أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد















المزيد.....

موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 21:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


القول إن الإلحاد لا يتضمن حراماً ولا حلالاً وإنه ليس مصدراً للتشريع ولا للأخلاق، يبدو في ظاهره توصيفاً محايداً، لكنه في عمقه يفتح سؤالاً فلسفياً شديد الحساسية يتعلق بطبيعة القيم ذاتها وبمصدر إلزامها ومعنى الخير والشر في حياة الإنسان.
صحيح أن الإلحاد من حيث التعريف المباشر هو عدم الإيمان بوجود إله وأنه بهذا المعنى لا يقدم كتاباً مقدساً ولا منظومة أوامر ونواه، لكن المشكلة ليست في غياب النص، بل في غياب المرجعية المتجاوزة التي تمنح القيمة معناها الموضوعي وتمنح الحكم الأخلاقي صفته الإلزامية.
الإسلام حين يتحدث عن الإيمان لا يقصده بوصفه فكرة ذهنية عائمة، بل يربطه مباشرة بمفهوم الربوبية والألوهية والحاكمية، فالإيمان بالله يعني الاعتراف بأن لهذا الإله حق التشريع وأن الإنسان ليس كائناً مستقلاً عن مصدر وجوده، بل هو عبد مكلف، وأن وجوده في هذا العالم ليس عبثاً بل ابتلاءً ومسؤولية.
من هنا يصبح الحلال والحرام ليسا مجرد قيود اجتماعية، بل تعبيراً عن نظام أخلاقي كوني متصل بعلم الخالق بطبيعة خلقه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فالتشريع في الرؤية الإسلامية متفرع عن العلم والحكمة وليس عن إرادة اعتباطية.
حين يقال إن الملحد يمكنه أن يستمد أخلاقه من العقلانية أو من النفعية أو من منظومات حقوق الإنسان، فإن هذا القول صحيح من حيث الوصف التاريخي، فقد ظهرت بالفعل مدارس أخلاقية حاولت تأسيس منظومة قيم مستقلة عن الدين، كما عند إيمانويل كانت الذي أقام أخلاقه على مبدأ الواجب العقلي أو عند جون ستيوارت ميل الذي ربط القيمة بالمنفعة العامة، لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو، ما طبيعة الإلزام في هذه المنظومات؟؟
هل هو إلزام موضوعي مطلق أم مجرد اتفاق بشري قابل للتغيير؟؟
إذا كانت الأخلاق نابعة من المنفعة، فمن الذي يحدد معيار المنفعة وعلى أي أساس تصبح منفعة الأكثرية أسمى من منفعة الفرد؟؟ ، وإذا كانت الأخلاق نابعة من حقوق الإنسان، فمن الذي منح هذه الحقوق قداسة تتجاوز إرادة البشر أنفسهم؟؟
ولماذا يكون الإنسان ملزماً بها إن تعارضت مع مصلحته الشخصية خاصة إذا كان لا يؤمن بحساب أخروي ولا بعقاب يتجاوز القانون الوضعي؟؟
هنا يظهر الفارق الجوهري بين رؤية تجعل الإنسان مصدر القيمة ورؤية تجعل القيمة متصلة بصفة من صفات الله، فالعدل في الإسلام ليس مجرد اتفاق اجتماعي، بل هو تجل لاسم من أسماء الله والرحمة ليست تعاطفاً عابراً بل انعكاس لصفة الرحمن والحق ليس مجرد تعاقد بل مرتبط باسم الحق.
هذا الارتباط يمنح الأخلاق ثباتاً، أي ثباتاً في مستوى الوجود نفسه، فلا تتغير بتغير المزاج الثقافي ولا بضغط الأكثرية.
لا ينكر الإسلام دور العقل ولا ينفي قدرة الإنسان على إدراك بعض معاني الخير والشر، بل يقرر أن الله ألهم النفس فجورها وتقواها وأن في الإنسان فطرة تدرك القبح والحسن إجمالاً، لكن هذه الفطرة يمكن أن تنحرف والعقل يمكن أن يخطئ أو يخضع للهوى أو للمصلحة، ولذلك جاءت الشريعة لتفصيل المجمل وتصحيح الانحراف وضبط النزاع.
العقل في الإسلام أداة إدراك، لكنه ليس مشرعاً مستقلاً عن الله، لأنه محدود بحدود التجربة البشرية بينما الوحي يمثل علماً إلهياً محيطاً لا تحكمه الأهواء ولا المصالح المرحلية. ومن هنا يتكامل العقل والوحي ولا يتعارضان، فالعقل يدل على أصل الحاجة إلى مرجعية عليا والوحي يحدد معالم هذه المرجعية ويبين مقتضياتها.

في التصور الإلحادي المادي الصرف، الإنسان نتاج عملية تطور بيولوجي لا تقصد غاية أخلاقية والكون نفسه بلا قصد ولا معنى نهائي.
في مثل هذا السياق تصبح الأخلاق ظاهرة اجتماعية تطورية، نشأت لأنها نافعة لبقاء النوع، لكن ما ينشأ لأجل البقاء لا يكتسب بالضرورة قداسة تتجاوز المصلحة، بل يظل أداة وظيفية قابلة لإعادة التعريف.
فإذا تغيرت شروط البقاء تغيرت القيم، أما في الإسلام فالحياة ليست حادثة عابرة بلا مغزى، بل مرحلة من مسار وجودي يمتد إلى ما بعد الموت والعدل ليس مقصوراً على ميزان الدنيا بل يمتد إلى ميزان الآخرة، حيث يقتص للمظلوم ويحاسب الظالم، وحيث تتجلى العدالة المطلقة التي قد لا تتحقق كاملة في الواقع الأرضي.
هذا البعد الأخروي يمنح الأخلاق معنى يتجاوز اللحظة ويجعل الالتزام بها مرتبطاً بإيمان الإنسان بأنه مسؤول أمام الله، لا أمام المجتمع وحده.
حين يقال إن الإيمان أيضاً ليس مصدراً للأخلاق ما لم يرتبط بنصوص وتعاليم محددة، فإن هذا الكلام يصح إذا حصر الإيمان في مجرد التصديق بوجود إله دون صفات أو أوامر، لكن الإسلام لا يعرف هذا النوع من الإيمان المجرد، فالإيمان في القرآن مرتبط بالطاعة والعمل الصالح ومقرون بالالتزام بما أنزل الله ولذلك لا ينفصل البعد العقدي عن البعد التشريعي.
إنكار وجود الإله يعني إنكار المرجعية العليا التي تستمد منها القيم موضوعيتها، بينما الإيمان بالإله في الإسلام يتضمن الإقرار بأنه الخالق المالك الآمر الناهي وأن له الحق في أن يحدد للإنسان ما يصلحه وما يفسده.
المسألة في النهاية ليست اتهاماً للملحد بعدم القدرة على السلوك الأخلاقي، فكثير من غير المؤمنين يلتزمون بقيم إنسانية نبيلة، لكن السؤال الأعمق هو عن الأساس الفلسفي الذي يمنح هذه القيم صفة الإلزام والثبات.
هل هي ملزمة لأنها تحقق مصلحة؟؟
وماذا لو تعارضت مع مصلحة أقوى؟؟
هل هي ملزمة لأنها محل اتفاق اجتماعي؟؟
وماذا لو تغير هذا الاتفاق؟؟
في الرؤية الإسلامية، الأخلاق ليست رهينة التوافق البشري ولا رهينة المنفعة، بل متصلة بعلم الله وحكمته ومؤيدة بالفطرة والعقل ومضمونة بالجزاء الأخروي.
لذلك فإن القول إن الإلحاد موقف فلسفي وليس دستوراً أخلاقياً قد يبدو توصيفاً بريئاً، لكنه من منظور إسلامي يكشف عن فراغ مرجعي يجعل القيم عرضة للنسبية والتحول، بينما يقدم الإسلام رؤية متكاملة تجعل الوجود والمعنى والأخلاق والتشريع حلقات في منظومة واحدة مصدرها الله وغايتها تحقيق العبودية الواعية والعدل الشامل.
وفي هذا التكامل يكمن الفارق الجوهري بين رؤية تنطلق من الإنسان بوصفه المعيار النهائي ورؤية ترى الإنسان مخلوقاً مكرماً، لكن معيار الحق والخير فيها متجاوز له، ثابت بثبات مصدره وممتد بامتداد المصير الذي ينتظره بعد هذه الحياة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم


المزيد.....




- إدانات عربية وإسلامية لقرار إسرائيل حول تسجيل الأراضي في الض ...
- الثورة الإسلامية بعد عقود.. نقاط القوة والتحديات
- الصوم الكبير: لماذا تحتل هذه -الفترة المقدسة- مكانة روحية خا ...
- رسالة تهنئة من إمبراطور اليابان إلى الرئيس الإيراني بمناسبة ...
- الجماعة الإسلامية ببنغلاديش تطعن في نتائج 32 دائرة انتخابية ...
- -المساخر- تحاصر المسجد الأقصى
- حمدوك: الإخوان يخربون كل مساعي السلام في السودان
- حمدوك يتهم تنظيم الإخوان بتقويض جهود إنهاء الحرب في السودان: ...
- الصهيونية المسيحية: قراءة في كتاب -المسيح تحت الركام-
- والد طبيب فلسطيني قُتل قبل عام: لو كان ابني يهوديا لاستغرق ح ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد