أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر














المزيد.....

الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 02:57
المحور: المجتمع المدني
    


يعمد البعض الى اسلوب التسول العاطفي في حياته ويلعب دور الضحية أو الأبله وهو لا يعلم ان ذلك هو السجن الحقيقي له مهما حاول الابتعاد وتجنب ذلك، إضافة ان كل ما في هذا العالم لا يدين له بشيء.
يستيقظ كل يوم وينتظر التعويض، أو ينتظر أن يعتذر من أساء له، وأن يقدره مديره فجأة، أو أن تأتيه الفرصة الذهبية على طبق من فضة لأنه يستحقها.
لكن الحقيقة القاسية هي أن لعب دور الضحية يمنحه راحة خفية، لأنه قد يعفيه من مسؤولية المحاولة ويمنحه مبرراً جاهزاً للفشل، ولكن من أين نشأ هذا الاعتقاد المدمر بأن العالم مدين لنا؟!
لقد برمجتنا الطفولة والمدرسة أحياناً على معادلة خاطئة وهي "إذا كنت طيباً وبذلت جهداً، ستحصل حتماً على المكافأة!!"
هذه المعادلة صحيحة في الامتحانات، لكن الحياة ليست كالمدرسة، نحن دائما نخلط بين الاستحقاق الذاتي وبين الاستحقاق السوقي.
لا يكافأ العالم على احتياجك أو طيبتك، بل على القيمة التي تضيفها والاستمرار في هذا الخلط يكلف ثمناً نفسياً باهظاً.
عندما تعيش بعقلية المستحق الذي لا يحصل على شيء ويتحول قلبك إلى مصنع للمرارة والحسد، تصبح مراقباً لنجاحات الآخرين بدلاً من صانع لنجاحك.
والأسوأ، أنك تصاب بالشلل التحليلي وتنتظر الظروف المثالية والدعم الكامل والوقت المناسب للبدء، وبما أن الكمال غير موجود، فستظل واقفاً مكانك للأبد.

في الحقيقة أن لا أحد قادم لإنقاذك وقد تبدو جملة قاسية، لكنها في عمق علم النفس هي قمة التحرر.
ويكون التحرر في اللحظة التي تتوقف فيها عن انتظار المنقذ الخارجي (شخص، وظيفة، فرصة)، تستعيد أنت مقود حياتك وتتوقف عن كونك رد فعل لما يحدث لك وتصبح أنت الفاعل.
ولو أردنا الخروج من منظور التسول العاطفي الى حياة افضل وبعيدة عن الإرهصات الفكرية والمزاجية، يجب
استبدال التوقع بالعطاء، كيف؟!
بدلاً من سؤال "لماذا لا يعطوني؟"، اسأل نفسك كل صباح "ما هي المشكلة التي يمكنني حلها اليوم؟! ما القيمة التي سأضيفها؟؟"
ينبغي التحول من عقلية المستهلك إلى عقلية المنتج وتحمل المسؤولية الجذرية.
يجب التوقف عن لوم الظروف، فالكون ليس ضدك، لكنه أيضاً ليس منحازاً لك.
كفى لعب دور الضحية إلا إذا اخترت أن تلعب هذا الدور وتوقف عن انتظار الإذن لتعيش حياتك، الإذن بيدك أنت.

لكن السؤال الأعمق، لماذا يتمسك البعض بدور الضحية رغم ألمه؟؟ لأنه يمنحنهم هوية جاهزة وموقفاً مريحاً نفسياً.
حين تقول أنا مظلوم، فأنت تعفي نفسك من السؤال الأكثر إيلاماً، ماذا كان يمكنني أن أفعل بشكل مختلف؟!
الضحية لا تخاطر ولا تبادر ولا تُحاسب، تقف في منطقة تبدو آمنة، لكنها في الحقيقة منطقة ركود بطيء يستنزف العمر دون أن تشعر.
تعيش عقلية الضحية على أوهام خفية، إذ توهمك أن العالم يجب أن يسير وفق مقاييسك الأخلاقية وأن نواياك الطيبة كافية ليكافئك الواقع وأن البداية لا بد أن تكون كاملة حتى تستحق أن تبدأ.
ومع الوقت تتحول هذه الأوهام إلى مرشح ترى من خلاله كل شيء، حيث نجاح الآخرين يبدو استفزازاً والنقد يبدو إهانة والتأخير يبدو مؤامرة.
وهكذا تتشكل شخصية سريعة الغضب، بطيئة الإنجاز، عالية الحساسية، وقليلة التفاعل.

قد تكون فعلاً تعرضت لظلم وقد تكون البيئة غير عادلة وهذا لا يمكن إنكاره أو التقليل من أثره، لكن الفرق بين شخصين مرا بالظرف ذاته أن أحدهما قال : هذا يفسر ما حدث لي، والآخر قال : هذا لا يحدد ما سأصبح عليه.
قد يشرح الماضي جراحك، لكنه لا يملك الحق في رسم مستقبلك ما لم تمنحه أنت هذا الحق.
يبدأ التحرر حين تعترف بدورك ولو كان صغيراً جداً، حتى لو كانت مسؤوليتك خمسة بالمئة فقط، امتلكها كاملة لأنك لا تستطيع تغيير بقية النسب، لكنك تستطيع توسيع هذا الجزء الصغير حتى يكبر.
ينبغي أن تفرق بين قيمتك كإنسان وبين نتائجك في الواقع، ففشلك لا يعني أنك بلا قيمة، بل يعني أن طريقتك تحتاج مراجعة وأن مهاراتك تحتاج صقلاً.
العالم لا يكافئ النوايا بل الكفاءة ولا يتعامل مع احتياجك بل مع قدرتك على الحل.
بدلاً من سؤال "لماذا لم يختاروني؟!" اسأل "كيف أصبح خياراً لا يمكن تجاوزه؟؟" ، فبدلاً من انتظار الظروف المثالية، ابدأ بما لديك، فالتحرك هو الذي يصنع الوضوح، لا الانتظار. كل خطوة ناقصة أفضل من فكرة كاملة لم تغادر رأسك، وكل دقيقة تقضيها في مراقبة نجاح الآخرين هي دقيقة تُسحب من مشروعك الشخصي دون أن تشعر.

التحرر الحقيقي ليس أن تصبح أقوى من الجميع، بل أن تتوقف عن تحميل الجميع مسؤولية حياتك، ليس أن تنكر ألمك، بل أن ترفض أن يتحول إلى هويتك الدائمة.
ولعل أكثر الجمل قسوة هي أيضاً أكثرها صدقاً، لا أحد قادم لإنقاذك، لكنها في الوقت ذاته تحمل أجمل معنى، بإن لا أحد يملك سلطة حقيقية على مستقبلك سواك.
حين تتوقف عن انتظار الاعتذار، تبدأ ببناء مكانتك، حين تتوقف عن انتظار الفرصة، تبدأ بصناعتها.
حين تتوقف عن انتظار الاعتراف، تعمل بصمت حتى يصبح الاعتراف نتيجة طبيعية لا مطلباً ملحاً.
الحياة لا تعطيك ما تشعر أنك تستحقه في داخلك، بل ما تثبته في الواقع من قيمة وفعل واستمرار.
إما أن تبقى أسيراً لتوقعات لا تنتهي أو أن تخرج إلى ساحة المسؤولية حيث التعب حقيقي لكنه مثمر.
الإذن بيدك والمسؤولية بيدك والطريق أيضاً يبدأ من الخطوة التي تقرر أن تخطوها الآن.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!


المزيد.....




- المغرب.. تعويضات مالية وخطة لإغاثة المتضررين من فيضانات الشم ...
- الأمم المتحدة تتهم -الدعم السريع- بارتكاب جرائم حرب في الفاش ...
- عملية استخبارية في صحراء الأنبار تنتهي باعتقال مجهز داعش الع ...
- غوارديولا يدافع عن المهاجرين ردا على تصريحات مالك مانشستر يو ...
- الأمم المتحدة تتهم الدعم السريع بارتكاب -جرائم حرب- في الفاش ...
- رئيس نادي الأسير الفلسطيني: بن جفير ينكل الأسرى داخل سجون ال ...
- لازاريني: التخلي عن الأونروا سيخلق فجوة سوداء مثل العراق بعد ...
- مفوض أممي: انتهاكات الدعم السريع بالفاشر تصل لمستوى جرائم حر ...
- الأمم المتحدة تحذر من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في الي ...
- وزارة الأمن الداخلي الأمريكية: أنهينا وضع الحماية المؤقتة ا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر