أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - عيد الحب من القداسة إلى السوق














المزيد.....

عيد الحب من القداسة إلى السوق


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 02:53
المحور: قضايا ثقافية
    


في كل عام ومع اقتراب 14 من فبراير، تمتلئ الواجهات باللون الأحمر وتتضاعف مفردات الحب في الإعلانات ويعاد إنتاج صورة نمطية للعاطفة بوصفها وردة وشوكولاتة وهدية مغلفة بعناية.
غير أن عيد الحب ليس مجرد مناسبة عاطفية عابرة، إنه ظاهرة تاريخية وثقافية واجتماعية تكشف الكثير عن تحولات الإنسان الحديث وعلاقته بالمشاعر.
يرتبط العيد باسم القديس فالنتين الذي عاش في القرن الثالث الميلادي إبان حكم الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني وتروي إحدى الروايات أن الإمبراطور منع زواج الجنود اعتقاداً بأن الزواج يضعف عزيمتهم القتالية، فكان فالنتين يزوجهم سراً متحدياً السلطة قبل أن يعدم في الرابع عشر من فبراير.
وبغض النظر عن دقة الرواية تاريخياً، فإن الثابت أن الكنيسة لاحقاً اعتمدت هذا التاريخ تخليداً لذكراه، وفي العصور الوسطى خصوصاً في أوروبا، ارتبط اليوم بفكرة اختيار الشريك، إذ كان يعتقد أن الطيور تبدأ التزاوج في منتصف فبراير، فتداخل الرمز الطبيعي بالخيال الشعري وأخذ العيد طابعاً رومانسياً متصاعداً.
ومع مرور القرون، خرج العيد من سياقه الديني ليغدو طقساً اجتماعياً عالمياً، أعادت الحداثة تشكيله وفق منطق السوق والإعلام.
لم يعد عيد الحب مناسبة دينية أو تاريخية، بل أصبح خطاباً رمزياً معاصراً يعيد تعريف معنى الحب في الوعي الجمعي. فهو يختزل الحب في علاقة ثنائية رومانسية ويقدم نموذجاً معيارياً للعاطفة، شريكان، هدية، احتفال علني.
وهنا يبرز سؤال جوهري، هل الحب شعور داخلي أم أداء اجتماعي يحتاج إلى إعلان؟؟
تميل الثقافة الحديثة إلى تحويل المشاعر إلى مشاهد، فالحب لم يعد يُعاش فقط، بل يُعرض أيضاً، حيث تُنشر الصور وتُوثق اللحظات ويغدو التعبير العاطفي جزء من هوية عامة تستهلك بصرياً.
وهكذا ينتقل الحب من كونه تجربة خاصة إلى كونه رمزاً ثقافياً يعاد إنتاجه جماعياً.
ومن الناحية الاجتماعية فإن عيد الحب يخلق معياراً ضمنياً وهو من لا يحتفل كأنه لا يحب بما يكفي، إذ يتحول اليوم إلى اختبار غير معلن للعلاقات ويظهر ما يمكن تسميته "الضغط الرمزي"، حيث يشعر البعض بضرورة إثبات مشاعرهم عبر فعل ملموس حتى لو لم يكن ذلك جزء من طبيعتهم العاطفية.
كما أن العيد يسلط الضوء على فئة غير المرتبطين من الذين قد يجدون أنفسهم خارج المشهد الاحتفالي في مجتمع يربط السعادة بالازدواجية العاطفية.
هنا يصبح العيد مرآة لبنية اجتماعية تعلي من شأن العلاقة الرومانسية على حساب أشكال أخرى من المحبة، محبة الأصدقاء والعائلة وحتى الذات.
دخل العيد في العصر الحديث بقوة إلى دائرة الاقتصاد، ففي كل موسم تتحول المشاعر إلى مواسم بيع وتُبنى حملات تسويقية على فكرة أن الحب يجب أن يترجم إلى سلعة. الورود الحمراء والشوكولاتة والمجوهرات وبطاقات المعايدة والدببة الحمراء كلها لا تُباع بوصفها منتجات فحسب، بل بوصفها رموزاً للمشاعر، إذ تعمل الشركات على تحويل القلق العاطفي إلى دافع استهلاكي، فيغدو المعنى الضمني "إن لم تُهدِ فأنت مقصر" ، وهكذا يرتبط الحب بالقيمة المادية ويتحول من تجربة وجدانية إلى معادلة رمزية تختزل في هدية تعادل اهتماماً.
وهذا لا يعني أن كل احتفال زائف، بل يعني أن السوق أعاد تأطير العاطفة ضمن منطقه، فصار التعبير عنها جزء من دورة اقتصادية موسمية.
يبقى عيد الحب مساحة مزدوجة المعنى، فهو عند البعض لحظة صادقة للتعبير عما يصعب قوله في الأيام العادية وعند آخرين أداء اجتماعي يفرضه السياق الثقافي.
تكمن المفارقة في أن الحب بوصفه أعمق المشاعر الإنسانية لا يحتاج إلى موعد محدد ليعاش، لكنه في الوقت ذاته قد يستفيد من لحظة رمزية تُذكرنا بأهميته.
ولعل السؤال الأهم ليس هل نحتفل أم لا، بل هل نسمح للرمز أن يخدم المعنى أم نترك المعنى يذوب في الرمز؟!
يكشف لنا عيد الحب في النهاية عن شيء يتجاوز الورود والهدايا، إذ إنه يكشف عن الطريقة التي يفهم بها عصرنا العاطفة ويصوغها ويعيد إنتاجها بين الذاكرة التاريخية ومنطق السوق وضغط المجتمع.
وبين كل ذلك يظل الحب في جوهره أوسع من أن يُختزل في يوم وأعمق من أن يُقاس بثمن.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة


المزيد.....




- فتى يبلغ من العمر 11 عامًا اكتشف أحفورة سلحفاة تعود إلى 48 م ...
- تحليل CNN لأبرز أحداث اليوم الثاني بمؤتمر ميونخ للأمن
- مستشار الملك حمد بن عيسي يعلق على أنباء حول وساطة البحرين لح ...
- في ظل سُمّية وسائل التواصل، هل ما زال استخدامها أخلاقياً؟ -م ...
- أوروبا تحت عين المسيّرات.. استراتيجية جديدة لمواجهة تهديدات ...
- ما هو سمّ الضفدع الذي يعتقد استخدامه لقتل المعارض الروسي ناف ...
- من يدعم الآخر؟.. لقاء زيلينسكي ونجل شاه إيران يثير سخرية واس ...
- عاجل | رئيس هيئة الأركان الإيرانية: على ترمب أن يعلم أن الحر ...
- تلغراف: خلافة كيم جونغ أون تنذر بصراع بين البنت والأخت
- صوت لا يسقط عند الأزمات.. كيف صمدت الإذاعة أمام كل التحولات؟ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - عيد الحب من القداسة إلى السوق