أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة















المزيد.....

صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 22:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تنبع إشكالية الصراع بين رجل الدولة ورجال الدين على حكم الدولة من تداخل تاريخي ومعرفي بين المجالين السياسي والديني وهو تداخل لم يحسم بصورة نهائية في التجربة العربية المعاصرة، بل ظل قائماً في شكل توتر دائم بين سلطتين، سلطة تدّعي تمثيل المصلحة العامة باسم القانون والدولة وسلطة تدعي تمثيل الإرادة الإلهية باسم النص والدين.
هذا التوتر ليس عارضاً ولا طارئاً، بل هو نتيجة مباشرة لطبيعة نشأة الدولة الحديثة في المجال العربي، حيث أُدخلت مؤسسات الدولة والقانون الحديث إلى مجتمع لم يشهد قطيعة فكرية واضحة مع البنى الدينية التقليدية، فوجدت الدولة نفسها مضطرة إلى الحكم بأدوات مدنية مع الاستناد في الوقت ذاته إلى شرعية دينية رمزية لتثبيت سلطتها.

في هذا السياق، تتقاطع أطروحات المفكرين الكلاسيكيين والمعاصرين مع الواقع العربي بصورة لافتة، فطرح المفكر علي عبد الرازق الذي فكك وهم القداسة السياسية للخلافة واعتبر الحكم شأناً بشرياً خاضعاً للاجتهاد، يبدو حاضراً في الممارسة الغالبة للدولة العربية التي تحكم فعلياً بقوانين وضعية ومؤسسات مدنية، لكنها تتجنب الإعلان الصريح عن هذا الفصل، فتبقي الدين حاضراً في الدستور والخطاب السياسي بوصفه مصدراً للشرعية لا إطاراً حقيقياً للحكم. هذا التعليق بين الفصل والتوظيف يجعل الدولة في حالة رمادية، لا هي دولة دينية ولا هي دولة مدنية مكتملة الوعي بذاتها.
أما ما نبه إليه المفكر "عبد الرحمن الكواكبي" من تلازم الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، فيتجلى في التحالف الضمني أو الصريح بين السلطة السياسية وخطاب ديني رسمي يعمل على إنتاج الطاعة وتحييد النقد، حيث يتحول بعض رجال الدين إلى وسطاء شرعية لا يمارسون وظيفة أخلاقية نقدية، بل يبررون القائم ويضفون عليه طابع الضرورة أو القدر.

هنا لا يعود الصراع بين رجل الدولة ورجل الدين صراعاً صفرياً، بل علاقة تبادل منفعي يدفع ثمنها الدين حين يُختزل في أداة ضبط وتدفع ثمنها الدولة حين تفقد قدرتها على إنتاج شرعية عقلانية مستقلة.
في المقابل، يبرز تصور "محمد عبده" بوصفه حلاً غير مكتمل التحقق، إذ دعا إلى دولة مدنية تستلهم القيم الأخلاقية للدين دون أن تخضع لسلطة رجال الدين.
غير أن الواقع العربي غالباً ما يستدعي الأخلاق الدينية في الخطاب، بينما يفصلها عملياً عن آليات التشريع والإدارة دون بناء جسر فكري أو فقهي معاصر يربط القيم بالمؤسسات، فينشأ نوع من الازدواجية بين خطاب أخلاقي ديني وقانون وضعي لا يصرح بمرجعيته الفلسفية.
في الجهة المقابلة، تعكس أطروحة العالم والمفكر الباكستاني "ابو الأعلى المودودي" حول سيادة الله حضورها في الحركات التي تنظر إلى الدولة القائمة بوصفها كياناً فاقداً للشرعية، لأنها لا تحكم وفق الشريعة كما تُتصور دينياً.
هذا التصور يجعل رجل الدولة في موقع المنافس للسلطة الإلهية ويحول الصراع إلى صراع وجودي لا إداري، حيث لا يعود الخلاف حول كيفية الحكم، بل حول مشروعية الدولة ذاتها.
في مثل هذا المناخ، يصبح الصدام حتمياً سواء اتخذ شكل صراع سياسي سلمي أو عنف رمزي ومادي.
ويزداد المشهد تعقيداً حين نستحضر تحليل علي شريعتي الذي ميز بين دين تحرري ودين مؤسسي، فالدين في الواقع العربي المعاصر لا يظهر بصوت واحد، بل بصوتين متعارضين وهما خطاب ديني رسمي متماه مع السلطة وخطاب ديني احتجاجي يرى في الدولة انحرافاً عن الإسلام الحقيقي. وبين هذين الصوتين يتحول الدين إلى ساحة صراع سياسي، لا إلى مجال إيمان أو أخلاق ويُستنزف المقدس في معارك الشرعية والتمثيل.
أما من زاوية الفكر السياسي الغربي، فيمكن قراءة الواقع العربي بوصفه تطبيقاً جزئياً لنموذج المفكر والفيلسوف الانكليزي "توماس هوبز"، حيث تسعى الدولة إلى إخضاع المجال الديني وتنظيمه خوفاً من الفوضى دون أن تصل إلى نموذج الفيلسوف الانكليزي "جون لوك" القائم على الفصل الواضح وحرية الاعتقاد بوصف الدين شأناً فردياً.

هنا الدولة لا تحيّد الدين، بل تديره ولا تفصله عن السياسة، بل تسيطر عليه وهو ما يؤدي إلى تديين السلطة بدل عقلنتها.
ويكتمل هذا المشهد بتحليل عالم الاجتماع الالماني "ماكس فيبر" لأزمة الشرعية، إذ تعتمد السلطة السياسية على شرعية قانونية شكلية لا تكفي وحدها، فتستعين بالرمزية الدينية لتعويض نقص القبول الشعبي، في حين يعتمد رجال الدين على قداسة النص لتعويض غياب القوة التنفيذية، فينشأ صراع خفي على من يملك تعريف الشرعية لا على من يحسن إدارة الدولة.
في المحصلة، يتضح أن إشكالية الصراع بين رجل الدولة ورجل الدين في الواقع العربي ليست صراعاً بين الدين واللادين ولا بين الإيمان والكفر، بل صراع على السلطة الرمزية وعلى من يملك حق تعريف المصلحة العامة وتحديد مصدر الإلزام.
وبدل أن يؤدي هذا الصراع إلى توازن صحي بين المجالين، غالباً ما ينتهي إلى نتيجة مزدوجة وهما تسييس الدين حتى يفقد قدرته الأخلاقية وتديين السياسة حتى تفقد عقلانيتها، فتُضعف الدولة والدين معاً.

وأمام هذا الانسداد البنيوي الذي ينتج تسييس الدين وتديين السياسة في آن واحد، لا يبدو الخروج من إشكالية الصراع بين رجل الدولة ورجل الدين ممكناً من خلال الإقصاء المتبادل أو الحسم القسري لصالح أحد الطرفين، بل عبر إعادة تأسيس العلاقة بين المجالين على أساس تعاقدي واضح.
ففكرة العقد الاجتماعي بمعناها الحديث، تتيح نقل مصدر الشرعية من الادعاء المطلق سواء كان دينياً أو سلطوياً إلى توافق اجتماعي صريح يحدد مجال السلطة السياسية وحدودها ويجعل إدارة الشأن العام مسؤولية بشرية خاضعة للمساءلة دون أن يُلغي الدين بوصفه مكوناً قيمياً وثقافياً في حياة المجتمع.
في هذا الإطار، لا يعود الدين مصدراً مباشراً للإلزام السياسي، بل عنصراً أخلاقياً عاماً يثري المجال العام دون أن يحتكره.
ويظل هذا العقد هشاً ما لم يُدعَّم بفصل مؤسسي حقيقي بين السلطات، لا سيما بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، فصل لا يستهدف نفي الدين من المجال العام، بل تحييده عن منطق السيطرة والإكراه.
فاستقلال الدولة عن الفتوى واستقلال المؤسسة الدينية عن جهاز الحكم من شأنه أن يحمي السياسة من القداسة ويحمي الدين من الابتذال ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع عقائدي مغلق.
بهذا المعنى، يصبح فصل السلطات آلية لحماية الطرفين معاً، لا انتصاراً لأحدهما على الآخر.
غير أن هذا الفصل يظل شكلياً إذا لم يواكب بجهد فكري عميق يعيد النظر في أنماط فهم الدين نفسها، فالتفسير المتجدد للنصوص الدينية القائم على إدراك تاريخيتها وتعدد إمكانات تأويلها، يسمح بفك احتكار رجال الدين للحقيقة المطلقة ويعيد للدين وظيفته الأصلية بوصفه مصدراً للمعنى والقيم لا جهازاً للهيمنة.
ومن دون هذا التجديد، سيبقى الدين عرضة للتوظيف السياسي وستظل الدولة أسيرة البحث عن شرعية تستعيرها من المقدس بدل أن تبنيها من رضا المحكومين.
بهذا المعنى، لا يكمن الحل في إقامة دولة دينية ولا في فرض علمانية صلبة منفصلة عن المجتمع، بل في بناء دولة مدنية واعية بذاتها، تعترف بتعدد مصادر المعنى داخل المجتمع، وتخضع السلطة السياسية لمنطق القانون والمساءلة وتترك للدين مجاله الأخلاقي والروحي الحر، عندها فقط يمكن تفكيك الصراع بين رجل الدولة ورجل الدين لا عبر إنهائه قسراً، بل عبر تجاوزه ضمن أفق يحرر الدولة من القداسة ويحرر الدين من السلطة.
ويبقى السؤال معلقاً بلا حسم، من يحكم باسم من، ولمصلحة من؟!



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي


المزيد.....




- الاحتلال يُبعد إمام المسجد الإبراهيمي ورئيس السدنة 15 يوما
- كنائس القدس ترفض التدخلات الخارجية وتحذر من الصهيونية المسيح ...
- مصادر فلسطينية: قوات الإحتلال تحتجز المصلين في المسجد الكبير ...
- قاليباف: الكيان الصهيوني يسعى لتفكيك الدول الإسلامية
- قوات الاحتلال تقرر إبعاد مدير المسجد الإبراهيمي بالخليل
- رئيس إيران يحذر من أي هجوم على المرشد الأعلى: سيكون بمثابة إ ...
- الفاتيكان فاوض على سحب مادورو إلى روسيا قبل العملية الأمريكي ...
- قائد الثورة الاسلامية يعزي اية الله السيستاني بوفاة شقيقه
- توسع استيطاني في الضفة.. الكشف عن مشروع جديد لقطع التواصل بي ...
- قائد الثورة الإسلامية يعرب عن تعازيه بوفاة آية الله السيد ها ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة