أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة














المزيد.....

نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 04:55
المحور: قضايا ثقافية
    


يقصد بمعضلة القنفذ وهي عندما يشعر حيوان القنفذ بالبرد يبدأ بالبحث عن إخوانه لكي يلتصق بهم حتى يشعر بالدفء.
المشكله أنّ الشوك الذي على جسم القنفذ يجعل عملية تقاربه مع أبناء جنسه صعبه ومؤلمة، نظراً لأنهم كلّما تقرّبوا من بعضهم فإن الشوك الذي على أجسامهم يؤذيهم، فيقرّرون الإبتعاد عن بعضهم، ثم يشعرون بالبرد فيقتربون مرة أخرى وهكذا.
تأمل الفيلسوف الألماني شوبنهاور سنة 1851 في موقف حيوان القنفذ هذا واعتبرها واحدة من معضلات الإنسان الإجتماعية النفسية وأسماها( مُعضلة القنفذ ).
إذ أشار "شوبنهاور" أن الإنسان الوحيد يشعر باحتياج شديد لأن يقترب من الناس ويتفاعل معهم وأن الوحدة تبقى قاسية جداً ومؤلمة بالنسبة للإنسان الطبيعي ( مثل البرد بالنسبة للقنفذ ) فيقرر أن يفعل مثل القنفذ ويبحث عن أبناء جنسه ويلتصق بهم من أجل الدفء النفسي .
المشكلة أن التصاقه وقربه هذا لن يكون مصدر سعادة وراحة له على طول الوقت وإنما العكس، مصدر ألم وتعب لنفسه ولأقرانه وهنا تتولد مشاعر سلبية كثيرة مثل الضغط النفسي والإحراج والفراق وغيرها.
ومثلما يكون القنفذ مجبراً على إيذاء أقرانه، ذات الأمر نفسه مع الإنسان ( لن يتعمد جرح أحد ) وإنما هي الطبيعة البشرية ولكل منا أشواكه!!
نظرياً، فإن القنفذ وجد حلاً لهذه القضية واستحدث طريقة بسيطة ناجحة وهي عملية سماها شوبنهار ( المسافة الآمنة )، فاستطاع القنفذ أن يختار مسافة معينة من السلامة، مسافة تضمن له الدفء الكافي وفي نفس الوقت أقل درجة ممكنة من الألم.

لكن ما سماه شوبنهاور بالمسافة الآمنة لا يخص القنفذ وحده، بل يمكن اعتباره أحد أعمق القوانين غير المكتوبة التي تنظم الاجتماع البشري منذ نشأته الأولى.
فالإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً لم يتكون في العزلة، بل في الجماعة ومع ذلك لم تكن الجماعة يوماً فضاء بريئاً خالياً من الألم، بل كانت دائماً حقل توتر بين الحاجة إلى الآخر والخوف منه في آنٍ واحد.
يمكن قراءة اشواك الانسان أنثروبولوجياً بوصفها تراكمات رمزية مثل اللغة، العادات، الطبقة، السلطة، التجارب الصادمة، الذاكرة الجمعية، والخوف الموروث.
هذه الأشواك لا ترى بالعين، لكنها تفعل فعلها في كل اقتراب فعندما يقترب فرد من آخر لا يقترب جسدان فقط، بل تتلامس تاريخان ونظامان قيميان وذاكرتان اجتماعيتان محملتان بالخسارات والانتصارات والخذلان.
ولهذا، فإن الألم الناتج عن القرب ليس عرضاً طارئاً، بل نتيجة بنيوية للاجتماع نفسه.
المجتمع لا ينتج الدفء فقط، بل ينتج الاحتكاك والاحتكاك ينتج الألم، ومن هنا نفهم لماذا كانت العلاقات الإنسانية عبر التاريخ محفوفة بالتوتر في العائلة، في القبيلة، في الدين، في الحب، وفي السياسة.
كل علاقة هي محاولة دائمة لإعادة ضبط المسافة الآمنة.
تترجم معضلة القنفذ سوسيولوجياً في أنماط العيش الحديثة بوضوح أكبر.
فالمجتمعات المعاصرة رفعت شعار القرب شبكات اجتماعية، تواصل دائم، مشاركة مفرطة، لكنها في الوقت ذاته عمقت الإحساس بالوحدة.
القرب هنا لم يعد جسدياً فقط، بل رمزياً ونفسياً ومع ذلك لم ينتج بالضرورة دفئاً حقيقياً، بل أحياناً أنتج شكلاً جديداً من البرودة مثل برودة العلاقات السطحية وبرودة الاعتراف الزائف وبرودة القبول المشروط.
إن الإنسان الحديث يقترب كثيراً، لكنه يقترب دون مسافة أمان، فيؤذي ويُؤذى، ثم ينسحب فجأة، لا إلى عزلة تأملية، بل إلى عزلة دفاعية.
وهكذا تتكرر دورة القنفذ، لكن بشكل أكثر قسوة وتعقيداً، لأن أشواك الإنسان المعاصر أكثر حدة، إذ تغذيها الفردانية، والمقارنة والخوف من الإقصاء وقلق الاعتراف.
أما أنثروبولوجيا العلاقات، فتخبرنا أن المجتمعات التقليدية حاولت حل هذه المعضلة عبر الطقوس، فالطقس ليس سوى آلية لضبط المسافة، كيف نقترب، متى نقترب، وبأي شروط. التحية، الزواج، الحداد، الضيافة، حتى الصمت كلها أدوات ثقافية لتخفيف وطأة الأشواك.
ومع تفكك هذه الطقوس في المجتمعات الحديثة، تُرك الإنسان وحيداً ليخترع مسافته بنفسه، وغالباً يفشل.
ومن هنا، فإن المسافة الآمنة ليست بروداً ولا قسوة ولا أنانية، بل شكل ناضج من الوعي بالعلاقة.
هي الاعتراف بأن الحب الكامل مؤلم وأن القرب المطلق وهم وأن الإنسان لا يستطيع أن يكون دافئاً دون أن يكون مؤذياً بدرجة ما.
لا تكمن الحكمة في إزالة الأشواك فهذا مستحيل، بل في إدارتها.
فالعلاقة الصحية ليست تلك التي تُلغى فيها الحدود، بل التي تحترم فيها، ليست التي نذوب فيها في الآخر، بل التي نحتفظ فيها بشكلنا دون أن نتجمد.
المسافة الآمنة هي أخلاق اجتماعية غير معلنة، تقول اقترب بما يكفي كي لا تموت برداً وابتعد بما يكفي كي لا تنزف.
وفي العمق، فإن معضلة القنفذ تعيد طرح السؤال القديم، هل الإنسان شرير بطبعه أم اجتماعي بطبعه؟! وربما الجواب الأصدق أن الإنسان كائن جريح بطبعه وكل جريح يحمل شوكه دفاعاً عن ألمه.
وعندما نجرح غيرنا، فنحن غالباً لا نفعل ذلك بدافع الأذى، بل بدافع النجاة.
وهكذا، لا تصبح المسافة الآمنة حلاً نهائياً، بل توازناً هشاً يحتاج إلى مراجعة دائمة، لأن الإنسان يتغير وأشواكه تتبدل ودرجة تحمله للبرد أو للألم لا تبقى ثابتة.
إنها معادلة أخلاقية مفتوحة، لا تحسم مرة واحدة، بل تعاد صياغتها مع كل علاقة ومع كل تجربة ومع كل خيبة.
في النهاية، قد لا تكون معضلة القنفذ سؤالاً عن القرب والبعد فقط، بل عن كيفية أن نكون مع الآخرين دون أن نفقد أنفسنا وكيف ندفأ دون أن نُحرق، وكيف نحب دون أن نُدمر.
وهذا ربما هو الامتحان الأصعب في الاجتماع البشري كله.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية


المزيد.....




- لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب لبحث -ملف إيران-، وويتكوف من ط ...
- قتلى بانهيار جليدي بإيطاليا وعواصف قاسية تضرب إسبانيا والبرت ...
- مظاهرات في برلين وباريس تنديدا بالجرائم الإسرائيلية بغزة
- الدانمارك: موقفنا بات أقوى لكن أزمة غرينلاند لم تُحل بعد
- انتخابات مبكرة في اليابان.. وترجيحات بتعزيز موقع تاكايشي
- استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة ...
- لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج ...
- أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا ...
- ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار ...
- من هو جاك لانغ الرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة