنطن أداة ضبط طويلة الأمد بقدر ما أصبحت عنصراً تكتيكياً في صراعات الهوية ووسيلة للتفكيك بقدر ما هي أداة احتواء.
ومع ذلك، بقي الجوهر واحداً هو استخدام المقدس لإدارة الدنيوي، وتوجيه الصراعات بعيداً عن مركز السلطة الحقيقي.

مع مرور الوقت ومع تكرار الدور نفسه، بدأت العمامة تفقد رأسمالها الرمزي، فحين تتماهى مع السلطة أكثر مما ينبغي وحين تتورط في الفساد أو الصمت عن الظلم وحين تعجز عن تقديم إجابات حقيقية عن الفقر والبطالة والكرامة، فإنها تفقد موقعها الأخلاقي.
بدأت الجماهير خصوصاً الأجيال الجديدة، تطرح سؤالاً كان مؤجلاً طويلاً، إذا كانت العمامة تقف دائماً مع النظام، فمن يمثل الناس؟! هذا السؤال لم يعد هامشياً، بل صار مركزياً في الوعي الجمعي.

التحولات العميقة في الوعي لا يمكن فصلها عن تغير أدوات المعرفة، فالجيل الجديد لا يتلقى العالم عبر منبر المسجد أو شاشة التلفزيون الرسمي فقط، بل عبر وسائل التواصل والتجربة اليومية والمقارنة المباشرة مع مجتمعات أخرى.
لم يعد رجل الدين الوسيط الوحيد بين الفرد والمعنى ولا المرجع الأوحد لتفسير الواقع.
وحين جُربت نماذج الحكم باسم الدين، أو تحت وصاية العمامة ولم تُنتج عدالة ولا تنمية ولا كرامة، انكسر الحاجز النفسي الذي كان يمنع النقد، حيث أصبح الاعتراض أكثر جذرية وأقل خوفاً، لأن القداسة نفسها دخلت دائرة السؤال.
هنا يبرز السؤال الحقيقي، هل تخلت لندن فعلاً عن العمامة؟! أم أنها غيرت أدواتها فقط؟!
يشير الواقع إلى أن مراكز النفوذ لم تعد تعتمد على رجل الدين وحده لضبط الجماهير، فالتكنولوجيا والاقتصاد والهويات الفرعية والخوارزميات، باتت أدوات أكثر فاعلية وأسرع تأثيراً.
ومع ذلك، لم تُستبعد العمامة كلياً، بل جرى تقليص دورها وإعادة توظيفها عند الحاجة بوصفها أداة من بين أدوات عديدة، لا بوصفها العمود الفقري للهيمنة كما كانت سابقاً.

اما عن قولنا العمامة ريموت كنترول إمبراطوري، فإنها لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها، فالبطارية ضعفت والأزرار القديمة لم تعد تستجيب كما في السابق.
لكن هذا لا يعني أننا دخلنا عصر التحرر الكامل، بل عصر أدوات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
انتهت لعبة وبدأت لعبة أخرى، ربما أخطر لأنها لا ترتدي زياً دينياً واضحاً.
يبقى السؤال الأهم موجهاً إلينا لا إلى لندن، وهو هل نملك الشجاعة لانتزاع المعنى من أيدي الوكلاء وبناء وعي لا يحتاج إلى وصي دينياً كان أم سياسياً؟؟
برأي، عندما كتبت هذا المقال ليس محاولة لإغلاق النقاش، بل لفتحه على مصراعيه.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع


المزيد.....




- هل ستنسحب أمريكا من حلف الناتو إذا لم يساعدها في ضم غرينلاند ...
- متظاهر يرتدي زيًا تنكريًا يرقص أمام مبنى حكومي أمريكي قبل إس ...
- تراجع -قسد- وسط تقدم القوات الحكومية في شمالي سوريا
- عائلات شلال العوجا بين الرحيل والبقاء في ظل اعتداءات المستوط ...
- الجيش السوري يعلن غرب الفرات -منطقة عسكرية مغلقة- بعد سيطرته ...
- تتحقق: إشعال نساء للسجائر من صورة خامنئي.. فيديوهات من داخل ...
- فرنسا: مظاهرات في باريس دعما للاحتجاجات في إيران
- الرئيس المصري يؤكد -ثوابت- بلاده بشأن سدّ النهضة ويثمّن عرض ...
- هكذا تُدار إيران سياسيا في زمن -لا صلح ولا حرب-
- تعرف على أهم بنود المرسوم الرئاسي السوري الخاص بحقوق الأكراد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة