أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - التوارث الفكري واستلاب العقل














المزيد.....

التوارث الفكري واستلاب العقل


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 08:00
المحور: المجتمع المدني
    


هناك شيء أخطر من الجهل اسمه التوارث الفكري يعني أن الانسان يعيش بعقل غير عقله اي بعقول مستأجرة من الاهل والعشيرة والمجتمع، والذي دائما ما يتمثل بعبارة (هذا ما وجدنا عليه آبائنا) بعيد عن الفكرة الصحيحة، لكن هذا ما تربينا عليه، هذا ما وجدناه من الصغر وفي الكبر.
وهنا الكارثة، انت لا تختار او تعيش حياتك وفق قناعاتك الفكرية، لكن تستلم ذلك مثل الإرث بدون نقاش وبدون دليل وبدون تفكير أيضا.
فتكره اشخاص لا تعرفهم، تحارب افكار لم تفهمها، وتبرر وتدافع عن اخطاء فقط لأن من حولك يؤمنون بها.
تورث أن العيب أهم من الحق ودائما تكون امام موقف اسكت ولا تعترض ولا تسأل!!
التوارث الفكري يجعل من مجتمع كامل ينتهج نفس الخطأ جيل بعد جيل وبكل ثقة تُسمى اصالة.
وهنا لا يعود الإنسان كائناً حراً بقدر ما يصبح نسخة مكررة يمشي على سكة مرسومة سلفاً، يخاف الانحراف عنها لا لأنها خطأ، بل لأنها غير مألوفة.
في مجتمع كهذا لا يقاس الوعي بقدرته على الفهم، بل بمدى التزامه بما هو شائع ولا تدان الفكرة لأنها باطلة، بل لأنها غريبة.
الغرابة وحدها جريمة والاختلاف تهمة والسؤال سوء أدب.
التوارث الفكري لا يحتاج إلى سلطة قمعية كي يستمر، لأنه يتحول مع الوقت إلى رقابة ذاتية.
الفرد نفسه يصبح الحارس على أفكاره، يقمع شكوكه قبل أن ينطق بها ويخنق تساؤلاته حتى لا يتهم بالخروج عن الصف. وهكذا تدفن الأسئلة في الصدور لا لأنها أُجيبت، بل لأنها خُوِّفت.
المأساة الحقيقية أن هذا التوارث لا يقدم بوصفه خياراً، بل كقدر، حيث يولد الإنسان ليقال له منذ طفولته "هذه حدودك" أو "هذا تفكيرك"، "وهذا ما يجوز وما لا يجوز".
يكبر وهو يخلط بين الاحترام والخضوع وبين القيم والخوف وبين الحكمة والصمت، فيتعلم أن السلامة في التكرار وأن النجاة في التشبه وأن التفكير المستقل مخاطرة لا طائل منها.
ومع الزمن تتحول الأخطاء إلى مسلمات والمسلمات إلى مقدسات وأي محاولة لمراجعتها تُواجه بالاتهام لا بالحجة.
لا يسأل "هل هذا صحيح؟!" بل "من قال بهذا؟؟"، "ومن يقف خلفه؟!"، "هل هو منا أم من غيرنا؟؟" وكأن الحقيقة تقاس بالانتماء لا بالمنطق وبالعدد لا بالدليل.
في ظل هذا المناخ، لا تقتل الأفكار الجديدة فحسب، بل يقتل أصحابها معنوياً، إذ يُشيطَن المختلف ويُهمش المتسائل ويُعزل من يحاول أن يرى العالم بعينين لا بعين واحدة.
ليس لأنه أخطأ، بل لأنه حاول وهكذا يُعاد إنتاج نفس العقلية جيلاً بعد جيل وتُمنح لها أسماء براقة: مثل الهوية، الخصوصية، والأصالة، بينما هي في جوهرها خوف مزمن من مواجهة الذات.
لكن المجتمعات لا تتقدم بما ترثه، بل بما تراجعه ولا تنضج الأفكار لأنها قديمة، بل لأنها خضعت للاختبار.
السؤال ليس خيانة والمناقشة ليست تمرداً والاختلاف ليس خطراً، بل هو العلامة الأولى على حياة فكرية سليمة، فالعقل الذي لا يُسمح له بالشك، لن يصل يوماً إلى اليقين والعقل الذي لا يُدرب على التفكير، سيظل يبحث دائماً عمن يفكر عنه.
إن أخطر ما في التوارث الفكري أنه يقنع الإنسان بأن ما لم يختره هو خياره وما لم يفهمه هو قناعته وما فُرض عليه هو هويته.
وحينها لا يعود الصراع بين حق وباطل، بل بين وعي غائب ووعي مؤجل، فإما أن نستعيد حقنا في السؤال، أو نستمر في تكرار الإجابات نفسها ونندهش لماذا لا يتغير شيء.
الحقيقة لا تولد من الطاعة العمياء، بل من السؤال والمناقشة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية


المزيد.....




- صدمة واحتجاجات بعد اعتقال هيئة مكافحة الهجرة طفلا بولاية مين ...
- فيديو مسرب يكشف ما دار بين قادة فنزويلا بعد اعتقال مادورو
- رد فعل إيران على القرار -المسيّس- لمجلس حقوق الإنسان
- مجلس حقوق الإنسان يمدد التحقيق في احتجاجات إيران
- الحوثي: تأخر حسم كشوفات الأسرى يعرقل تنفيذ اتفاق مسقط
- المفوض الأممي لحقوق الإنسان يندد بالانتهاكات ضد المهاجرين بأ ...
- إيران: العفو الدولية تُوَثق استخدام أسلحة حربية في الاحتجاجا ...
- -تعرض للاعتقال والتعذيب في بلده-.. طالب مصري سيفقد تأشيرته و ...
- مقررة أممية تطالب بتعليق عضوية إسرائيل بعد هدم مقر الأونروا ...
- ممثل إيران في مجلس حقوق الإنسان: بلادنا أقرت حق الإيرانيين ف ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - التوارث الفكري واستلاب العقل