أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .














المزيد.....

مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 10:20
المحور: الادب والفن
    


مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .

قالَ الشيخُ الأَفَنديُّ أصلحَ اللهُ حالَهُ ومآلَهُ , مُخاطِبًا أهلَ العقلِ والبيانِ , ومُجاوِبًا دُعاةَ التَّسَرُّعِ والعِجْلانِ : أيها السادةُ الكِرامُ , حِكاياتٌ على حافَّةِ الأوهامِ , يا سادتي , يا أهلَ اللُّبِّ والنُّهى , قد شاعَ فينا قولٌ كالمَرَضِ المُسْتَطيرِ , وصارَ كالدُّستورِ الذي لا يَحيدُ عنه الأَميرُ ولا الفقيرُ , وهو قولُهم السَّاذجُ: (( الكتابُ واضحٌ من عنوانِه )) , وقد أَجْرَوْهُ على الأَلْسِنةِ , وجَعَلُوهُ قاعِدةً في شُؤونِ الدُّنيا مُعلَنةً , كأنَّها حقيقةٌ منزَّلةٌ لا يَأتِيها الباطلُ من بينِ يديها ولا من خَلْفِها , ويا لَلْعَجَبِ , كمْ من مقولةٍ ومَثَلٍ وحِكمةٍ نَرْكَنُ إليها , وهي لا تَستنِدُ إلى بَيانٍ عِلميٍّ , ولا إلى عمقٍ فلسفيٍّ , بل هي نَتائِجُ تجاربَ متفرِّقةٍ , صاغَتْها أَلْسِنَةٌ مُتَّفِقةٌ , وصارتْ لِبعضِنا دليلاً نَسيرُ على ضوئِهِ , وكتالوجًا نُركِّبُ به أَفكارَنا وأحكامَنا , فنَستعجِلُ القضاءَ قبلَ استيفاءِ الأَداءِ .

نقضُ السَّطْحيَّةِ , ورَدُّ القولِ على بادي الرَّقِيَّةِ ,ألا تَرَونَ معي يا رِفاقي , كمْ من مُصيبةٍ جَلَّتْ , وكمْ من كارثةٍ حَلَّتْ , نَتِيجَةَ هذا الاندفاعِ والتَّسَرُّعِ في الحُكْمِ على الأفكارِ والأشخاصِ , لقد جَعَلْنا من تِلكَ المَقولةِ حِكمةً مقدَّسةً , وطريقةً في التَّفكيرِ مُؤسَّسَةً , حتَّى أضحَتْ أسلوبًا للحياةِ , يَسْلُكُه أهلُ الغَباةِ , فكمْ من صالحٍ وُئِدَتْ خُطبتُه , وكمْ من مَكينٍ رُفِضَتْ صُحبَتُه , لأنَّ ظاهرَهُ لم يُرضِ الأَبصارَ , فصَدَّقوا أنَّ الكتابَ يُعرَفُ من غلافِهِ .

مُفارَقةٌ مُحيِّرةٌ: العربُ يقولونَ : (( الكتابُ باينٌ من عنوانِه )) , والغَرْبُ يُعارضُهم قائلًا: (( لا تحكم على الكتاب من غلافه Ever judge the book by its cover )) , سطحية قاتلة , وواللهِ , إنَّ قولَ العربِ هذا لمَغالطةٌ لا تَستقيمُ , فالقارئُ الفرنسيُّ رولان بارت قالَ عن العنوانِ: ((هو عَتَبَةُ النصِّ )) , أيْ أنَّه يُرشدُكَ لتَقْتَنِيَ , لا لِتَقْضيَ , فإذا أَردْتَ الحُكْمَ , فاقْرأْ وحلِّلْ وناقِشْ , لا تَكتفِ بالبصيصِ ثمَّ تُصْدِرُ حُكْمًا كالرَّصاصِ , وكيفَ يكونُ هذا في قومٍ عَزَّزوا الجَوْهَرَ على الظَّاهِرِ؟ أليسَ رسولُنا الأعظمُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قالَ : (( إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسامِكُمْ، وَلا إلى صُوَرِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ ؟ )) , وأليسَ الفاروقُ عمرُ بنُ الخطابِ -رضيَ اللهُ عنه- قالَ: (( إني لأَرَى الرَّجُلَ فيُعجِبُني , فأَقولُ: ألَهُ حِرْفَةٌ ؟ فإن قالوا: لا , سَقَطَ من عَيْني؟ )) فقدَّمَ الجَوْهَرَ والسَّعْيَ على الجَسَدِ والطُّولِ والزَّيِّ , وصدقَ المتنبّي إذ قالَ : (( وما الحُسْنُ في وَجْهِ الفَتَى شَرَفًا لهُ إذا لمْ يكُنْ في فِعْلِهِ والخَلائِقِ , ولا خَيْرَ في حُسْنِ الجُسُومِ وطُولِها إذا لم يَزِنْ حُسْنَ الجُسُومِ عُقُولُ )) .

بَينَ الدَّلالةِ والتَّسويقِ في رَفْعِ المَناطِيقِ إذا قُلْنا: (( الكتابُ يَدلُّ عليه عنوانُهُ )) , فليسَ المُرادُ منه الحَرْفَ , كيفَ لِبِضعِ كَلِماتٍ أنْ تُحيطَ بمئاتِ الصفحاتِ ؟ إنَّما هو إشارةٌ بَعيدةٌ , وعَتَبَةٌ أَولى لا بُدَّ من اجتيازِها , ولكنَّها ليستِ النِّهايةَ ولا الغايةَ , لكنْ هيهاتَ , فقد صارَ العُنوانُ في زَمانِنا للتَّشويقِ والتَّسويقِ , يَتَخيَّرُهُ الكاتبُ بَرَّاقًا جَذَّابًا , حتَّى وإنْ لم يَعكِسْ ما احتواهُ الكِتابُ , فما أَصْدَقَ قولَ مصطفى لطفي المنفلوطي -رحمهُ اللهُ- حينَ قالَ: (( لقد جَهِلَ الذين قالوا إنَّ الكتابَ يُعرَفُ بِعُنوانِه , فإني لمْ أَرَ بَينَ كُتُبِ التاريخِ أَكْذَبَ من كتابِ (بدائعِ الزُّهورِ) ولا أعذَبَ من عُنوانِه , ولا بَينَ كُتُبِ الأَدبِ أَسْخَفَ من كتابِ (جواهرِ الأَدبِ) ولا أَرَقَّ من اسمِه )) , هلْ دَلَّنا عُنوانُ (( نظرة )) ليوسف إدريسَ على فَقْرِ طِفلةٍ وحِرمانِها ؟ وهلْ أَفْصَحَ (( الشحاذ )) لنجيب محفوظٍ عن تَسَوُّلٍ روحيٍّ لِمَحامٍ ثَريٍّ ؟ بلْ حتى سورُ القرآنِ الكريمِ , كمْ منها عُنوانُها لا يَدلُّ على جُلِّ مضمونِها , فسورةُ (( الحديدِ )) لمْ تتحدَّثْ عن المَعدِنِ إلا في شَطْرِ آيةٍ يسيرٍ, يا للمَهزَلةِ, جريمةٌ كُبرى أنْ تَنطِقَ بالفَتْوى دونَ قِراءةٍ أو مُشاهدةٍ, ومهزلةٌ أَعْظَمُ أنْ يَتكوَّنَ رأيٌ عامٌّ شَرِسٌ ويُطلِقَ الرَّصاصَ على (( عُنوانِ )) فيلمٍ أو كتابٍ لمْ يَرَ النُّورَ بَعْدُ , فَيُوأَدَ في مَهْدِهِ , هذا فِعلُ المُجتمعاتِ التي آثرَتِ الظَّلامَ على النُّورِ.

يا إخواني , في دعوةٌ إلى التَّبصُّرِ والتَّعقُّلِ , إنَّ المثلَ الشَّعبيَّ الذي يقولُ : (( المكتوبُ يُقرَأُ من عنوانِه )) , لمْ يُرِدْ به أصحابُهُ إلا التَّعبيرَ عن حَدْسٍ وتَخمينٍ , لا عنْ حَقيقةٍ وَصِلَتْ إلى اليَقينِ , ولكنَّه صارَ اليومَ شَكلًا من أَشكالِ المعرفةِ السَّائدةِ , التي تَكتفي بظواهِرِ الأُمورِ , وتَسْتَخرِجُ الدَّلالاتِ التي تَهواها النُّفوسُ , فكمْ من كتابٍ صارَ ضحيَّةً لعُنوانِه الجَذَّابِ , كـ (( نظامِ التَّفاهةِ )) لـ آلان دونو , الذي استَعارَ عُنوانَهُ الآلافُ دونَ أنْ يُكلِّفوا أنفسَهم القِراءةَ والاجتِهادَ , فلنتحلَّ يا أحبَّتي بِقليلٍ من الوعيِ والصَّبرِ , ولنبذُلِ قليلًا من الوقتِ والجُهدِ , ولنَحْكُم على الأفكارِ والأشخاصِ بِميزانِ التَّحليلِ والتَّأَمُّلِ , لا بِقَراراتِ التَّسَرُّعِ والانطباعاتِ الأوليَّةِ , ولنَستبدِلْ تلكَ المَقولةَ التي أَثبَتَتِ الأيامُ خَطَأَها: (( الكتابُ واضحٌ من عنوانِه )) , بهذه الحِكمةِ النَّبيلةِ: (( لا تَحْكُم على الكتابِ من عُنوانِه )) .
وإلى لقاءٍ قريبٍ , أستودِعُكُم اللهَ في رِحابِ المَقاماتِ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...


المزيد.....




- فنانة صينية تحوّل الملابس القديمة إلى فن حيّ في قلب لندن
- طه الفشني.. سيد التواشيح بمصر وصوت أيقوني يعانق هلال رمضان
- الثاني من رمضان.. كسر الإعصار المغولي وصمت الآذان بعد -بلاط ...
- فنانون عالميون يهاجمون مهرجان برلين السينمائي: صمتكم تواطؤ ف ...
- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .