أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حسين علي محمود - إبستين وفضيحة النظام الغربي














المزيد.....

إبستين وفضيحة النظام الغربي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 16:24
المحور: حقوق الانسان
    


تثبت قضية إبستين إن الفساد ليس حكراً على دول العالم الثالث، إذ فضحت اوهام عدالة العالم المتحضر حيث في كلا العالمين تُغلق القضايا بصمت راق والضحايا يضيع حقهم والنخب محمية.
‏قضية إبستين ليست قضية شخص منحرف انما هي قضية نظام يحمي الأقوياء ويطحن الضعفاء ويغلق ملفات الأسماء الثقيلة الحاكمة.
جزيرة إبستين ليست مجرد جزيرة، هذه نقطة التقاء لكل الانحطاط المهول في آلة الحضارة الغربية حيث تراكم رأسمالي هائل وحصر السلطة والثروة في أيدي فئة قليلة من سكان الكوكب، يستيقظوا صباحاً ويفرضوا عقوبات على دول بحجة أنها متخلفة ويحتلوا أقاليم لأنها لا تتبع الديمقراطية الغربية وتناهض حقوق الانسان، لكن الكل يتجمع في جزيرة صنعت خارج نطاق القانون والانسانية لممارسة أعمال شاذة لا يتخيلها إبلبيس نفسه من اكل لحوم البشر واغتصاب الأطفال .. الخ، بينما يتم استدراج رجال الأعمال والمسئولين إليها بمحض إرادتهم لتصويرهم وكل شريط يظهر في الوقت المناسب لاستخدامه وجني المكاسب من خلفه.
بعد ظهور فضيحة جزيرة جيفري ابستين وما خفي من تلك الجرائم اعظم وأدهى بكثير مما يحدث في مكان آخر.
هنا يتبادر للذهن سؤالين :
الاول : كيف للعالم ان يظن أن امريكا هي راعية السلام والقيادة السياسية والاجتماعية والعلمية فيها متورطة بهذا النوع والكم الهائل من الجرائم الصادمة؟!
الثاني : لماذا تنشر وزارة العدل الامريكية هذي الوثائق في هذا الوقت؟!
هذا السؤالان لا يقودان إلى إجابة بسيطة، بل يفتحان الباب على بنية عالمية كاملة تقوم على ازدواجية القيم وتزييف الأخلاق وتسويق الهيمنة بوصفها "رسالة حضارية".
ففكرة أن تكون الولايات المتحدة راعية للسلام أو نموذجاً أخلاقياً ليست نتاج سلوكها الواقعي، بل نتاج قوة خطابها الإعلامي وقدرتها الهائلة على إعادة تعريف الجرائم بوصفها أخطاء فردية أو انحرافات معزولة لا تمس جوهر النظام. قضية إبستين بهذا المعنى، لم تكن زلة أخلاقية لشخص مريض، بل لحظة انكشاف فجة لما يجري عادة خلف ستار القانون والمؤسسات والابتسامات الدبلوماسية.
تكشف هذه الجريمة سياسياً أن السلطة في العالم المعاصر لم تعد خاضعة للمساءلة بقدر ما هي محمية بتشابك المال والنفوذ والأجهزة.
فحين تتورط أسماء ثقيلة من عالم السياسة والاقتصاد والإعلام ..الخ، لا يُفتح الملف بهدف العدالة، بل يُدار بعقلية تقليل الخسائر، إذ يتم التضحية بالواجهة الأضعف بينما تبقى البنية التي أنتجت الجريمة قائمة، بل وأكثر تحصناً.
وهنا يتحول القانون من أداة للإنصاف إلى أداة لإدارة الفضيحة ومن ميزان للعدالة إلى ستار لإخفاء الأسماء الأخطر.
أما اجتماعياً، فإن أخطر ما في فضيحة إبستين ليس فقط الجرائم نفسها، بل الرسالة الضمنية التي تُبث إلى المجتمعات بإن هناك طبقتان من البشر، طبقة تحاسب على أصغر خطأ وطبقة يعاد تعريف جرائمها كي لا تسمى جرائم.
هذا الوعي حين يترسخ، يدمر أي إيمان حقيقي بالقيم المشتركة ويحول مفاهيم مثل حقوق الإنسان والكرامة والعدالة إلى شعارات انتقائية تستخدم ضد الضعفاء فقط. الضحية في هذه المنظومة لا تغتصب جسدياً فحسب، بل تغتال رمزياً حين يختصر ألمها في تفصيل مزعج يجب تجاوزه حفاظاً على صورة النظام.
تمثل جزيرة إبستين أخلاقياً ذروة الانفصال بين الخطاب والممارسة، فهي ليست مكاناً جغرافياً بقدر ما هي تجسيد لفلسفة كاملة لعالم يشرع كل شيء للأقوياء طالما أنه يجري بعيداً عن أعين العامة.
عالم تُختزل فيه الأخلاق إلى قوانين شكلية يمكن الالتفاف عليها، وتُختزل فيه الحرية إلى امتياز طبقي وتُختزل فيه الإنسانية إلى ورقة تفاوض أو مادة ابتزاز.
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الحديث عن القيم الغربية يصبح حديثاً عن قشرة أخلاقية تخفي تحتها وحشية منظمة.
أما السؤال المتعلق بتوقيت نشر الوثائق، فهو الأخطر سياسياً، فالتوقيت في مثل هذه القضايا ليس بريئاً أبداً، إذ أن نشر الوثائق قد يكون محاولة لتفريغ الغضب الشعبي أو لتوجيهه في مسار محدد أو لتصفية حسابات داخل مراكز النفوذ نفسها.
قد يكون رسالة ضغط أو ورقة ابتزاز معاكسة أو تمهيداً لإعادة ترتيب التحالفات داخل الدولة العميقة.
هنا العدالة ليست الهدف، بل الأداة حيث يتم فتح الخزانة بقدر ما يخدم موازين القوى، لا بقدر ما يخدم الحقيقة.

لا تكشف قضية إبستين في النهاية عن "انحراف استثنائي" في الحضارة الغربية، بل عن منطقها حين تنزع عنها الزخارف الأخلاقية.
هي مرآة تعكس كيف يمكن لنظام يدعي الدفاع عن الإنسان أن يبني مجده على سحقه، وكيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحول إلى سلاح سياسي لا إلى مبدأ كوني.
ومن هنا، فإن أخطر ما في هذه القضية ليس ما كُشف، بل ما لن يُكشف أبداً، لأن ما لم يُفتح من ملفات ربما أكبر وأعمق ويمس جوهر النظام الذي لا يستطيع أن يحاسب نفسه دون أن ينهار.
إن إبستين لم يمت ليغلق الملف، بل مات ليبقى السؤال مفتوحاً.
أي عالم هذا الذي يطالب الآخرين بالأخلاق بينما يبني قوته على إنكارها؟! ، وأي عدالة تلك التي لا ترى إلا من يُسمح لها.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط


المزيد.....




- كاميرا العالم ترصد آثار الخرق الإسرائيلي وقصف النازحين بحي ا ...
- تونس: منظمة العفو الدولية تندد بالأحكام الاستئنافية في قضية ...
- رايتس ووتش: إسرائيل وواشنطن قتلتا مئات المدنيين باليمن في 20 ...
- استقالة تهزّ -هيومن رايتس ووتش- عقب منع تقرير عن -حق العودة- ...
- هيومن رايتس ووتش أجهضت تقرير يعتبر إنكار إسرائيل لحق الفلسطي ...
- هيومن ووتش تحذر: عداء متصاعد للمهاجرين في ألمانيا ومسار استب ...
- الأمم المتحدة تعلن استئناف رحلاتها الجوية الإنسانية إلى صنعا ...
- انطلاق الدورة 57 للجنة العربية لحقوق الإنسان.. وفلسطين تتصدر ...
- الأونروا: نحو 20 ألف شخص بحاجة إلى رعاية طبية عاجلة في غزة ...
- استقالتان من -هيومن رايتس- بعد سحب تقرير عن حق العودة الفلسط ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حسين علي محمود - إبستين وفضيحة النظام الغربي