أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي محمود - جدلية الوظيفة والرسالة التربوية














المزيد.....

جدلية الوظيفة والرسالة التربوية


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 22:47
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


نعاني اليوم في مجتمعاتنا من مشكلة وهي أن المعلم ينظر الى نفسه على أنه موظف، والموظف هو انسان يعمل لساعات محددة مقابل اجر معين، وربما يخطر لبعض المعلمين انهم يعملون بمقدار الاجر ولا يزيدون على ذلك، فإن زادوا لهم الراتب، زادوا في جهدهم.
والحقيقة ربما هذا يقبل من موظف عادي او عامل بسيط، لكنه لا يقبل من صاحب رسالة سماوية لان هناك جانب في عمل المعلم ليس له علاقة بالمال لكن متعلق بالأجر، لذلك المعلم لا يأخذ أجرة على كل ما يبذله من جهد وانما يحتسب ما يبذله عند الله سبحانه وتعالى، فالتعليم رسالة الأنبياء والرسل، وهذه النظرية تترسخ عندما يكون المعلم صاحب رسالة ومخلصا في عمله ويطور من اساليبه التدريسية والتربوية لنفع الطلبة والمجتمع.

إن اختزال دور المعلم في كونه موظفا يعد من أخطر الإشكالات التي أصابت العملية التعليمية في عصرنا، لأن هذا الاختزال لا يظلم المعلم وحده، بل ينعكس سلباً على الطالب والمجتمع بأسره.
فالمعلم ليس مجرد ناقل معرفة ولا آلة تؤدي مهام محددة ضمن ساعات دوام رسمية، بل هو صانع وعي ومهندس عقول ومربي قبل أن يكون ملقّناً.
فالفرق كبير بين من يؤدي وظيفة تقاس بالوقت ومن يحمل رسالة تقاس بالأثر.
الموظف ينتهي عطاؤه بانتهاء الدوام، أما صاحب الرسالة فعمله ممتد في نفوس من يعلمهم وقد يستمر أثره سنوات طويلة بعد أن يغيب جسده.
التعليم ليس جهداً ميكانيكياً يمكن ضبطه بعقارب الساعة، بل فعل إنساني عميق يتطلب حضور القلب قبل حضور الجسد ويتطلب إخلاص النية قبل إتقان المهارة.
وعندما نصف التعليم بأنه رسالة سماوية، فنحن لا نبالغ، بل نقرر حقيقة راسخة، فالأنبياء عليهم السلام كانوا معلمين قبل كل شيء، يعلمون الناس التوحيد والقيم والأخلاق ويخرجونهم من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.
ومن هنا فإن المعلم امتداد لهذا الخط النبوي، يحمل أمانة عظيمة ومسؤولية أخلاقية لا يمكن اختزالها في أجر مادي أو تقييم وظيفي.
ولا يعني هذا الحديث إلغاء حق المعلم في الأجر المادي أو التقليل من أهميته، فالمعلم يحتاج إلى حياة كريمة تحفظ كرامته وتعينه على أداء رسالته، لكن الخلل يبدأ حين يصبح المال هو الدافع الوحيد وحين تقاس الجهود بزيادة الراتب ونقصانه فقط.
فالمعلم الحقيقي يعمل بإتقان سواء زاد الأجر أم لم يزد، لأنه يعلم أن هناك أجراً أعظم لا يضيع عند الله وأثراً باقياً في نفوس طلابه وذكراً حسناً يمتد بعد رحيله.
والمعلم المخلص لا يعلم المعلومة فحسب، بل يزرع القيم ويبني الشخصية ويغرس الثقة في النفوس، كثير من الطلاب قد ينسون تفاصيل الدروس، لكنهم لا ينسون المواقف الصادقة والكلمات المشجعة والعدل في التعامل والقدوة الحسنة.
فكم من معلم غير مسار حياة طالب بكلمة أو موقف وكم من آخر مر في حياة طلابه دون أن يترك أثراً يذكر لأنه تعامل مع التعليم بوصفه واجباً ثقيلاً لا رسالة سامية.
كما أن صاحب الرسالة لا يكتفي بما تعلمه سابقاً، بل يسعى باستمرار إلى تطوير نفسه وأساليبه التدريسية والتربوية، لأن الإخلاص الحقيقي يقتضي الإحسان، فالتعليم اليوم لم يعد مجرد شرح كتاب أو إكمال منهج، بل تفاعل وفهم لاحتياجات الطلبة النفسية والفكرية وقدرة على احتوائهم وتوجيههم، وهذا لا يتحقق إلا عندما يشعر المعلم أن عمله عبادة ومسؤولية أمام الله والمجتمع.
وتتعمق المشكلة أكثر حين ينظر المجتمع إلى المعلم على أنه موظف عادي، فتضعف مكانته وهيبته ويُقتل في داخله شعور الرسالة.
أما حين يُقدر المعلم ويُنظر إليه بوصفه صانع أجيال، فإن ذلك ينعكس مباشرة على أدائه وعلى احترام الطلبة له وعلى جودة العملية التعليمية بأكملها، فإصلاح التعليم لا يبدأ من المناهج وحدها، بل من إعادة الاعتبار للمعلم معنوياً وأخلاقياً.
إن أزمة التعليم في جوهرها ليست أزمة كتب أو مبانٍ، بل أزمة وعي بالرسالة وعندما يستعيد المعلم إحساسه بعظمة ما يقوم به ويوازن بين حقه المادي وواجبه الأخلاقي ويحتسب جهده عند الله قبل كل شيء، فإن التعليم يستعيد روحه ويستعيد المجتمع بوصلته.
فالمعلم ليس موظفاً ينتهي أثره بانتهاء الدوام، بل رسالة تمشي على الأرض وأثراً حياً في الأجيال وأجراً لا ينقطع ما دام العلم يُنتفع به.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي


المزيد.....




- ترامب يعلن تعديل المهلة الزمنية لاتخاذ القرار بشأن إيران
- -مجلس السلام- يعلن التزام 5 دول بالمشاركة في قوة دولية لغزة ...
- تقرير أممي يتّهم قوات الدعم السريع بارتكاب -إبادة جماعية- في ...
- بعد استجوابه لساعات.. الأمير البريطاني السابق أندرو يُغادر م ...
- في اتهامات مثيرة للجدل.. بينيت يزعم أن -7 من كل 10 فلسطينيين ...
- ترامب يفتتح أعمال -مجلس السلام-.. ومساهمات بمليارات الدولارا ...
- روسيا تخدع آلاف الأفارقة وتجندهم كمرتزقة في الحرب مع أوكراني ...
- مــجــلــس الــســلام: كــيــف ســيـفـرض تـرامـب رؤيـتـه؟
- الأمير السابق أندرو: توقيف لحماية سمعة المملكة؟
- فرنسا: النيابة العامة تطلب تهمة -القتل العمد- لسبعة مشتبه به ...


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي محمود - جدلية الوظيفة والرسالة التربوية