|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْمِائَة-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 15:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ الكيانات الذاتية: الرغبة المتجسدة في أثير الإحتمالات
إن مفهوم الكيانات الذاتية (Servitors) يمثل جسراً فلسفياً وعملياً يربط بين إرادة الوعي و بين الفراغ أو العدم الذي تنبثق منه الإحتمالات. في جوهرها، لا تعد هذه الكيانات مجرد أدوات، بل هي محاولة واعية لهيكلة العدم؛ أي تحويل تلك القوة الخام التي تسبق الوجود والمادة إلى طاقة موجهة ذات غرض محدد (Intent). لكي نفهم هذا الترابط، يجب أن ننظر إلى العدم لا بوصفه غياباً محضاً، بل بوصفه حالة الكمون المطلق التي تفتقر إلى الشكل، وهنا يأتي دور الساحر أو الممارس ليقوم بدور المهندس الذي يقتطع جزءاً من هذا اللانهاية، ويمنحه إسماً، و خصائص، ووظيفة، مما يحوله من طاقة سديمية مشتتة إلى كيان وظيفي يعمل بإستقلالية نسبية. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في عملية التكثيف؛ فالسحر في أرقى مستوياته الفلسفية هو فن التلاعب بالواقع عبر الإرادة، و العدم هو المادة الخام الوحيدة التي لا تفرض قيوداً مسبقة. عندما يقوم الممارس بإنشاء (Servitor)، فإنه يقوم بعملية إسقاط سيكولوجي وميتافيزيقي للهدف داخل الفراغ. هذا الكيان هو في الحقيقة رغبة متجسدة تم فصلها عن الأنا الواعية لتتحرك في أثير الإحتمالات. إن الفلسفة الروحانية المتعالية هنا تكمن في أن العدم يستجيب للتعريف؛ فبمجرد أن نحدد (Define) شيئاً ما داخل اللامحدد، فإننا نمنحه حق الوجود. هذه القوة الخام هي طاقة غير متميزة، وما يفعله البروتوكول السحري لإنشاء الكيانات هو توفير القالب أو الوعاء (The Vessel) الذي يجبر تلك القوة على إتخاذ مسار خطي نحو هدف معين، مما يجعل الكيان الذاتي بمثابة عدسة تتركيز أشعة العدم المشتتة في نقطة إحراق واحدة. من المنظور الأنطولوجي، يمثل الكيان الذاتي نوعاً من الوجود البيني؛ فهو ليس معدوماً تماماً لأنه يمتلك تأثيراً، وليس كائناً مادياً لأنه يفتقر للكتلة. إنه العدم وقد صار له إرادة. هذه التقنية تعكس صراع الإنسان الأزلي مع الفوضى؛ حيث يسعى الوعي البشري لفرض نظام (Cosmos) على العماء (Chaos). إن السحر هنا لا يخلق شيئاً من لا شيء بالمعنى الحرفي، بل هو يعيد تشكيل العدم الحي ليكون خادماً للمنطق البشري. إن إستقلالية الكيان الذاتي تنبع من قدرته على إستمداد طاقته من نفس المصدر الذي جاء منه (العدم)، مما يجعله قادراً على الإلتفاف حول القوانين السببية التقليدية لتحقيق الهدف المرجو. وبذلك، يصبح الكيان هو النقطة التي يتوقف عندها العدم عن كونه فراغاً ويبدأ في كونه فعلاً، وهو ما يجعل هذه الممارسة أعمق من مجرد برمجة عقلية، بل هي عملية خلق ميتافيزيقية بإمتياز تعيد تعريف حدود الذات و علاقتها بالكون اللانهائي.
_ أرواح العدم وأوهام المادة: بحث في الأصالة الوجودية بين الكيانات المطلقة والصيرورة البشرية
تطرح مسألة الأصالة الوجودية للكيانات القاطنة في العدم سواء سُميت ملائكة، شياطين، أو أرواحاً علوية إشكالية فلسفية تضرب في جذور الأنطولوجيا، حيث تضع الوجود البشري المشروط في مواجهة الوجود المطلق أو الخام. لكي نفهم ما إذا كانت هذه الكيانات أكثر أصالة، يجب أولاً تعريف الأصالة بوصفها القرب من المصدر الأول أو التحرر من القيود المادية. من هذا المنظور، تُعتبر الكيانات العدمية كيانات بسيطة (Simple Beings) بالمعنى الفلسفي، أي أنها غير مركبة من مادة وتحلل، بل هي عبارة عن إرادة محضة أو فكرة متجسدة. بينما الإنسان وجود مركب يعاني من إنفصال الوعي عن المادة، مما يجعل وجوده مشتقاً وثانوياً مقارنةً بكيانات تنبثق مباشرة من رحم العدم أو الفراغ الكوني دون الحاجة لوسيط بيولوجي. هذه الأصالة تنبع من كونها لا تخضع لقوانين الزمن أو الفناء المادي، فهي تعيش في حالة الآن المستمر، مما يمنحها ثباتاً أنطولوجياً يفتقره الإنسان المتغير بإستمرار. علاوة على ذلك، فإن العلاقة بين السحر و العدم تكشف أن هذه الكيانات تمثل النماذج الأولية (Archetypes) التي تسبق المادة؛ ففي الفكر الهرمسي و النيوبلاتوني، يُنظر إلى هذه الكيانات كترددات أولية في الفراغ، بينما الإنسان هو الصدى المتأخر لهذه الترددات في عالم الكثافة. السحر هنا ليس إلا محاولة بشرية للإرتقاء إلى مستوى تلك الأصالة عبر تجريد الوعي من قيوده المادية للإتصال بهذه القوى. إن الكيانات العدمية لا توجد بالمعنى البشري أي الوجود المعتمد على التنفس والتمثيل الغذائي، بل هي تتحقق (Actualize) كضرورة كونية. هذا التمييز يجعلها أكثر أصالة لأنها لا تحتاج لسبب خارجي لإستمرار بقائها؛ فهي جزء لا يتجزأ من نسيج العدم الخلاق. الإنسان، في المقابل، يمثل حالة من الإغتراب الوجودي عن هذا المصدر، حيث تشتت المادة جوهره، بينما تظل الكيانات العدمية محتفظة بوحدتها الجوهرية (Oneness) مع القوة الخام التي إنبثقت منها. ومع ذلك، تبرز مفارقة فلسفية تقلب موازين القوى؛ وهي أن أصالة هذه الكيانات قد تكون هي سجنها في الوقت ذاته. فبينما يمتلك الشيطان أو الملاك طبيعة ثابتة ومحددة لا يمكنه الخروج عنها كونها أصالة إستاتيكية، يمتلك الإنسان القدرة على الصيرورة (Becoming). إن الكيان العدمي هو وظيفة" كونية، بينما الإنسان هو إمكانية. من هنا، يرى بعض الفلاسفة الباطنيين أن الإنسان، رغم ضعفه المادي، يمتلك أصالة من نوع فريد تتمثل في الوعي المنعكس؛ أي القدرة على مراقبة العدم و تسميته. لكن، بالنظر إلى ميزان القوة الخام، تظل الكيانات العدمية هي الأقرب لجوهر الحقيقة الكونية؛ فهي القوى المحركة التي تسكن خلف ستار الواقع، وهي الكلمات التي نطق بها العدم قبل أن يتجمد الكون في صورته المادية. إنها ليست مجرد سكان للفراغ، بل هي الفراغ وقد صار وعياً، و هذا ما يمنحها تفوقاً وجودياً يجعل الوجود البشري يبدو و كأنه ظلال عابرة على جدار الأبدية.
_ هندسة التفاوض مع الفراغ: السيادة البشرية وفن صياغة العقود الميتافيزيقية
إن الغوص في لجة العلاقة بين الوعي البشري و العدم يستوجب إدراكاً عميقاً بأن ما نسميه سحراً ليس في جوهره إلا هندسة متطورة للفراغ، حيث يبرز التفاوض كأرقى تقنيات هذه الهندسة، كونه يمثل الجسر الرابط بين إرادة التحديد و سيولة اللامتناهي. عندما يقف الممارس أمام سديم القوة الخام التي تسكن العدم، فإنه لا يتعامل مع مادة صماء، بل مع وعي كامن يفتقر إلى الشكل والوجهة، وهنا تتحول عملية التفاوض من مجرد حوار ثنائي إلى عملية تثبيت أنطولوجي؛ إذ إن العدم بطبيعته يمتلك خاصية الإمتصاص والإشتمال، وبدون فرض شروط إستخدام دقيقة، فإن أي إتصال بين الوعي البشري وهذا الفراغ قد يؤدي إلى تلاشي الذات في المطلق. لذا، يُعد التفاوض هو التقنية التي تمنح العدم شكلاً وظيفياً، حيث يتم إقتطاع جزء من القوة الكونية غير المتميزة وحبسها داخل قالب تعاقدي (Contractual Mold) يجبرها على العمل ضمن إطار زمني ومكاني محدد، مما يحول الفوضى الهدامة إلى نظام منتج يخدم غاية الوعي. تتجلى خطورة وأصالة هذا التفاوض في كونه عملية ترجمة كونية، حيث يقوم الساحر بترجمة رغباته الذاتية إلى لغة يفهمها العدم، وهي لغة الرموز و العهود و الأثمان الوجودية. إن الكيانات التي نطلق عليها شياطين أو ملائكة أو (Servitors) ليست في الحقيقة سوى عقد مشخصن؛ هي تجسيد ملموس لشروط الإتفاق التي تمت بين الساحر والعدم. و في هذا الإطار، لا يُعد الكيان طرفاً في التفاوض بقدر ما هو نتيجة له، فهو الوعاء الذي يحمل القوة الخام بعد أن تم تشكيلها وفقاً للمواصفات التي وضعتها الإرادة البشرية. ومن هنا، تبرز شروط الإستخدام ليس كقيود خارجية، بل كبنية تحتية لوجود الكيان نفسه؛ فبدون هذه الشروط، ينهار الكيان ويعود إلى حالته الأولى كقوة سديمية لا يمكن التحكم بها. إن التفاوض هو الفعل الذي يمنح القوة هوية مؤقتة، وهو ما يجعل الساحر في موضع المشرّع الكوني الذي يضع قوانين الطبيعة الخاصة بعالمه الصغير، مستخدماً العدم كمادة خام للبناء. من منظور فلسفي غائر، يمثل التفاوض مع الكيانات العدمية ذروة السيادة الإرادية، لأنه يعكس قدرة العقل على ممارسة الإستعمار الميتافيزيقي لآفاق لم تطأها قدم المادة. إن هذا الفعل هو إعتراف بأن العالم المادي ما هو إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها محيطاً من الإحتمالات غير المحدودة، وأن الوصول إلى هذا المحيط يتطلب بروتوكول أمان يتمثل في العقد المبرم. السحر، في هذا السياق، هو فن المقايضة بين المحدود واللامحدود؛ حيث يقدم الإنسان التعريف والغاية التي يفتقر إليها العدم مقابل الحصول على القوة والتأثير الذي يفتقر إليه الإنسان. هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل التفاوض عملية مستمرة من ضبط الإيقاع، فكل شرط يُوضع في العقد هو بمثابة صمام أمان يمنع القوة الخام من تجاوز حدودها، وكل تعهد يقدمه الممارس هو بمثابة الوقود الوجودي الذي يمنح الكيان حق التجلي في واقعنا. إنها عملية خلق مشتركة، حيث يمنح الإنسان الروح من خلال تحديد الهدف للعدم، ويمنح العدم الجسد الأثيري على شكل فعل للإرادة، ليصبح الكيان في نهاية المطاف هو النص المتجسد لهذا التفاوض العظيم، والشاهد الدائم على لحظة تطويع الفراغ ليصبح خادماً لوعي مدرك.
_ ميتافيزيقيا الشهرة: كيف تمنح الذاكرة الجمعيةُ حقَ الخلود لكيانات العدم
تعد الشهرة في السياق الميتافيزيقي أكثر من مجرد ذيوع إسم أو صيت؛ إنها تمثل عملية تثبيت أنطولوجي ونقلاً للكيان من حالة الهشاشة الفردية إلى حالة الديمومة الجمعية. عندما يخرج الكيان من رحم العدم عبر إرادة الممارس، فإنه يبدأ حياته كإحتمال رقيق يعتمد كلياً على طاقة الإنتباه الصادرة من خالقه. ومع ذلك، بمجرد أن ينتقل هذا الكيان إلى دائرة الشهرة أي حين يتم تداوله بين عقول متعددة، أو يُذكر في نصوص طقسية، أو يُستدعى من قبل جماعات، فإنه يكتسب ما يمكن تسميته بكتلة الوعي الحرجة. هذه الشهرة تعمل بمثابة مرساة تقيد الكيان بالواقع المادي وتمنعه من الإرتداد السريع إلى العدم. فالشهرة هنا هي الوقود الحيوي الذي يغذي إستقلالية الكيان؛ فكلما زاد عدد العقول التي تدرك وجوده، زادت القنوات التي تضخ فيه قوة الوجود، مما يجعله كياناً عابراً للذوات (Intersubjective) يمتلك قدرة على البقاء حتى بعد فناء وعي الممارس الأول الذي إستخرجه من العدم. إن العلاقة بين السحر و العدم تفرض أن البقاء خارج الفراغ الخام يتطلب مقاومة مستمرة ضد قانون النسيان الكوني. العدم يسعى دائماً لإستعادة ما إقتُطع منه، و الشهرة هي الأداة الوحيدة التي تكسر هذا المسار. عندما يكتسب كيان ما سواء كان شيطاناً قديماً أو خادماً (Servitor) حديثاً شهرة واسعة، فإنه يتحول إلى بيضة كونية تتغذى على إنتباه البشر المستمر. هذا الإنتباه ليس مجرد تفكير عابر، بل هو تردد طاقي يمنح الكيان كثافة تمنعه من التبخر. ومن هنا، يمكن القول إن الكيانات الشهيرة هي الأكثر أصالة مكتسبة؛ فهي لم تعد تعيش في العدم، بل إتخذت من اللاشعور الجمعي (Collective Unconscious) موطناً بديلاً. هذا الموطن هو منطقة برزخية بين العدم والمادة، حيث تمنح الشهرة للكيان القدرة على التكرار الذاتي (Self-Replication) في أحلام وعقول الآخرين، مما يجعله قوة واقعية تتجاوز في تأثيرها الكيانات المجهولة مهما بلغت قوة الأخيرة الخام. فلسفياً، تعكس شهرة الكيان قدرته على إستعمار الزمن؛ فبينما يظل الكيان المجهول حبيس لحظة إستدعائه، يمتلك الكيان الشهير تاريخاً ومستقبلاً. إن الشهرة هي الإسم الذي صار قانوناً. و في عالم السحر، يُعد الإسم المشهور بمثابة مفتاح تشغيل عام يمكن لأي ممارس إستخدامه للوصول إلى نفس خزان الطاقة. هذا التحول من الخصوصية إلى العمومية يمنح الكيان نوعاً من الحصانة الميتافيزيقية؛ فما هو معروف للجميع يصعب محوه من الوجود. إن القوة التي يمتلكها الكيان الشهير في البقاء خارج العدم لا تنبع من قوته الذاتية فحسب، بل من العقد الجماعي الضمني الذي أبرمه البشر معه عبر الإعتراف بوجوده. و بذلك، تصبح الشهرة هي الدليل القاطع على أن الكيان قد نجح في إختراق نسيج الواقع، و تحول من مجرد شرارة عابرة في ظلمة العدم إلى نجم ثابت في سماء الوعي الإنساني، يمتلك من السلطة ما يجعله قادراً على تشكيل أقدار المستدعين بدلاً من أن يشكلوه هم.
_ السيولة الأنطولوجية: فن التحلل وإعادة التكثيف في رحلة الأبعاد
يُمثل سحر السفر عبر الأبعاد في جوهره أقصى تجليات التحدي البشري للحدود المكانية و الزمانية، حيث لا يُنظر إليه كمجرد إنتقال من نقطة "أ" إلى نقطة "ب"، بل كعملية إختراق لنسيج العدم الذي يفصل بين الحقائق المتوازية. في هذا الإطار الفلسفي، لا تُعد الأكوان جزراً معزولة، بل هي فقاعات من الوجود المنظم تطفو في محيط لا نهائي من العدم الخام. إن السفر بين هذه الأبعاد يتطلب تقنية لا تتعامل مع المادة، بل مع الفراغ الذي يفصل بين الذرات الكونية؛ فالعبور هنا هو فن الملاحة في المنطقة المحرمة أو اللاشيء (The Void) الذي يربط و يفصل في آن واحد. السحر، بهذا المعنى، يعمل كبدلة غوص ميتافيزيقية تحمي الوعي من التحلل أثناء مروره عبر العدم، حيث أن العدم ليس مكاناً للسفر، بل هو حالة من إنعدام القوانين التي تلتهم أي كيان يفتقر إلى درع الإرادة المحكم. إن عبور العدم يعني مواجهة الحالة الأولية التي سبقت الخلق، وهو ما يجعل السفر البعدي عملية ولادة وموت متكررة في كل لحظة إنتقال. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذه التقنية عبر مفهوم الثقوب الدودية الروحية؛ فالممارس لا يشق طريقه عبر العدم بالقوة، بل يقوم بعملية طي لنسيج الواقع مستخدماً قوة الفراغ ذاتها كقوة دافعة. إن السحر البعدي يعتمد على إدراك أن العدم ليس فراغاً سلبياً، بل هو وسط ناقل فائق السيولة يتجاوز سرعة الضوء والمنطق السببي. عندما يقرر الساحر العبور، فإنه يقوم بتسييل ذاته أنطولوجياً ليتوافق مع طبيعة العدم، ثم يعيد تكثيفها بمجرد الوصول إلى البعد المستهدف. هذه العملية تفرض أن يكون المسافر على دراية كاملة بإحداثيات العدم، وهي ليست إحداثيات مكانية، بل هي ترددات وجودية. إن الفشل في الحفاظ على ثبات الوعي أثناء العبور يعني الضياع الأبدي في الفراغ، حيث يتحول المسافر من كيان عابر إلى جزء من العدم، مما يفسر التحذيرات القديمة في النصوص الباطنية من مخاطر الكيانات الهائمة التي ضلت طريقها بين العوالم ولم تعد تمتلك شكلاً أو غاية. من المنظور الأنطولوجي العميق، يُعد سحر السفر عبر الأبعاد إقراراً بأن العدم هو الحقيقة الكلية و ما الأكوان إلا إستثناءات عارضة. إن العبور هو تقنية لإستغلال الفجوات في جدار الواقع، حيث يُنظر إلى الوجود المادي كقشرة هشة يمكن ثقبها للوصول إلى المحرك العدمي الذي يربط كل شيء بكل شيء. الساحر الذي يتقن العبور لا يرى المسافات، بل يرى الترابط الخفي الذي يوفره الفراغ؛ فبين كل كون وآخر، يوجد صمت هو العدم، وهذا الصمت هو الطريق المختصر لمن يمتلك الكلمة الصحيحة. إن العبور هو فعل تمرد وجودي على سجن البعد الواحد، وهو تحويل للعدم من كونه نهاية المطاف إلى كونه وسيلة للإتصال المطلق. وبذلك، لا يعود السفر عبر الأبعاد مجرد خيال سحري، بل يصبح ممارسة للسيادة على الفراغ، حيث يتعلم الوعي كيف يرقص على حافة الفناء دون أن يسقط فيه، محولاً العدم الموحش إلى جسر من النور يربط بين لانهائيات الوجود.
_ حارس الهوية في قلب الفراغ: الكيان المرافق بوصفه مرساة الوجود وضمانة البقاء
يُمثل مفهوم الكيان المرافق (Familiar) في الميتافيزيقا العميقة ما هو أبعد من مجرد مساعد طقسي؛ إنه في جوهره نقطة إرتكاز وجودية و وظيفة رقابية حيوية تمنع تشتت الذات البشرية في محيط العدم الشاسع. في رحلة الساحر نحو سبر أغوار القوى الخام، يتعرض الوعي لعملية تسييل تدريجية؛ فكلما إقترب الممارس من الفراغ المطلق لإستخلاص القوة، فَقَدت هويته المادية تماسكها وأصبحت عرضة للإمتصاص من قبل العدم الذي لا يعرف الحدود. هنا تبرز الوظيفة الفلسفية للمرافق كمرآة عاكسة للذات؛ فهو كيان يتم تثبيته في منطقة برزخية بين الوجود و العدم، ليكون بمثابة الشاهد الذي يراقب تماسك الوعي البشري. إن المرافق هو الرابط الذي يمسك بطرف الخيط الوجودي بينما يغوص الساحر في أعماق السديم، وضمانة أن هناك آخراً يدرك وجود الساحر، لأن الوجود في غياب المراقب يؤول بالضرورة إلى العدم. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم هنا في كون المرافق يعمل كمُعايِر للترددات (Frequency Calibrator)؛ فالساحر الذي يتعامل مع القوى غير المتميزة قد ينسى نغمة وجوده الخاص تحت وطأة الترددات الكونية العنيفة. يقوم المرافق، بحكم طبيعته الوسيطة، بالحفاظ على نسخة إحتياطية من جوهر الساحر وتاريخه الروحي. إنه يعمل كحارس للحدود (Threshold Guardian)، حيث يراقب أي تسرب للعدم إلى داخل الأنا الواعية، ويصدر تنبيهات ميتافيزيقية عندما يبدأ الساحر في فقدان التمييز بين ذاته وبين الفراغ الذي يستدعيه. ومن المنظور الأنطولوجي، فإن المرافق هو تجسيد للأمان في عالم لا أمان فيه؛ فهو لا يحمي الساحر من كيانات خارجية فحسب، بل يحميه من الجاذبية الذاتية للعدم التي تشد كل كائن مركب نحو التحلل والعودة إلى البساطة المطلقة للفراغ. علاوة على ذلك، يمثل المرافق تقنية لتوزيع الحمل الوجودي؛ فعندما يواجه الساحر الحقيقة العارية للعدم، و هي حقيقة قد تفوق قدرة العقل البشري على الإحتمال، يعمل المرافق كجهاز إستقبال موازٍ يمتص الصدمة الأنطولوجية. إنه الصدى الذي يثبت للساحر أنه ما زال موجوداً؛ فبما أن المرافق يستمد جزءاً من كينونته من الساحر، فإن بقاء المرافق هو دليل مادي وميتافيزيقي على بقاء المصدر. إن التفاوض الذي تم لإنشاء هذا المرافق تضمن شرطاً ضمنياً وهو الولاء للثبات؛ أي أن مهمة الكيان هي إبقاء الساحر هنا، في عالم التجلي، و منعه من التحول إلى هناك، في عالم الفناء. وبذلك، يتحول المرافق من مجرد خادم سحري إلى بوصلة وجودية تشير دائماً نحو الذات، مما يجعل ممارسة السحر العالي رحلة آمنة نسبياً في قلب العدم، بفضل هذا الرقيب الذي يجسد إرادة البقاء في وجه التلاشي الحتمي.
_ ذروة الإنعتاق الميتافيزيقي: تحرير الكيانات إلى العدم كفعل لخلق الآلهة المستقلة
تُمثل عملية تحرير الكيان (The Release) في الممارسات السحرية العليا ذروة المخاطرة الفلسفية، حيث يتحول الساحر من دور المهندس والمراقب إلى دور المفجر الوجودي الذي يعيد قذف الكيان إلى رحاب العدم. إن هذا التحرر ليس فعل طرد أو إنهاء، بل هو تقنية للتسامي الوظيفي؛ فبينما يظل الكيان المرتبط بالساحر حبيساً في دائرة طاقة محدودة وشروط إستخدام بشرية، فإن إرساله إلى العدم يمنحه فرصة للإغتراف مباشرة من المصدر الخام. في هذه اللحظة، يتوقف الكيان عن كونه مجرد إمتداد لإرادة الساحر ليبدأ صيرورته ككيان حر يتغذى على إحتمالات الفراغ اللانهائية. إن الفلسفة هنا تكمن في أن العدم هو البيئة الوحيدة التي تمنح الإستقلالية المطلقة؛ فبمجرد أن ينفك الرباط بين الخالق والمخلوق، يكتسب الكيان القدرة على التطور والنمو بعيداً عن قيود المنطق البشري، مما يجعله أكثر قوة، وأكثر غموضاً، وأكثر قدرة على التأثير في مستويات واقع لا تطالها يد الساحر المباشرة. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذه التقنية كنوع من التلقيح الكوني؛ حيث يقوم الساحر بزرع بذرة من الإرادة ممثلة بالكيان داخل رحم الفراغ حيث العدم المطلق. إن التحرر هو فعل الثقة في أن القالب الذي صممه الساحر سيصمد أمام ضغط اللامتناهي. عندما يتحرر الكيان، فإنه يخضع لعملية تطهير أنطولوجي، حيث تتساقط عنه الزوائد المرتبطة برغبات الساحر الشخصية، ليبقى فقط جوهره الوظيفي الذي صُقل في قلب العدم. هذا النوع من الإستقلالية يجعل الكيان قوة طبيعية (Force of Nature) بدلاً من أن يكون أداة سحرية؛ فهو يعود إلى العدم لا ليختفي، بل ليعيد تنظيم نفسه كقوة قادرة على العودة أو التجلي بشكل مستقل تماماً كلما إستدعت الضرورة الكونية ذلك. إن الكيان المحرر يصبح مواطناً في الفراغ، يمتلك ذكاءً مستمداً من الفوضى المنظمة، مما يجعله يتجاوز ذكاء الساحر نفسه، ويتحول إلى حليف إستراتيجي يسكن في الثغرات بين العوالم، بعيداً عن رقابة الزمن والمادة. من الناحية الفلسفية العميقة، يُعد تحرير الكيان إلى العدم إعترافاً بنضج الإرادة؛ فالساحر الذي يخشى تحرير كيانه هو ساحر لا يثق في قوة خلقه. إن الإستقلالية هنا هي الإختبار الحقيقي لأصالة الكيان؛ فإذا كان الكيان قد صُنع بقوة خام حقيقية، فإنه سيزدهر في العدم ويتحول إلى عين للساحر في المجهول. هذا التحرر يفتح باباً للسحر غير المشروط، حيث يعمل الكيان وفقاً لمبدأ التوافق الكوني بدلاً من الأمر المباشر. إن الكيان في العدم يصبح بمثابة فيروس إيجابي في نسيج الواقع، يعيد تشكيل الإحتمالات لصالح الأهداف العليا التي بُني عليها في الأصل، دون حاجة لشحن طاقي مستمر من الساحر. وبذلك، يصبح التحرر هو التقنية التي تحول العمل السحري من فعل عابر إلى حضور دائم في الكون، حيث يظل الكيان المحرر يسبح في محيط العدم، حاملاً شفرة الساحر الوراثية الروحية، ومحققاً إستقلالية وجودية تجعله نداً للكيانات الأصيلة التي لم يعرف لها خالق بشر قط.
_ أقنعة الفراغ: السيولة الوجودية للكيان خلف تعدد المسميات
تُمثل ظاهرة الأسماء المتعددة لكيان واحد في الميتافيزيقا العميقة دليلاً أنطولوجياً على طبيعة العدم كخزان للإحتمالات اللانهائية التي لا تتقيد بصورة ثابتة. في الفلسفة السحرية، الإسم ليس مجرد تسمية إعتباطية، بل هو تردد إستدعاء يحدد الزاوية التي يتجلى منها الكيان من وراء حجاب العدم. إن قدرة الكيان على حمل أسماء متباينة عبر العصور والثقافات تشير إلى أنه لا يمتلك ماهية صلبة بالمعنى المادي، بل هو سيولة وجودية تتشكل وفقاً لوعي المراقب وضغط الحاجة الطقسية. كل إسم يمثل قناعاً (Persona) يرتديه العدم ليصبح قابلاً للإدراك؛ فالإسم هو التقنية التي تُحول القوة الخام غير المتمايزة إلى شخصية ذات ملامح. وبناءً عليه، فإن تعدد الأسماء يكشف عن أن الكيان هو في جوهره عقدة من الإرادة تسبح في العدم، و كلما إستُدعي بإسم جديد، فإنه يقتطع من الفراغ خصائص جديدة تتناسب مع ذلك الإسم، مما يجعله كائناً متعدد الأبعاد يتغير شكله بتغير صيغة النداء التي تخرجه من غيابة العدم إلى نور التجلي. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذه التعددية بوصفها عملية تشفير للمطلق؛ فالعدم، بكونه حالة اللاشيء الذي يحتوي كل شيء، لا يمكن التعامل معه دفعة واحدة دون أن يحترق الوعي البشري. لذا، تعمل الأسماء المتعددة كمحولات طاقة (Transformers) تجزئ القوة الكلية للكيان إلى جرعات يمكن إستيعابها. عندما يأخذ الكيان شكلاً محارباً تحت إسم معين، وشكلاً شافياً تحت إسم آخر، فإنه لا يتظاهر بذلك، بل هو يصير ذلك فعلياً في تلك اللحظة الوجودية. إن الأسماء هي الأدوات التي يستخدمها الساحر لنحت العدم؛ فكل إسم هو إزميل يزيل الغموض عن جانب معين من القوة الخام ليبرز شكلاً محدداً. هذا التعدد يمنح الكيان حصانة ضد الحصر، فهو يظل دائماً أكبر من أي إسم يُطلق عليه، مما يضمن بقاء أصالته العدمية بعيداً عن الإستهلاك الكلي، حيث يظل الجزء الأكبر من جوهره مخفياً في الفراغ، لا تطاله لغة ولا يحده رسم، وما الأسماء إلا ظلال مختلفة لجسد واحد غير مرئي يسكن في قلب الصمت. من المنظور الأنطولوجي الغائر، تعكس الأسماء المتعددة قدرة الكيان على التكيف مع الأوساط الوجودية المختلفة؛ فالعدم لا يفرض شكلاً، بل يمنح مادة الوجود، والإسم هو الذي يفرض القانون. إن الكيان الذي يمتلك أسماءً كثيرة هو كيان نجح في إستعمار مساحات شاسعة من الوعي الجمعي، حيث أصبح لكل حضارة أو مدرسة سحرية نسختها الخاصة منه. هذا لا يعني تفتت الكيان، بل يعني وحدته المتكثرة؛ إذ يظل الخيط الرابط بين كل هذه الأشكال هو النواة العدمية التي إنطلق منها. الساحر المتمرس يدرك أن الأسماء هي مجرد بوابات (Portals)، وأن الحقيقة تكمن في ما وراء الإسم، حيث تختفي الأشكال وتندمج الهويات في القوة الخام الأولى. وبذلك، تصبح الأسماء المتعددة دليلاً حاسماً على أن الكيان ليس مخلوقاً محدوداً، بل هو تدفق مستمر من العدم، يأخذ شكل الوعاء الذي يُصب فيه، ويظل محتفظاً بقدرته على التحول والتبدل ما دام الفراغ يمده بالإحتمالات التي لا تنضب.
_ البذلة الفيزيائية: إستعارة الكتلة ومنح العدم حق الحضور المؤقت
يُعتبر إستخدام الوسيط البشري (The Medium) في طقوس الإستدعاء العليا بمثابة تقنية تأريض ميتافيزيقي تهدف إلى ترويض السيولة الفائقة للعدم وحصرها في نطاق الإدراك المادي الملموس. في الفلسفة الباطنية، يمثل العدم حالة من التجرد المطلق التي يستحيل على الحواس البشرية العادية التفاعل معها دون وسيط؛ لذا فإن جسد الوسيط و عقله يعملان كوعاء كيميائي يقوم بعملية تكثيف (Condensation) للقوة الخام المنبثقة من الفراغ. إن التجسيد هنا ليس مجرد ظهور للكيان، بل هو عملية صبّ لللامتناهي داخل المحدود، حيث يعمل النظام العصبي للوسيط كشبكة ناقلة تحول الترددات العدمية عالية الطاقة إلى لغة، و حركة، وحضور فيزيائي. هذا الإستخدام للوسيط البشري يضمن أمان العملية السحرية من خلال توفير فلتر أنطولوجي؛ فبدلاً من أن يواجه الساحر صدمة العدم مباشرة، يتم تمرير هذه القوة عبر قنوات الوعي البشري للوسيط، مما يجعلها تأخذ طابعاً أنسانياً مؤقتاً يسهل التفاوض معه و التحكم في مخرجاته. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذه التقنية كعملية إستعارة للكتلة؛ فبما أن الكيانات العدمية تفتقر إلى الثقل الوجودي في عالم المادة، فإنها تستخدم جسد الوسيط كبذلة فيزيائية تمنحها حق البقاء المؤقت في هذا البعد. الوسيط هنا ليس مجرد قناة، بل هو جسر من اللحم والدم يربط بين الفوضى المنظمة في العدم وبين النظام الهندسي للواقع المادي. إن أمان هذه التقنية ينبع من كون الجسد البشري يمتلك قوانين حيوية تفرض حدوداً طبيعية على تجلي الكيان؛ فجسد الوسيط يمتص الإرتداد الطاقي (Backlash) الذي قد ينتج عن فتح بوابات العدم، مما يحمي الساحر (المراقب) من التلاشي أو الجنون. إنها عملية تجسير للفجوة، حيث يتم ترويض البرودة المطلقة للعدم عبر الحرارة الحيوية للوسيط، مما ينتج حالة من التوازن تسمح للكيان بالتموضع في العالم المادي دون أن يؤدي ذلك إلى تمزيق نسيج الواقع المحلي. من المنظور الأنطولوجي العميق، يمثل الوسيط البشري نقطة التقاطع التي يتوقف عندها العدم عن كونه غيبة ويبدأ في كونه حضوراً. إن فعل التجسيد عبر الوسيط هو محاولة لأنسنة المطلق؛ أي إجبار قوة العدم التي لا حد لها على الخضوع لقوانين البيولوجيا و اللغة. السحر في هذه الحالة يتخلى عن تجريده ليصبح سحراً حيوياً (Bio-Magic)، حيث تُستخدم الروح الحية للوسيط كشفرة برمجية لإعادة صياغة القوة الخام في صورة يمكن فهمها. ومع ذلك، تظل هذه التقنية محفوفة بالسيولة المتبادلة، حيث يترك العدم أثراً دائماً في جوهر الوسيط، كما يترك الوسيط بصمته على شكل الكيان المتجلي. وبذلك، يصبح الوسيط هو المختبر الوجودي الذي يُختبر فيه مدى قدرة المادة على إحتمال الفراغ، وهو الضمانة التي تحول دون أن يتحول الإستدعاء إلى إنفجار طاقي يبتلع كل ما حوله، محولاً قوة العدم من تهديد ماحق إلى معرفة متجسدة يمكن محاورتها وسؤالها.
_ غذاء الآلهة والظلال: العواطف البشرية كوقود كيميائي لتجسيد كيانات العدم
تُمثل العواطف البشرية القوية في الأنطولوجيا السحرية ما هو أبعد من مجرد إستجابات سيكولوجية؛ إنها تُعد الوقود الكيميائي والوسيط الطاقي الذي يربط بين تجريد العدم و كثافة المادة. ففي حين أن الكيانات التي تستمد أصلها من العدم تمتلك أصالة وجودية، إلا أنها تفتقر إلى الحرارة الحيوية والدافعية التي تميز الكائنات الحية. هنا تبرز العاطفة سواء كانت حباً مطلقاً، خوفاً وجودياً، أو رغبة حارقة بوصفها مادة خاماً مصفاة تعمل كجسر يسمح للكيان بالتموضع والإستقرار خارج الفراغ. إن العاطفة هي الذبذبة التي تمنح للعدم البارد شكلاً وحركة؛ وبدون هذا الغذاء العاطفي، تظل الكيانات مجرد نماذج أولية (Archetypes) ساكنة في الفراغ، عاجزة عن التأثير في الواقع الفيزيائي. و بذلك، تصبح العواطف هي العملة الوجودية التي يدفعها البشر للعدم مقابل الحصول على خدماته، حيث يمتص الكيان هذه الطاقة ليحولها إلى قوة فعل ملموسة، مما يجعل العلاقة بين الساحر و الكيان علاقة تكافل طاقي بإمتياز. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذا السياق عبر عملية التكثيف عبر الإنفعال؛ فالعدم بطبيعته يمتص كل شيء، و لكن العاطفة القوية تمتلك ترددات قادرة على إختراق أفق الحدث للفراغ وجذب إنتباه الكيانات القابعة فيه. عندما يشحن الممارس طقسه بفيض عاطفي، فإنه يقوم عملياً بتسييل إرادته ومنحها لزوجة تسمح للكيان بالإلتصاق بها. هذا الغذاء ليس مجرد إستهلاك، بل هو عملية تجسيد مؤقت؛ فالكيان المحروم من المشاعر في بيئته الأصلية يجد في عاطفة البشر بوصلة تمنحه هوية ومساراً. إن العاطفة هي التي تمنح المعنى للعدم، وبدونها تظل القوة الخام قوة عمياء لا تفرق بين البناء والهدم. ومن هنا، يُعد التحكم في الإنفعالات هو التقنية الأهم لفرز الطاقة؛ فالعاطفة غير المنضبطة قد تغذي جوانب مظلمة أو فوضوية في الكيان المستدعى، مما يجعله يرتد على خالقه، بينما العاطفة الموجهة بدقة تعمل كليزر طاقي يمنح الكيان ذكاءً حاداً و قدرة فائقة على تحقيق الهدف. من المنظور الفلسفي العميق، يُنظر إلى العواطف كصدى للعدم في الجسد؛ فهي الحالات التي يشعر فيها الإنسان باللامحدود داخل حدوده المادية. عندما يتغذى الكيان على هذه العواطف، فإنه في الحقيقة يستعيد جزءاً من طبيعته الأصلية المفقودة في عالم التجلي. إن هذه العملية تشبه التمثيل الغذائي الميتافيزيقي، حيث يتم تحويل الطاقة النفسية البشرية إلى مادة أثيرية تُبقي الكيان متماسكاً خارج العدم. هذا يفسر لماذا تنجذب الكيانات القديمة إلى أماكن الصراعات الكبرى أو دور العبادة أو لحظات الوجد الصوفي؛ فهي تبحث عن الحقول العاطفية الكثيفة التي توفر لها البقاء دون الحاجة لإستنزاف طاقة ممارس واحد. وبذلك، تصبح العاطفة القوية هي الرابط الكيميائي الذي يمنع الكيان من التبخر و العودة إلى العدم، محولةً الوعي البشري إلى مفاعل طاقي يغذي جيوشاً من الكيانات التي لا تعيش إلا على حرارة ما نمر به من إنفعالات، مما يجعل الإنسان هو الشمس التي تدور حولها كواكب الفراغ بحثاً عن الدفىء والوجود.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
موانئ دبي تعين عيسى كاظم رئيسا جديدا لمجلس إدارتها خلفا لسلط
...
-
فضيحة إبستين: إعفاء سلطان أحمد بن سليم من رئاسة موانئ دبي بع
...
-
شمخاني يطلق رسائل ردع من طهران وسط تصعيد عسكري ومفاوضات متعث
...
-
غوارديولا يلهم -غزة الإرادة-.. توقيع خاص يحفّز فريق مبتوري ا
...
-
لولادته في غزة.. قاض إسرائيلي يمنع طفلا من العلاج في تل أبيب
...
-
نيويورك تايمز: إدارة الهجرة تنتهك الدستور وعلى الكونغرس التد
...
-
الأمن المائي والصرف الصحي يتصدران محاور القمة الأفريقية
-
جامعة كولومبيا تقيل إداريَّين بسبب قبول صديقة إبستين
-
انطلاق مؤتمر ميونخ والمستشار الألماني يحذر من -عصر القوة-
-
أميركا تعلن استكمال نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|