أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة














المزيد.....

تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 04:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في المشهد الختامي من فيلم تيتانيك تُشد قلوب المشاهدين بالكامل إلى جاك و روز ومأساتهما، ويذرف البعض الدموع حزناً وتأثراً، حيث كانت قصتهما هي التي يتم التركيز عليها طوال الفيلم.
نفس المشهد يموت الآلاف من الركاب والعاملين على نفس السفينة بسبب الإهمال والغطرسة وبخاصة الفقراء منهم، حيث تم تخصيص قوارب الإنقاذ للأغنياء فقط في ظلم واضح لطبقة الفقراء.
إن مأساة البطلين يُبرز في النهاية مأساة السفينة ككل لكن هذا المثال يُلقي الضوء على قدرة الفن والمؤثرات الخيالية والعاطفية في تركيز انتباه الإنسان أو المشاهدين لنقاط معينة دون أخرى وهذا التركيز يحاكي الوعي الجمعي.
هذا التركيز الانتقائي لا يحدث صدفة، بل هو آلية واعية أو غير واعية لإدارة الإدراك الجمعي.
فالعقل البشري حين يُغرق بالعاطفة يصبح أقل ميلاً إلى التساؤل وأكثر قابلية للتعاطف الانتقائي.
وهنا يتحول الفرد من كائن ناقد إلى متلق مستهلك للمشاعر، لا للأفكار.
وحين يدار الفن بهذه الطريقة، لا يكتفي بسرد القصة، بل يعيد ترتيب الأولويات الأخلاقية في ذهن المشاهد، من يموت مهم ومن يموت هامشي ومن يُنسى بلا أثر.
ففي مشهد الغرق لا يتوقف الفيلم طويلاً عند صرخات العمال أو الأطفال الفقراء أو المهاجرين الذين أُغلق عليهم أسفل السفينة، بل تمر مأساتهم كخلفية صامتة لمأساة الحب الكبرى.
وهكذا تختزل الكارثة التاريخية في قصة فردية رومانسية وتُمحى البنية الطبقية التي كانت سبباً مباشراً في عدد الضحايا.
هذه الإزاحة في السرد تشبه كثيراً ما يحدث في الواقع الاجتماعي والسياسي، حيث تُستبدل القضايا الكبرى بحكايات شخصية مؤثرة، تُبكينا دون أن تحرك وعينا.
إن الوعي الجمعي لا يصادر بالقوة دائماً، بل غالباً ما يُستدرج بالعاطفة، حيث تُمنح الجماهير قصة جاهزة واضحة الأدوار، سهلة الهضم، فيتعلقون بها وينسون ما وراءها.
وهنا تكمن خطورة السرد الأحادي، لأنه لا يزوّر الحقيقة بشكل فج، بل يعيد ترتيبها بحيث تبدو طبيعية، بل ومقبولة. فبدلاً من سؤال "لماذا مات الفقراء؟؟" يصبح السؤال "لماذا لم ينج جاك؟!"
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كيف تدار الكثير من الخطابات الإعلامية والسياسية بالطريقة نفسها، إذ يتم تضخيم حدث جزئي أو شخصية بعينها لصرف النظر عن بنية الظلم الأوسع. يُبكى على الضحية المناسبة ويُتجاهل آلاف الضحايا غير القابلين للتسويق العاطفي.
وهكذا يعاد إنتاج الظلم لا بالسلاح، بل بالصورة، لا بالقمع، بل بالتعاطف الموجه.
الفن هنا ليس بريئاً بالكامل كما أنه ليس مذنباً دائماً، لكنه أداة خطيرة حين ينفصل عن النقد، فحين يُقدم الجمال بمعزل عن العدالة والعاطفة بمعزل عن السياق، يتحول العمل الفني إلى شريك غير مباشر في إعادة إنتاج الهيمنة.
كذلك يصبح المشاهد متعاطفاً لكنه غير واعٍ، حزيناً لكنه غير غاضب، متأثراً لكنه غير فاعل.
ومن هنا، فإن أخطر ما في القصة ليس غرق السفينة، بل غرق الوعي معها.
أن نخرج من الفيلم متألمين على حب ضائع، لا على نظام طبقي قاتل.
أن نحفظ أسماء الأبطال وننسى أسماء الضحايا.
أن نُدرب مرة بعد مرة على رؤية العالم من زاوية واحدة هي الزاوية التي يُراد لنا أن نراها.
لهذا، لا تكمن المسؤولية فقط في صانع الفيلم، بل أيضاً في المتلقي، فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس لماذا تأثرنا؟؟ بل : لماذا تأثرنا بهذا تحديداً وتجاهلنا ما عداه؟!
هنا يبدأ الوعي وهنا فقط يتحول الفن من أداة تخدير إلى أداة كشف ومن وسيلة هيمنة إلى مساحة مقاومة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية


المزيد.....




- بعد هزيمته قضائيا.. ترمب يفرض رسوما جمركية بـ 10% على جميع ا ...
- الولايات المتحدة تخطط لإعادة فتح سفارتها في دمشق
- تكتل الأحزاب اليمنية يعلق على أحداث عدن ومستشار التحالف يلتق ...
- انتقادات حادة لرامز جلال بعد استضافة أسماء جلال وهنا الزاهد ...
- هل تحول إيران ضربة أمريكية محدودة إلى حرب استنزاف؟
- زيلينسكي يتحدث عن استعادة أراض من روسيا ويشكو ضغوط واشنطن
- شهداء برصاصات طائشة.. جنود إسرائيليون يحولون غزة لساحة لهو ب ...
- هكذا تحاول تايوان النجاة من حرب الصين الهجينة
- -غزة.. ليل لا ينتهي-.. قصص مؤلمة للفقد والنزوح والجوع
- بشارة بحبح: بلير تورط في تدمير العراق وهو غير موثوق به


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة