أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة














المزيد.....

ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 19:16
المحور: الادب والفن
    


بكاءٌ على جسر الكزيزة

​وقفتُ على جسر الكزيزة، والكتاب في يدي: قرار نقلي الإداري إلى بغداد. كانت الورقة خفيفة الوزن في كفي، لكنها كانت أثقل من المدينة كلّها على صدري.
​خلفي، كانت البصرة تشتعل؛ الدخان يتصاعد من أطرافها كأنها تُبخّر جراحها إلى السماء، وشط العرب يمضي صامتاً، تعكّر ماؤه بلون الحرب، لكنه لم يتوقف عن الجريان. لم أبكِ بصوتٍ عالٍ؛ كان البكاء داخلياً، مثل شقٍّ دقيق في شغاف القلب لا يراه أحد.
​تذكّرتُ طلبتي في معهد الفنون، ضحكاتهم التي كانت تتحدّى صفارات الإنذار، أصابعهم الملوّنة بالأحمر والأسود، وأحلامهم التي كانت دائماً أكبر من قطر القذائف. أدركتُ حينها أن المدينة لم تكن مجرد وظيفة، كانت بيتاً وروحاً وانتماءً.
​عند حافة الجسر، كان يقف شابٌّ غريب، يحمل كيسًا صغيرًا وفي عينيه قلقٌ كثيف، ينظر إلى الضفة الأخرى كما لو أنه ينتظر مجهولاً. اقتربتُ منه بحكم العادة، سألته إن كان بخير، فقال بنبرة مكسورة إنه جاء من "القرنة" يبحث عن أخيه الذي انقطعت أخباره منذ أسابيع:
— "قيل لي إنه نُقل إلى المستشفى العسكري هنا.. ثم تاهت العناوين".
​في تلك الأيام، كانت المدينة لا تحفظ العناوين جيداً؛ الأسماء تتناثر كما تتناثر الشظايا. وقفنا معاً نحدّق في الدخان؛ أنا أحمل كتاب نقلٍ إلى "حياةٍ أخرى"، وهو يحمل أملًا باهتًا في العثور على أثر. لم يكن يعرف أأُسر؟ أاستشهد؟ أم نُقل إلى جبهةٍ أبعد؟
​قال لي وكأنه يكلم نفسه:
— "أحيانًا أفكر أن البصرة صارت امتحانًا طويلًا.. ولا نعرف متى ينتهي".
​لم أجد جواباً. مرّت سيارة إسعاف مسرعة تشرخ الصمت الثقيل. بدا الجسر يومها كائناً حياً يربط بين وجعين: وجع البقاء، ووجع الرحيل. كنتُ أعبره مغادراً، وهو يبقى عليه منتظراً.
​حين تحرّكتُ مبتعداً، التفتُّ لأراه ما يزال في مكانه؛ كان صغيراً أمام امتداد النهر، لكنه بدا ثابتاً كأنه وتدٌ في أرضٍ مضطربة. أدركتُ يومها أن الحرب لا تُفرّق بين من يغادر ومن ينتظر؛ كلاهما يحمل خسارته بطريقته الخاصة.
​غادرتُ الجسر، لكن صورته بقيت محفورة: الشاب، والدخان، والماء المعكّر. تلك الورقة التي أعلنت انتقالي، فشلت في إعلان انفصالي. الحرب غيّرت الطرقات والوجوه وحتى الهواء، لكن البصرة بقيت واقفة مثل نخلةٍ انحنى جذعها ولم ينكسر.
​أدركتُ وأنا أبتعد، أن بعض المدن لا تغادرنا.. حتى لو غادرناها.

**********
إلى قرائي الاعزاء ،
​تحية طيبة وبعد،
​من دواعي سروري أني قد وضعت بين أيديكم سلسلة سردية بعنوان "إيقاعات بصرية"، وهي خماسية قصصية كُتبت بروح "شهادة العيان" من قلب مدينة البصرة إبان الحرب العراقية-الإيرانية.
​هذه السلسلة ليست مجرد سرد لحقبة زمنية، بل هي محاولة لتوثيق "الإيقاع الإنساني" وسط غبار المعارك، حيث يتداخل الشخصي بالعام، ويصبح المكان (الجسر، المعهد، الشارع) بطلاً موازياً للإنسان.
اليوم نختتم واياكم الجزء الخامس والختامي (بكاءٌ على جسر الكزيزة)، والذي يمثل ذروة الانفعال الدرامي بين فكرة الرحيل والارتباط بالأرض.
​أهدي هذا العمل لكل من عاش تلك اللحظات، ولكل قارئ يبحث عن أدب الحرب الذي ينحاز للإنسان أولاً وأخيراً.
​شاكراً لكم نقدمك الادبي في رعاية الأدب الجاد، وبانتظار آرأكم الموقر .
​مع فائق التقدير،
المؤلف : نعمة المهدي
بغداد / العراق



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5


المزيد.....




- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة