أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي















المزيد.....

بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 23:36
المحور: المجتمع المدني
    


في العقود الأخيرة، ومع التحولات العميقة التي شهدها العالم بفعل الثورة الرقمية وتسارع وسائل الاتصال، لم تعد مفاهيم مثل "الشهرة" و "التأثير" كما كانت في السابق.
فقد كان المشهور في المجتمع التقليدي شخصية معروفة بسبب إنجاز واضح أو موهبة استثنائية أو موقع اجتماعي أو سياسي بينما أصبح اليوم بالإمكان لأي شخص أن يحقق شهرة واسعة خلال أيام أو حتى ساعات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي خضم هذا التحول، برز مفهوم "المؤثر" بوصفه ظاهرة جديدة نسبياً تختلف في جوهرها ووظيفتها عن مفهوم "المشهور"، رغم ما بينهما من تداخل ظاهري.

● المشهور في المجتمع التقليدي
في المجتمع الواقعي التقليدي، كانت الشهرة غالباً نتيجة مسار طويل من الجهد أو الإنجاز، فالفنان كان مشهوراً لأنه أبدع فناً ترك أثراً والعالم كان معروفاً بسبب علمه والسياسي بسبب موقعه أو قراراته والأديب بسبب نتاجه الفكري. الشهرة هنا كانت مرتبطة غالباً بقيمة مضافة للمجتمع سواء كانت معرفية أو فنية أو أخلاقية أو خدمية.
وكان الوصول إلى الشهرة في هذا السياق يخضع لوسائط محدودة مثل الصحافة، التلفاز، الإذاعة، المؤسسات الثقافية، أو التاريخ الشفهي.
أي أن المجتمع بشكل أو بآخر كان يمارس دور الفلترة قبل منح الاعتراف.

● المشهور في العصر الرقمي
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت شروط الشهرة جذرياً، حيث لم تعد الشهرة مشروطة بالإنجاز العميق أو القيمة المعرفية، بل أصبحت أحياناً قائمة على الجذب اللحظي، أو الإثارة، أو الصدمة، أو حتى التفاهة.
قد يكون الشخص مشهوراً لأنه مثير للجدل أو لأنه يكرر نمطاً رائجاً أو لأنه يقدم محتوى خفيفاً سريع الانتشار.
ففي هذا السياق، الشهرة تعني بالأساس الانتشار وعدد المتابعين، لا بالضرورة الأثر أو القيمة.

● مفهوم المؤثر وطبيعته
المؤثر هو شخص يمتلك القدرة على التأثير في آراء وسلوكيات وتوجهات شريحة معينة من الناس.
التأثير هنا لا يقاس فقط بعدد المتابعين، بل بدرجة التفاعل، والثقة، والاستجابة التي يحدثها هذا الشخص في جمهوره.
قد يكون المؤثر مشهوراً وقد لا يكون، وقد يكون تأثيره إيجابياً أو سلبياً، واعياً أو غير واع.
في المجتمع غير الرقمي، كان المؤثر هو الأب، أو المعلم، أو رجل الدين الحقيقي، أو المفكر، أو القائد الاجتماعي.
هؤلاء لم يكونوا بالضرورة مشهورين على نطاق واسع، لكن تأثيرهم كان عميقاً ومباشراً في محيطهم.
التأثير هنا كان بطيئاً، تراكمياً، ويعتمد على العلاقة الإنسانية المباشرة، والقدوة، والخبرة.
في الفضاء الرقمي، أصبح المؤثر شخصية تصنع خطاباً يومياً عبر المنصات، وهو قادر على توجيه الذوق العام أو أنماط الاستهلاك، أو القيم، أو حتى المواقف السياسية والاجتماعية.
خطورة هذا النوع من التأثير تكمن في سرعته واتساعه، وفي كونه غالباً غير خاضع للمساءلة أو الرقابة الأخلاقية.

● ما هي الفروق الجوهرية بين المؤثر والمشهور؟؟
• ليس كل مشهور مؤثراً وليس كل مؤثر مشهوراً.
قد يتابع الملايين شخصاً دون أن يغير فيهم شيئاً، بينما قد يغير شخص واحد حياة مئات دون أن يعرفه أحد خارج دائرته.
• غالباً ما يكون تأثير المؤثر (الحقيقي) أعمق من شهرة المشهور، فالتأثير يتعلق بتغيير القناعات أو السلوك، بينما الشهرة قد تبقى عند حدود الإعجاب أو التسلية.
• الشهرة الرقمية في كثير من الأحيان عابرة، مرتبطة بالترند. أما التأثير الحقيقي فغالباً ما يكون طويل الأمد حتى وإن كان بطيئاً.

● هناك العديد من الامثلة الواقعية توضح طبيعة المؤثر والمشهور
• مشهور بلا تأثير حقيقي، حيث يملك ملايين المتابعين ويحقق نسب مشاهدة عالية، لكن حضوره ينتهي بانتهاء المقطع.
لا يغير فكرة ولا يبني وعياً، ولا يترك أثراً معرفياً أو قيمياً. هذه شهرة رقمية قائمة على الانتشار لا على المعنى.
• مشهور الجدل والاستفزاز، إذ يصنع حضوره عبر الصدمة وكسر التقاليد بشكل مفتعل.
وكل ظهور له معركة وكل رأي انقسام، هو مشهور لأن الخوارزميات تحب الغضب، لا لأنه يضيف قيمة فكرية أو اجتماعية.
• مؤثر تعليمي بلا ضجيج وهو شخص يشرح، يعلم، أو يبسط المعرفة بلغة هادئة ومنتظمة.
متابعوه أقل، لكن تأثيره أعمق يغير قرارات دراسة ويعيد تشكيل وعي مهني لدى الشباب، وهذا يعد تأثير حقيقي بلا نجومية.
• مؤثر قيمي وأخلاقي، يتحدث عن المعنى والوعي والمسؤولية والهوية، لا يلاحق الترند ولا يصرخ.
لا ينتشر سريعاً، لكنه يبقى طويلاً في الذاكرة ويؤسس مناعة فكرية لدى المتلقين.
• مؤثر استهلاكي سلبي، إذ يستعرض حياة مثالية ومنتجات فاخرة، فيبيع نمط عيش لا واقعاً وتأثيره لا يظهر فوراً، لكنه يزرع شعور النقص والقلق الاجتماعي خاصة لدى المراهقين.
• مؤثر الثراء السريع، يعد بالنجاح والمال بلا تعب ويختصر الطريق بشكل وهمي، حيث لا يعلّم مهارة، بل يزرع وهماً ويقوض علاقة الشباب بالعمل الحقيقي والجهد الطويل.
• المؤثر الحقيقي غير الرقمي، هو أب، أم، معلم، أو أستاذ لا يملك حساباً على المنصات، لكنه يغير حياة إنسان.
تأثيره بطيء، عميق، ولا تصنعه الخوارزميات.

● ما تأثير المؤثرين والمشهورين على جيل الشباب؟؟
• يمر الشباب المراهق بمرحلة بحث عن الذات والهوية.
في هذه المرحلة، لا يملك المراهق بعد الأدوات الكافية للتمييز بين ما يعرض بوصفه نجاحاً وما يستحق فعلاً أن يكون قدوة.
لذا، يصبح فهم الفارق بين الشهرة الحقيقية والتأثير الأصيل مفتاحاً لبناء وعيه وقيمه المستقبلية، إذ أن الفرد في هذه المرحلة يكون أكثر قابلية للتأثر بالنماذج الخارجية وأكثر ميلاً للتقليد والانتماء، وهنا يظهر خطر الخلط بين الشهرة والقيمة.
• عندما يصبح المشهور قدوة فقط لأنه مشهور دون أي مضمون أخلاقي أو معرفي، يتعلم الشاب أن الهدف هو الظهور لا الجوهر، والانتشار لا المعنى.
وهذا يؤدي إلى تقديس الشكل على حساب المضمون والسعي وراء الشهرة السريعة وتهميش الجهد الحقيقي طويل الأمد.
• التأثير السلوكي والنفسي حيث يساهم المؤثرون الرقميون في تشكيل أنماط الاستهلاك، صورة الجسد، مفهوم النجاح، والعلاقات الاجتماعية.
وقد يؤدي ذلك إلى القلق والاكتئاب والشعور بالدونية خاصة عند مقارنة الحياة الواقعية بحياة مصفاة ومزيفة تعرض على الشاشات.
بالرغم مما ذكرناه من تأثير سلبي الا ان هناك تأثير الإيجابي رغم كل المخاطر، لا يمكن إنكار أن بعض المؤثرين يقدمون نماذج إيجابية تتمثل في نشر الوعي، تبسيط المعرفة، دعم القيم الإنسانية، وتشجيع الشباب على التعلم والعمل.
المشكلة التي يواجهها المجتمع ليست في التأثير بحد ذاته، بل في غياب المعايير التي تميز التأثير البناء عن التأثير الهدام.

● ما هو دور المجتمع والأسرة والمؤسسات؟؟
• من أهم ما يحتاجه الشباب اليوم هو امتلاك أدوات التفكير النقدي، لا منع المحتوى ولا شيطنته فقط.
• يجب إعادة الاعتبار لقيم الجهد والمعرفة والأخلاق، بدل ربط النجاح بعدد المتابعين.
• على المؤثر أن يدرك أن الكلمة موقف وأن التأثير أمانة خاصة عندما يكون جمهوره من فئة عمرية حساسة.

إن الفرق بين المؤثر والمشهور ليس فرقاً لغوياً، بل فرق قيمي وأخلاقي وثقافي.
ففي زمن أصبحت فيه الشهرة سهلة والتأثير واسعاً، يصبح السؤال الجوهري، من يؤثر في عقول شبابنا؟؟ ولماذا؟؟ وبأي ثمن؟!
إن مستقبل المجتمعات لا يصنع بعدد المشاهير، بل بنوعية المؤثرين وبقدرة الشباب على التمييز بين من يلمع ومن ينير.
وفي هذا التمييز، تكمن معركة الوعي الحقيقية.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة


المزيد.....




- فلسطينيو الداخل يتظاهرون ضد دعم إسرائيل للجريمة
- كيف يؤثر اختطاف مادورو على ميثاق الأمم المتحدة؟
- رويترز: قاض أمريكي يرفض طلب ولاية مينيسوتا تعليق حملات التفت ...
- انهيار مالي وشيك للأمم المتحدة وغوتيريش يطالب بسداد الالتزام ...
- كلية قلنديا ملاذ أبناء اللاجئين الفلسطينيين تهدده إسرائيل با ...
- مدير الإغاثة الطبية في غزة: المستشفيات استقبلت 60 إصابة جراء ...
- دعوات لاعتقال رئيس إسرائيل خلال زيارته أستراليا
- «نادي الأسير الفلسطيني» يدعو العالم لوقف جرائم إسرائيل بحق ا ...
- إعلام الأسرى: أكثر من 9350 أسيرا فلسطينيا يعيشون أوضاعا اعتق ...
- اعتقال 18 فلسطينيا بالضفة وتهجير جميع سكان -رأس عين العوجا- ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي